Top
مدة القراءة: 5 دقيقة

ما تعلَّمتُهُ من ارتداء نفس الملابس لمدة أسبوعين

ما تعلَّمتُهُ من ارتداء نفس الملابس لمدة أسبوعين
مشاركة 
الرابط المختصر

لمعرفة المزيد عن ذلك المرض الغريب المعروف باسم "إرهاق القرار decision fatigue" -وهو الإرهاق الذي ينتج عن اتِّخاذنا لقراراتٍ كثيرة- أُعطِيَت لي مَهَمَّة بسيطة للغاية: أَنْ أرتدي نفس الملابس وأقوم باتِّخاذ أكبر عدد ممكن من القرارات التلقائية اليومية لمدة أسبوعين، واكتب عمَّا إذا منحني ذلك المزيد من صفاء الذهن. إذاً تلك هي المَهمَّة، غايةٌ في السهولة، مثل "شُرب الماء" إذا صح التَّعبير!! لذا قمت بذلك من دون أيَّة تأخير.



في اليوم الأول، التقطت قميصاً ناصعَ البياض، ارتديت ملابسي، وفتحت الباب الأمامي، وعلى الفور، سكبتُ القهوةَ على نفسي. إليك الدَّرس الأول من الاختيار التلقائي لملابسك، أو "أتمتة خزانة ملابسك": اختر ثياباً داكنة.

"أنا أستيقِظُ كل يوم وأساهم في خدمة أكثر من مليار شخص. ولكنَّني أشعر أنِّي لا أؤدي وظيفتي بالشكل الأمثل إذا كان عليَّ أن أُنفق أيَّاً من طاقتي على أشياءَ سخيفة أو عبثيِّةٍ تتعلق بحياتي" -مارك زوكربيرج- 

ما أعنيهِ بعبارة "أتمتة خزانة ملابسك"، هو اتِّباع نفس نمط الملابس التي يرتديها مارك زوكربيرج وستيف جوبز وغيرهم ممّن تتطلب وظائفهم طُوفاناً يوميَّاً من عمليات اتِّخاذ القرارات على صعيدٍ عالمي.

إنَّ الفكرة من وراء ذلك بسيطة: وهي تخصيص مساحة في الدماغ تكفي للقيام بعمليَّة اتِّخاذ القرارات الهامَّة، والتَّقليل من حجم القرارات الأقل أهمية، لأنَّ الثقل الجماعي لاختياراتك، والذي يتراكم فوق بعضه البعض، يخلق ما يدعوه علماء النفس بـِ "الإرهاق".

من النَّاحية الرسمية، وكما يقول جوناثان ليفاف Jonathan Levav، أستاذ مشارك في جامعة ستانفورد عن إرهاق القرار (أو ملل القرار): "هو تدهور جودة القرارات التي يتخذها الفرد بعد سلسلة طويلة من عمليَّة صنع القرار".

بالعاميَّة فهذا يعني بلوغ الساعة 4 مساءً وعدم صرف أدنى اهتمام أو الاكتراث بكومة المشاكل المتراكمة فوق بعضها البعض ضمن صندوق البريد الوارد خاصَّتك.

لا يمكنك دائماً ضبط دفق الأسئلة الكبيرة، ولكن يمكنك التحكم بالصَّغيرة منها. فمثلاً، لدى زوكربيرج عائلة وفيسبوك لكي يقلق بشأنهما، فتراه يحضر إلى كليهما مرتدياً تي شيرت رمادي بسيط. (في أول يوم بعد عودته من إجازة الأبوة، نشر صورة لخزانته التي تحتوي على ملابس كلها رمادي بِرمادي، متسائلاً عمَّا يجب عليه ارتداؤه).

أما جوبز من جهته، فكان غارقاً لحدِّ أذنيه في اختراع المستقبل، ليضيع وقته بالقلق بشأن مطابقة القميص الفلاني على البنطال العلاني، لذا كُنتَ تراه ملتصقاً بخيار ارتداء الجينز وبلوزة سوداء ذات ياقة عالية.

في عددها الصَّادر  لشهر يوليو، كتبت صحيفة نيويورك تايمز أنَّ الرئيس باراك أوباما -الذي كان يرتدي بدلات زرقاء ورمادية فقط- كان يحلم بالتَّقاعد في جزيرة هاواي، وافتتاح متجر لبيع قمصانٍ ذاتِ مقاسٍ واحد فقط (وسط) ولون واحد فقط (أبيض)، وذلك برفقةَ رام إيمانويل، عمدة شيكاغو وكبير موظفيه السَّابق.

عندما كان هوَ وإيمانويل يواجهان مشاكل ليس لها إجابة قاطعة، فقد كانوا ينظرون إلى بعضهم البعض: "أبيض" يقول إيمانويل، "وسط" كان أوباما يرد عليه.

وقد قال روي بوميستر Roy Baumeister، وهو أستاذ جامعي في ولاية فلوريدا، لصحيفة نيويورك تايمز عامَ 2011: "إنَّ اتِّخاذ القرارات يستخدم نفس قوَّة الإرادة التي تستخدمها لكي تقول (لا) لكل من كعك الدُّونات أو المخدرات أو الجنس غير المشروع، إنَّها نفس قوَّة الإرادة التي تستخدمها لتكونَ مؤدباً أو عندما تنتظر دورك أو تجرُّ نفسك من السرير جرَّاً، أو عندما تمتنع عن الذَّهاب إلى الحمام". استعرضَ روي هذا وأكثر مع جون تيرني John Tierney، في كتابهما "قوة الإرادة: إعادة اكتشاف أعظم قوة للبشرية".

أجرى ليفاف برفقة باحِثَيْنِ آخرَيْن دراسةً عامَ 2011 نُشرت في محاضر الأكاديمية الوطنية للعلوم، والتي وجدت أنَّ بعض القضاة قد منحوا إطلاق سراحٍ مشروط لِموقوفين قد ظهروا في الصباح الباكر، بما نسبته 65 في المئة. بينما أولئك الذي جاؤوا في مواعيدَ متأخرة بعد الظهر، تم الإفراج المشروط عنهم بنسبة أقل من 10 بالمئة من عدد المرات.

لم يكن موقوفي فترة ما بعد الظهر مختلفين كثيراً عن موقوفي الصباح الباكر، فقط هم ظهروا عندما كان القضاة متعبين، لذلك هم قد اتَّخذوا  قراراتٍ أقل من المستوى المطلوب.

لأكونَ صادقاً، لدي مشاكل أقل من كل من أوباما وستيف جوبز ومارك زوكربيرج والقضاة، بل ومن معظم النَّاس على وجه الأرض. لكن ومع ذلك، عندي زوجة وولدين مثل العفاريت يقيمون الدنيا ولا يقعدوها، ومهنة في الكتابة وكدح يومي. ومع ذلك تراني أحب اتخاذ القرارات بأعقد الطُّرق الممكنة، والتي تتضمن عادةً مزيجاً من الغريزة وتوصيات الأصدقاء واقتراحات من مواقع المساعدة على الانترنت، والتوصيات الموجودة على موقع أمازون وعمليات البحث العشوائية من جوجل، والكثيرَ والكثيرَ من الوسائل التي تشبه أشكال اضطراب الوسواس القهري، والتي تتقاتل فيما بينها عندَ اتِّخاذي لأحد القرارات. ( تَطَلَّبَ مني مؤخراً يومين لأقرر أي قبعة من قبعات سباق الناسكار عليَّ أن أشتري).

هناك الكثير جدَّاً من البيانات المتاحة لنا الآن أكثر من أي وقت مضى، وأنا فعليَّاً أقوم بالغوص في كُلِّ جزءٍ فيها. لذا كنت متلهفاً لمعرفة ما إذا كان التَّخلصَ من القرارات الصغيرة للغاية (من نوع هل أطلب شطائر اللحم مع الخسِّ والطماطم، أم حساء الطماطم والحبق؟) سيوفر حقاً مساحةً على "القرص الصلب الموجود في دماغي" من أجل القرارات الكبيرة. لذا قمت ببحثٍ معمَّقٍ عن الموضوع، ومن ثمَّ أعددت خطَّةً لذلك، لأقومَ في نهاية المطاف بسكب القهوةِ عليَّ... (وعلى خُطَّتي).

إقرأ أيضاً: كيف تتعلَّم فن اتخاذ القرارات الصحيحة

قِوَىً غير مرئية

أولاً كُنتُ بحاجةٍ إلى زيٍّ جديد. وقد تبيَّن أنَّ ذلك أصعب ممّا كنتُ أتخيّل. إذ إنَّ الاختيار من ضمن تشكيلةٍ ليست ذات طابع محدد، لما عليك أن ترتديه يوم الثلاثاء شيء؛ واختيار زيٍّ سيتم تقييدك به لمدة أسبوعين، هوَ شيءٌ آخر تماماً. فذلك يطرح عدَّة مستويات جديدة من الالتزام. لذا تمعّنت في احتياجاتي: أنا أعمل من المنزل، لذا خلال عدَّة أيام، سَتقتصر تفاعلاتي على من يُقدمون لي الاسبريو في متجر القهوة، والنُّدُل المناوبين وقت الغداء في مطعم "بيتزا أموري".

لذلك أنا لست بحاجة إلى أي شيء أنيق، لكنني بحاجة في الحقيقة إلي لباسٍ يمنحني القدرة على التَّكيف، شيء مناسب للمنزل والمقهى ووجبات الغداء والمقابلات والتسجيل في المدارس وملاعب الأولاد. أضف إليهم القدرة على تحمُّل "درجة الحرارة".

كنت آمل أيضاً أن أكون أنيقاً بدرجة معقولة، لا شيء بلا أكمام، ولا أساور ولا تي شيرت مخصص لحفلات موسيقى الروك.

بمجرد أن بدأت في التفكير في هذه الأسئلة، بدأت أسئلة أخرى تطفو على السّطح مثل ذبابٍ يفوقُ قدرتي على طرده: هل يجب أن أرتدي قمصاناً بأزرار؟ هل سأكون مثيراً جداً في تلك الملابس؟ هل يجب علي اختيار أكمام قصيرة؟ هل أرتدي بنطال جينز أم سروالاً قصيراً؟ أنا لا أحب ارتداء السراويل القصيرة، فإذا ارتديتُ سروالاً قصيراً، فهل يعني ذلك أنَّني سأختار حذاءً أم صندلاً؟

ثم ضربني ذلك الخاطر على رأسي بقوَّة: مهلاً، لقد كان هذا هو بالضبط ذلك النوع من القرارات السطحية التي لا تنتهي والتي تستهلك وقتاً طويلاً، والتي قد كُلِّفتُ بتجنُّبها بالتحديد. أربع دقائق مضت وكنت أخوضُ في مستنقعٍ غير مرئيٍ من القرارات، بخصوص الملابس التي عليَّ ارتداؤها، في الوقت الذي تلقيت فيه أوامر محددة بعدم القيام بذلك.

"دعونا نُضيف إلى هذا المزيج الضَّغط المكثَّف على النَّساء من أجل الظهور بمظهر لا تشوبه شائبة... لقد أصبحت تلك السراويل السوداء والبلوزات البيضاء بمثابة تذكير يومي هام يذكرنا: (بصراحة، أنا من يسيطر على نفسي)" -ماتيلدا كاهل-

لذا توقّفتُ عن ذلك فوراً واخترتُ أن أصبح "زوكربيرغ" بالكامل: تي شيرت رمادي بسيط، وجينز وزوج من الأحذية المريحة. كان ذلك لباساً مُتعدّد الاستخدامات وغير متكلف، ولن يلاحظَ أحدٌ أبداً فيما لو قُمت بتغطيس نفسي في القهوة. لقد كدَّست ملابسَ في خزانة ملابسي تكفي لأسبوعٍ كامل، من أجل سهولة الوصول إليها في الصَّباح، وقمت بإعادة ضبطٍ صارمٍ لها.

إقرأ أيضاً: 8 نصائح تساعدك على اختيار ملابسك

صيانة روتينية

عندما كُنت أختار أول زيّ تلقائي لي بشكل رسمي، أدركت حقيقة مزعجة: إنني أرتدي الملابس نفسها كثيراً في جميع الأحوال.

أنا شخص لطيف، ويمكن القول بأنني شخص يمكن التنبؤ به، وروتيني. أنا أستخدم ماركة واحدة من معجون الأسنان وَ أتسوق من السوبر ماركت نفسه. ودائماً ما أطلب برغر مع الجبن الأزرق و الهالِبينو (فلفل حار) في المطعم المحلّي. لقد اعتدت على الذهاب لسنوات في رحلة لمدة 12 ساعة لزيارة الأسرة في الجنوب، وغالباً ما أجد نفسي أوقف سيارتي عند نفس محطات الوقود، وأبتاع الشطائر من نفس المطاعم. حتَّى لاوعيي، على ما يبدو، كان أكثر راحةً مع الأمور المألوفة. إنِّي أُبرِّرُ ذلك على أنَّه التَّمسك بما اعتدت القيام به، على الرَّغم من أنَّ المتشككين من الممكن أن يقولوا لي: "جرِّب نوعاً آخر من الجُبنة يا رجل".

عندما أخبرت أصدقائي عن هذه المَهَمَّة، نظروا إليَّ بطريقةٍ لاتدع مجالاً للشك في معناها، نظرةً من نوع: "لن يكون هذا التحدي أصعب تحدٍّ تقوم به في هذا العام".

وأغلب الظَّنِّ أنَّك واقع في روتين مشابهٍ أيضاً. يقول روي بوميستر: "معظم الناس لديهم روتين صباح راسخ إلى حدّ كبير، حيث يفعلون نفس الأمور، ويتناولون الأطعمة نفسها. فالعقل البشري مهيأ بشكل جيد لتكوين العادات والروتين من أجل الحفاظ على طاقته".

وفقًا لمصادر من الإنترنت، والتي نادراً ما تكون خاطئة، يتّخذ البالغون الأمريكيون 35000 قرار في اليوم الواحد من نوع: هل أقلي البيض مخفوقاً أم عيون؟ هل أدع الأطفال يشاهدون المزيد من الرسوم المتحركة، أم أجعلهم يذهبون إلى بركة السباحة؟ هل أتوقف عند محطة الوقود هذه أم الأقرب إلى الحضانة؟ إنَّ تلك الأمور تُرهِقُنا. لذا بدأ علماء النفس مثل روي بوميستر في فهم التَّلف التي تتسبب به تلك القرارات على عقولنا.

إنَّ الشركات تعلم ذلك أيضاً. فقد وجد ليفاف أنَّه عبر التَّلاعب بترتيب الاختيارات عبرَ وضع الخيارات الافتراضية الأغلى ثمناً في آخر القائمة، وذلك عندما يكون الناس قد سئموا من اتِّخاذ القرارات، يمكن لمتاجر بيع "الألبسة بالتفصيل" وشركات السيارات، أن تُشجع العملاء على إنفاق المزيد من الأموال. ("إطارات عالية الجودة؟ لا يهم، لم لا").

كما أنَّ استبعاد الخيارات ينجح أيضاً: تقوم شركات الأَسِرَّة عبر الإنترنت مثل (Casper وَ Tuft & Needle) بعرقلة العملية الكريهة لشراء المراتب داخل المتجر، وذلك من خلال تقديم مرتَبَة واحدة. ولك حرِّية الشراء من عدمه.

ونتيجةً لذلك، إنَّ شركة (Casper) تسير على خطى تحقيق أرباحٍ قيمتها 200 مليون دولار في العام المقبل.

إقرأ أيضاً: 10 خطوات تساعدك على التخلّص من الروتين

في معظم الحالات، نحن نلتزم بما نحب. فمثلاً، عندما قررت أتمتة طلباتي من القهوة، اكتشفت أنني أقومُ بذلك منذ أربع سنوات على الأقل. إنَّ هذا أمرٌ شائع: إذ يقول كريس غاريت، مدير المقهى المحلي الذي أرتاده، إنَّ جميع زبائنه المُنتَظَمِين تقريباً، معتادون على أن يطلبو صنفاً واحداً محدداً، ولا يكسرون تلك القاعدة إلا عندما يحصلون على مكافأة، وحتى في تلك الحالة، تراهم يميلون إلى طلب نفس المشروب، ولكن بحجم أكبر أو يطلبون كأساً إضافيَّاً منه.

يقول أودري برينكلي، وهو نادل قهوة لمدة تقل عن عام بقليل، أنَّ الزبائن لا يميلون إلى المجازفة بالخروج عن عاداتهم إلا إذا دفعهم صديق، أو التحديثات الموسمية على قائمة الطلبات، للقيام بذلك. "هم لا يفكرون في تغيير طلباتهم إلا عندما تَضعُ أمامهم مشروباً جديداً". كانت معرفة ذلك الأمر شيئاً مثيراً للاهتمام بالنسبة لي، وفي ذات الوقت، نتيجةً غير سارَّة بالنسبة إلى عِلمِي. إذ ما الفائدة المرجوَّة من عمليَّة أتمتة الطلبات إذا كُنت مسبقاً معتادٌ على أن أقوم بذلك بشكلٍ تلقائي؟.

لذا بدأت أبحث عن أيِّ شيءٍ يمكن أن أسقطه من قائمة قراراتي اليومية. لذا قررت أن أقوم أنا وأطفالي بتناول نفس وجبات الإفطار: البيض المخفوق، توست مقرمش بالقرفة، ورقائق الذرة بالسُّكر.

وللحدِّ من العبث عند الاستماع للموسيقى في سيارتي، قمت بوضع عشرة أقراص مضغوطة لتقليص قدرتي على تشغيل هاتفي والاختيار من بين كلِّ الأغاني التي تم تسجيلها منذ بدء الخليقة. لقد سعيت لجني الثِّمار السهلة لقراري هذا: إذ كُنت أركنُ سيارتي في نفس المكان أمام المنزل والمتجر، وأركض في الحلقة نفسها حول الحيِّ الذي أقطن فيه. وانتظرت قدوم السَّيل العارم الموعود للصفاء الذهني.

أفضل الممارسات، كيف تتغلَّب على "إرهاق القرار"؟

  1. اتَّخذ قراراتك الهامَّة في وقت باكرٍ من اليوم، ويفضَّل أن يكون ذلك في الوقت الذي تصبُّ فيه القهوة في مجرى الدَّم مباشرةً.
  2. لا تتَّخذ قراراتك وأنت جائع، بل اتَّخذ قراراً بتوضيب حزمة من الموز، أو اختر من بعض الخيارات الهامَّة من الفواكه المجففة والمكسرات.
  3. كُن رؤوفاً بنفسك، فقوَّة الإرادة تلك تأتي وتذهب. لذا لا تضغط على نفسك لمواصلة الأمر: بل تعلَّم كيفية إدارته.
  4. إذا كنت لا تشعر بالرَّغبة في اتخاذ القرار، فقم بتأجيله. إذ إنَّ تأجيلك لذلك القرار، أفضل من أن تتَّخذ قراراً متسرِّعاً.
  5. احصل على قسطٍ كبيرٍ من الرَّاحة. قال الرَّئيس بيل كلينتون ذات مرة لشبكة سي إن إن: "إنَّ معظم الأخطاء التي ارتكبتها خلال مسيرتي السِّياسيَّة الطويلة، ارتكبتها عندما كُنتُ مُتعَبَاً للغاية، وذلك لأنَّني حاولت بجد وعملت بجد. فأنتَ تتَّخذُ قراراتٍ أفضل عندما لا تكون متعباً للغاية".

مشاعر مختلطة

أولاً: الخبر السار. خلال أولِ يومين، نزل حِملٌ عن كاهلي، وهو حِملٌ خفيف، لكنَّه يبقى حِملٌ في نهاية المطاف.

تعمل زوجتي ضمن نوبات عملٍ باكرة، وهكذا في أوقات الصباح مع القهوة التي عَلَيَّ إعدادها، والعصائر التي عليَّ خلطها، والحضانة التي عليَّ الوصول إليها، ونتائج الصغار التي عليَّ تفقدها، وجلب المؤونة باستمرار وعلى مدار اليوم، مع ضغط المواعيد النهائيَّة، وجدت أنَّ عمليَّة أتمتة القرارات "اتِّخاذ القرارات بشكل تلقائي، والحد من عدد الخيارات"، قد ساعدت في كل جُزءٍ من ذلك. لا يمكنني القول بأنَّها قد كشفت عن آفاقٍ جديدة رائعة، لكنَّها قلَّصت من قائمة المهام، وهو الأمر الذي أرحِّب به على الدَّوام.

أما المفاجأة فكانت، أنَّني اعتدت على لباسي الأوحد هذا. صحيح أنَّه من الغريب أن ألبسه كل يوم، وصحيحٌ أنَّه لا يمكنني أن أنكر تلبُّدَ الشُّعور الذي يشبه أجواء رواية 1984 والذي ظهر من حينٍ لآخر، إلا أنَّه كان هناك أيضاً نوعٌ مُبهمٌ من السَّكينة. إذ شعرت أنَّ الأمور أصبحت أكثر فاعلية وأقلَّ توتراً، ليس ترقية دراماتيكية لنمط حياتي، ولكن مجرد طيفٍ إضافي. إذاً فالتَّجربة كانت تعمل! والحياة تعمل بسلاسة أكثرَ قليلاً.

استمرَّ ذلك لمدة أربعة أو خمسة أيام قبل أن يصبح كل شيء فجأة: مُمِلاً للغاية.

لقد اتَّضحَ لي بأنَّه عندما تكون بالفعل قد سبق لك "أتمتة" جزء كبير من حياتك -ومن دون أن تنتبه لذلك- فإنَّ إضفاء صفة الرَّسمية على هذا الأمر قد يُشعِركَ بالاختناق. إذ في بداية الأسبوع الثاني، بدأت أشعر بنفورٍ شديدٍ من اللَّون الرمادي. بدأت أفتقد قمصاني الأخرى. لقد شعرتُ بأنَّ التَّجربة أصبحت أقل من كونها تبسيط لعملية اتِّخاذ القرارات، وأصبحت أشبه بعمليَّةٍ لإلغاء الاختيار. وفي نهاية المطاف، أصبحت الحياة أشبه بوظيفة.

يقول ليفاف (والذي هو لمعلوماتكم، يلبَسُ في كلِّ صباحٍ أولَ قميصٍ يجدُه في خزانته): "قد يكون ارتداء الشيء نفسه أمراً مريحاً بالنسبة إلى مارك زوكيربيرغ، لكن خياره هذا لا يناسبكم أنتم".

لكن ولكي أكون صادقاً فقد فاتتني هذه النقطة، إذ يقول أيضاً: "إنَّ القضية الأساسيَّة هنا ليست ارتداءَ قميصٍ رماديٍّ كلَّ يوم، وإنَّما هي إخضاعُ أنشطتك لروتينٍ ما. ولا يتعلق الأمر بِعادةٍ روتينيَّة محددة، بل يتعلق بوجودِ روتينٍ من الأساس".

بالنِّسبة لي، كانت الاختيارات الضئيلة بمثابةِ تقييد، أمَّا الاختيارات الكثيرة فقد خلقت نوعاً من المفارقة؛ وذلك عندما تطلّب الأمر مني يومين لشراء قبعة "براد كيسلوسكي".

في حالتي أنا، فإنَّ الاستفادة من تجميعة مصغرة ومحددة مسبقاً للأمور، قد قلَّلَ وبشكلٍ إيجابيٍّ من الوقت والطاقة. صحيح أنَّ خزانتي كانت ملأى بالثياب الزرقاء والرمادية، لكنِّي كُنتُ قادراً على اختيار أي درجةٍ أريد من اللونين الأزرق والرمادي. فالخيارات القليلة جدَّاً تُفقِر المنظومة، أمَّا الخيارات الكثيرة فتجعلها مُتخَمَة. 

عندما انتهت تَجرُبَتِي، ذهبت إلى المقهى وأنا أرتدي صندلاً وَ تي شيرت وقمتُ بطلب شاي أخضر مثلج، وهو شيء نادراً ما أشربه. ففي نهاية المطاف، بعضُ الاختيارات تكون جيدة.

 

المصدر


تنويه: يمنع نقل هذا المقال كما هو أو استخدامه في أي مكان آخر تحت طائلة المساءلة القانونية، ويمكن استخدام فقرات أو أجزاء منه بعد الحصول على موافقة رسمية من إدارة النجاح نت.

المقالات المرتبطة بــ: ما تعلَّمتُهُ من ارتداء نفس الملابس لمدة أسبوعين




ساعدنا في تطوير عملنا وقيّم هذه المقالة


تعليقات الموقع