ولقد أصبحنا اليومَ على مدار الساعة نتصفَّحُ وسائل التواصل الاجتماعي، لنرى أشخاصاً مثاليين وعائلات سعيدة وسيِّدات جميلات وغير ذلك، وهنا نبدأ برحلةِ السَّعي عن المثالية لنصبحَ نسخةً عمَّا نراه، ولكن حين يصبحُ السعي إلى الكمال نقمةً هنا يجب علينا أن نتوقَّفَ، فدعونا نتعرَّف إلى هذا الموضوع أكثرَ في هذا المقال.
البحث عن المثالية:
البحث عن المثالية ليس عبارةً عن إحساسٍ مؤقَّتٍ يعصِفُ بحياتك وحسب؛ بل هو حالةٌ تُصيب فئةً كبيرةً من الأشخاص المعينين دون غيرهم لتُشعِرَهم أنَّ كلَّ مسعى يبذلونه في حياتهم ليس كافياً إطلاقاً، ويركِّزون على نواقص إنجازاتهم بدلاً من الإنجاز بحدِّ ذاته.
إذ بنظرهم كلُّ إنجازٍ يجب عليه أن يكون عالي الإتقانِ والدِّقَّةِ وفقاً لمعايير شخصيةٍ وضعها هذا الشخص لنفسه، لن نجزمَ هنا أنَّ هذا الأمرَ خاطئٌ بالكامل، لكن بقدر ما يجلِبُ معه نجاحات متعدِّدةً متتالية، بقدر ما يسبِّبُ لصاحبه مع الوقت الإرهاق، وتكون أحد أسباب إصابته بالمماطلة والتسويف والنقد الدائم لذاته أنَّه يضعها في مكان مقارنةٍ دائمةٍ مهما بلغَت من إنجاز وسعي عظيم.
مفهوم المثالية:
يمكننا أن نوضِّحَ أنَّ مفهومَ المثالية (الكمالية) هو سِمَة شخصية يُحاول صاحبُها أن يصلَ لمرحلةِ الكمالِ وأن يكون بصورةٍ خاليةٍ من العيوب أو الأخطاء وأشكال التقصير جميعها، ليتمكَّن عندها من الوصول إلى إنتاجيَّةٍ كاملةٍ وحقيقيَّةٍ؛ وذلك عن طريق المُبالغةِ في وضع القوانين التي يرغب في السير عليها للوصول.
يصاحب ذلك نقدٌ وتقييمٌ ذاتي مُبالَغٌ فيه والخوف المُرعب من آراء الآخرين وتقييماتهم السلبية، فيَصِفُ بعض علماءِ النفسِ بأنَّ السعيَ إلى المثالية ليس عيباً بحدِّ ذاته، فمن خلال هذه الصفة سيتمكَّنُ الفردُ من الحصول على مُعدَّلٍ دراسيٍّ مُرتفعٍ، وكذلك الالتحاق بجامعةٍ جيِّدةٍ والتَّخرُّجُ منها بمرتبةِ شرفٍ، وسيساعِد على التفوُّقِ بطريقةٍ لا يتخيَّلها بعضُ الأشخاص أحياناً، ولكن يصبحُ السعيُ إلى الكمال نقمةً، عندما تشعر أنَّ جميعَ ما أنجزته ليس كافياً وأنَّ عليك بذلَ جهدٍ أكبرَ وأن تفعلَ مزيداً من الأمور لتكون أفضلَ.
فيقول أحدُ الأشخاصِ: "المثالية لم تتِح لي أن أستمتعَ بأيٍّ من إنجازاتي، فكان عليَّ أن أفكِّرَ دوماً ما هي الخطوة اللاحقة".
ما هو شكل المثالية عند الأشخاص الذين يسعون إلى الكمال؟
لأنَّ المثاليةَ مفهومٌ نسبيٌّ عادةً ويَختلِف من شخصٍ لآخر، فعلينا هنا أن نعرف ما هو شكل المثاليةِ عند الأشخاص الذين يسعون إلى الكمال، فقد وُجِدَ أنَّهم يتَّصفون معظمهم بالصفات الآتية:
- لا يُعِدُّون أنَّ المهمةَ التي قاموا بها ذات أهميةٍ أو أُنجِزَت على أكملِ وجهٍ إلَّا إذا كانت مثاليةً وكاملةً وخالِيَةً تماماً من العيوب.
- يشعرون بذنبٍ وحزنٍ عميق جداً وشعورٍ كبيرٍ بالفشل إذا ما وُجِّهَ نقدٌ واحدٌ فقط للعمل الذي قاموا به، أيَّاً كان الشخصُ الذي نقدهم ومهما كان عملهم مميزاً.
- لأنَّهم يخافون النقدَ والفشلَ ولأنَّهم عند كلِّ فشلٍ يشعرون بحزنٍ عميقٍ؛ فإنَّ عقلَهم الباطنَ يشدُّهم نحو التسويف والمماطلة بأيِّ عملٍ يقومون به ، فيستغرقون وقتاً طويلاً قبل الشروع بالعمل.
- يجعل البحث عن المثاليةِ الشخصَ مهتماً كثيراً إلى حدٍّ مَرَضيٍّ بالتفاصيل، وغير قادرٍ على تقبُّلِ النتيجةِ النهائية إذا لم تُرضِ توقعاته وما خَطَّطَ له.
- يستغرق في إنجاز مَهمَّته وقتاً أطول بكثيرٍ من الوقت الذي يحتاجه شخص آخر ليقوم بالمَهمَّةِ نفسها، أيَّاً تكن ومهما بلغت وكانت بسيطة وغير مُعقَّدة.
- يتَّصف الشخصُ الساعي إلى الكمال بضميرٍ حيٍّ؛ لذا فالأشخاص المُتَّصفين بهذه الصفة لا يقبلون على أنفسهم صفةً أقلَّ من المثالي في تحقيق الهدف الذي يصبون إليه، فهم يرفضون بشدةٍ الأداءَ الضعيفَ حتَّى في المواقفِ الخارجةِ عن الإرادة.
- في الغالب لا يتمكَّنُ هؤلاء الأشخاص من المساوَمةِ أو التغيير، كما أنَّهم لا يشعرون بالمُتعة عند بذلهم المجهود الكبير؛ لأنَّ دافعهم نحو المثاليةِ هو فقط الخوف.
كيف أتخلص من صفة البحث عن المثالية والكمال؟
يرتبطُ البحثُ عن المثالية ارتباطاً دائماً بإصابة الشخص بعددٍ من المشكلات العاطفية والصحية والنفسية، فأُجريت دراسةٌ كَنَديةٌ أثبتت أنَّ واحداً من كلِّ أربعة أشخاصٍ يُعانون من مشكلاتٍ مُزمنةٍ، كالألمِ العضليِّ اللِّيفيِّ وكذلك المشكلات القلبية، هم بالأصلِ أشخاصٌ سجَّلوا درجاتٍ مرتفعةً في الكمال المعروف اجتماعياً؛ ولهذا يَقلَقُ بعضُ الأشخاصِ من امتلاكهم لهذه الصفة، ويتساءلون باستمرارٍ كيف أتخلَّصُ من صفةِ البحثِ عن المثاليةِ، فإليك بعض النصائح المفيدة في هذا الموضوع:
1. افهم طبيعة معاناتك أولاً:
يعَدُّ فهمُ طبيعةِ معاناتك أولاً أهمَّ ما يجب التفكيرُ به، فهل تنطبِق عليك فعلاً صفات الأشخاص المثاليين؟ وهل أنت مثاليٌّ أكثرَ من اللَّازم؟ إن لم تكن مُتأكِّداً من إجابتك فسوف نطرح عليك عدداً من الأسئلة التي ربَّما ستساعدك على تحديد إذا ما كان البحثُ عن المثالية بالنسبة إليك نقمة أم لا، وهذه الأسئلة هي:
- هل أنا مُتحمِّسٌ للقيام بالأمور وَفقَاً للمعايير والقوانين التي أُلزِم نفسي بها؟
- هل تواجهني مشاعرَ الإحباطِ أو القلق أو الغضب عند محاولتي القيام بالأمور التي أريد القيام بها؟
- هل وُجِّهَت لي أصابعُ الاتهام مراراً وتكراراً بأنَّني أمتلك توقُّعات عاليةً جداً؟
- هل هذه المعايير التي أضعها لنفسي تقف عائقاً في طريق نجاحي؟
- هل أنا مهووسٌ بالتفاصيل الدقيقةِ ولديَّ شعورٌ دائمٌ بعدم الرضى عن منجزاتي؟
- هل مواعيد التسليم النهائية التي أضعها تجعلني متوتراً لأنَّها تتخطَّى قدراتي بكثير؟
إذا كانت إجابتك هي "نعم" عن أكثر من سؤالٍ واحدٍ من هذه الأسئلة المطروحة، فربَّما أنت تواجِهُ مشكلةَ البحثِ عن المثاليَّةِ وتحتاج إلى استشارةٍ بهذا الخصوص.
2. أحِب نفسك وكن منطقياً:
الوقوف أمام نزعاتك المثالية (الكمالية) ليس بتلك الصعوبة التي تتوقَّعها، ولا يتجاوز الأمرُ سوى التخلي عن بعضِ المقاييسِ التي تَزِنُ بها الأمور من وُجهَةِ نظرك، فاجعل هدفَك دائماً التخفيفُ من الضغط على نفسك، وأحِب نفسك وكن منطقياً في التفكير.
إذا أردت حقاً القيام بإنجازاتٍ كبيرةٍ، فمن الطبيعي القيام ببعضِ الأمور بشكل غير كامل، فهدفُك هنا ليس البحثُ عن المثالية؛ بل هدفُك التركيز على ما هو هامٌّ، ونسيان الأمور الجانبية وعدم التفكير بها إذا كانت ستعطِّل سيرَ المشروعِ الأهمِّ والأكبرِ.
نظراً لأنَّ الأشخاصَ الباحثِين عن الكمال يَنتقدون أنفسهم كثيراً؛ فيجب عندئذٍ استبدال الفِكَر السيئة بفِكَرٍ وعباراتٍ أكثرَ منطقيةً وواقعيةً؛ لذا سنضع لك بعض العبارات التي يمكنك ترديدها ترديداً دائماً حتَّى وإن كنت بدايةً غير مُقتنِعٍ بها، فهي مع الوقت ستصبح عادةً:
- لا يوجد شخصٌ كاملٌ.
- إنَّني أفعلُ ما في وُسعي وهذا أفضلُ ما لديَّ.
- ما دمتُ أعملُ فمن المُمكِن أن أرتكبَ الأخطاءَ، فذلك لا يعني أنَّني لست جديراً بالثقة.
- إنَّني بشرٌ والبشرُ دائماً يُخطِئون فأنا لا أختلف عن أيِّ شخصٍ آخر.
- لا أُبالي إن لم يحبني جميعُ من حولي، فلا يوجد شخصٌ يحبه الجميع.
3. ضع قائمة مهامٍّ لنفسك:
السعي إلى الكمال غالباً ما يبدو وكأنَّك تُطارِد وهماً، وكأنَّك تعمل بلا هدفٍ، تضعُ كلَّ إمكاناتك لكنَّك لا تدري إن كنت تضعها أصلاً في المكان الصحيح، ونادراً ما تحصل على نتيجةٍ نهائيةٍ مُرضِيَةٍ تُلائِمُ توقُّعاتِك.
لذلك ضع قائمةَ مهامٍّ لنفسك وأشر لكلِّ مَهمَّةٍ قمت بتنفيذها نحو تحقيق الهدف بإشارةٍ، فمثلاً إذا كان لديك عزيمةٌ على الطعام فيقلق الشخصُ الباحثِ عن الكمال من لون الصُّحونِ وشكلِ الأكواب، ويتشتَّت عن الموضوع الأهمِّ وهو الطعامُ الذي سيقدِّمُه.
ستتذكَّر من خلال قائمةِ المهامِّ أنَّك طبختَ طعاماً شهيَّاً وقدَّمته بطريقةٍ مناسبةٍ بصرف النَّظرِ عن شكلِ الأكوابِ ولونِ الصحون فالرِّضى الذي ستحصلُ عليه هنا، سيمدُّك بقليلٍ من الثقة والأمان.
4. امنح نفسك بعض الوقت دائماً:
تكون ردود فعلِ البشر ككلٍّ في الغالب سريعةً وغير دقيقةٍ، لهذا امنح نفسك بعض الوقتِ دائماً ولا تثِق بردِّ فعلِك الأوَّلِ مهما كان؛ لأنَّه سيميلُ نحو التركيز على الأشياءِ السلبيَّةِ، فيمكنك هنا أن تحصلَ على وجهةِ نظرٍ أُخرى وستجد أنَّ عقلَك قد صوَّر لك الأمرَ أضخمَ ممَّا هو عليه في الواقع.
البحث عن المثاليةِ ليس عيباً فقط إن فكَّرتَ بإيجابيةٍ ووجَدتَ مَخرجاً للقلَقِ الذي تشعر به، فالتفكير بالنجاحات التي حقَّقتها لنفسك مثلاً، سيُمكِّنك من رؤية أنَّ ما حقَّقته حتَّى الآن هو شيءٌ عظيمٌ.
في الختام:
البحث عن المثالية موضوع تحدَّث فيه كثيرٌ من الأخصائيِّين النفسيِّين، وكُتِبَت عنه عدة كتب، فحين يصبح السعيُ إلى الكمال نقمةً، انظر لأفعالك مرةً أُخرى، ولا تخجل من استشارةِ أحدهم، فربَّما يكون الحلُ أيسرَ مما تتخيَّل.
أضف تعليقاً