لا شيئ من الممكن أن يُضاهي لذّة الإنسان ومتعته أثناء شربه لفنجان القهوة الصباحي الذي يُعتبر من أشهر المشروبات وأكثرها انتشارًا في العالم، وللقهوة أنواع عديدة وأشكال مختلفة، كالقهوة العربيّة، القهوة الإيطاليّة، والقهوة الأمريكيّة التي باتت منتشرةً في مجتمعنا الشرقي بشكلٍ كبيرٍ أيضًا، فيما يلي سنُسلط الضوء على أشهر أنواع القهوة المنتشرة في العالم، وعلى أهم المعلومات الصحيّة المتعلقة بها.

أولًا: ماهي القهوة؟

القهوة مشروب يُعدّ من بذور البُن المُحمّصة، وينمو في أكثر من 70 بلدًا. ويُقال أنّ البُن الأخضر هو ثاني أكثر السلع تداولًا في العالم بعد النفط الخام، ونظرًا لاحتوائها على الكافيين، يُمكن أن يكون للقهوة تأثير مُنبه للبشر.

والبُن هو الإسم العلمي للقهوة وهو جنس من النباتات يتّبع الفصيلة الفوية من رتبة الجنطيانيات، والبن شجرة دائمة الخضرة ذات ثمار حمراء اللون في حالة نضجها، تنمو شجرة البُن طبيعيًا في المناخ الاستوائي الذي يكون حارًا رطبًا في موسم النمو، وحارًا جافًا في موسم القطاف.     

ثانيًا: تاريخ القهوة

يعود تاريخ القهوة إلى القرن العاشر وربما لوقت سابق حسب بعض التقارير والأساطير المتعلقة بأول استخدام لها، ويُعتقد الأصليون أن القهوة (غير المخدرة) كانت من إثيوبيا، وأقدم الأدلة المُثبتة على شرب القهوة أو معرفة شجرة البُن هي من القرن الخامس عشر في الأديرة الصوفية في اليمن، وبحلول القرن السادس عشر وصلت إلى بقية الشرق الأوسط وجنوب الهند وبلاد فارس وتركيا والقرن الأفريقي وشمال أفريقيا، ثم انتشرت القهوة إلى البلقان، وإيطاليا وبقية أوروبا إلى جنوب شرق آسيا ثم إلى أمريكا.

وهناك العديد من الروايات الأسطورية في أصل القهوة، منها رواية ذكرت وفقًا للوقائع القديمة المحفوظة في مخطوطة عبد القادر عمر الذي كان معروفًا بقدرته على علاج المرضى من خلال الصلاة، نُفي يومًا ما من موكا إلى كهف صحراوي بالقرب من أوساب، حيثُ كان جائعًا فمضغ التوت من الشجيرات القريبة، لكنه وجدها مرة، فحاول تحميص حبات البن لتحسين النكهة، لكنّها أصبحت صلبة ثم حاول غليها لتليين البن مما نتج عن سائل بني اللون ذو رائحة عطرة، وعندما شرب عمر السائل شعر بنشاط استمر لعدة أيام، كما وصلت قصص هذه المخدرات المعجزة موكا، وطلب من عمر العودة وأصبح قديسًا.

وهناك رواية آخرى تتعلّق بكالدي راعي الماعز الإثيوبي في القرن التاسع، كالدي، الذي لاحظ آثار النشاط على قطيعه عندما حذف قطيعه على التوت الأحمر الفاتح من بعض الشجيرات، فـمَضغ نفس الثمرة دفعته البهجة إلى جلب التوت إلى راهب في دير قريب، ولكن الراهب رفض استخدامها وألقوا بها في النار فخرجت منها رائحة مثيرة تسببت في دهشة الرهبان الآخرين، وسحقت حبوب البن المحمصة بسرعة في الجمر، ثم ذوبت في الماء الساخن، مما أسفر عن أول فنجان من القهوة في العالم.

ولا بُدّ من التنويه إلى أن جمهورية اليمن العربيّة تُعتبر من أوّل الدول التي زرعت حبوب القهوة وصدّرتها إلى العالم، والدليل على هذا هو أنّ الموكا تُعدُّ من أفخر أنواع القهوة العالميّة، وتأتي كتحريف عن قهوة المخاء التي تُنسبت إلى ميناء في دولة اليمن، هذا الميناء الذي صُدّر منهُ أول شحنة من شحنات البن المُتجهة إلى القارة الأوروبيّة والعالم.

ثالثًا: طريقة زراعة القهوة

إنّ الطريقة التقليدية لزراعة القهوة هي وضع عشرون بذرة في كل حفرة في بداية موسم الأمطار، إلّا أنّ هذهِ الطريقة تفقد حوالي 50% من البذور أمّا النصف المُتبقي لا يتلف وينمو، ولكن هناك طريقة برازيلية أكثر فاعلية لزراعة القهوة وهي أن توضع الشتلات في حاضنة حتى تنمو في الخارج لمدة ستّة إلى إثنا عشر شهرًا.

رابعًأ: أقسام البُن المنتشر في العالم

بن أرابيكا:

وهو البُن الذي يحتل نسبة كبيرة من إنتاج البن في العالم ليصل إلى حوالي 70%، ويتميّز هذا البن بمذاقهِ الحامض قليلًا والحاد، ويميل طعمه إلى الأزهار، ويُزرع بن أرابيكا بشكلٍ كبير فيمرتفعات وجبال البرازيل، أثيوبيا، المكسيك، ونيكاراغوا.  

بن الروبوستا:

يُشكل بن الروبوستا حوالي ثلاثين بالمئة من إنتاج البن في العالم، ويتميز بصغر حجمهِ وشكله الدائري، ويُزرع بكثرةٍ في المناطق السهليّة في كل من البرازيل، أندونيسيا، الفيتنام، والهند، ويتميزُ هذا النوع من البن بمرورتهِ الشديدة وقوامهِ السميك، وباحتوائهِ على نسبةٍ مرتفعة جدًا من الكافيين.

خامسًا: ثقافة القهوة حول العالم

إنّ تشكّل ثقافة القهوة حول العالم والمقاهي يعود إلى القرن الرابع عشر في تركيا، حيث كانت المقاهي في أوروبا الغربية وشرق البحر الأبيض المتوسط مراكز اجتماعية تقليدية، وكذلك في المراكز الفنية والفكرية، وفي أواخر القرنين السابع والثامن عشر أصبحت المقاهي في لندن أماكن شعبية للقاء الفنانين والكتّاب، والشخصيات الاجتماعية وكانت أيضًا مركزًا للنشاط السياسي والتجاري، وفي عصرنا الحالي تعتبر القهوة من أكثر المشروبات شعبيّةً على الإطلاق في دول العالم المختلفة، وهي جزأ لا يتجرأ من ثقافة الشعوب، وفيما يلي سنُلقي الضوء على نظرة بعض شعوب العالم للقهوة:

1- الدنمارك: تتميّز الدنمارك بجوها البارد الذي يجعل سكانها يستعملون القهوة الدافئة بكمياتٍ كبيرة جدًا، وهي تعتبر جزء أساسي من الثقافة الدنماركيّة، حيثُ تجد مقاهي القهوة في كل زاوية من الشوارع العامة وبالتحديد في المدن الكبيرة مثل كوبنهاغن.

2- تركيّا: في تركيّا يتم تقديم القهوة بين وجبات الطعام، ويُقدّم بجانبها بعض الأنواع من الحلويات التركيّة الخفيفة، وينتشرُ هناك أيضًا مثل شعبي يتحدث عن القهوة، وهو أنّ القهوة يجب أن تكون سوداء كالجحيم، وقويّة مثل الموت، وحلوة مثل الحب.

3- فرنسا: أمّا في فرنسا فإنّ الشعب هناك يعشق القهوة الساخنة التي تُحضّر مع الحليب، والتي تقدّم في فنجانٍ كبير مع الكروسان أوخبز الباجيت كوجبة أساسيّة صباح كل يوم.

4- كوبا: يعشق الشعب الكوبي القوة الكوبيّة السوداء القويّة، ويشربونها في الصباح الباكر، وبعد وجبات الطعام، وهي نسيج أساسي من النسيج الاجتماعي في هذهِ البلاد، لهذا فهي تقدمُ أيضًا كمشروبٍ أساسي في المناسبات الاجتماعيّة المختلفة هناك.

5- السعوديّة: في الدول العربية والمملكة العربية السعودية بشكلٍ خاص، فإنّهم يتبعون العديد من تقاليد شرب القهوة، حيثُ أنّهم يُقدمون القهوة المتبلة بحب الهيل، وبجانبها بعض الأنواع من التمور الحلوة التي تضفي للقهوة العربيّة المرّة مزاقًا لا يُقاوم.

6- إيرلندا: تم إنشاء القهوة الإيرلنديّة في الأربعينيات من القرن الماضي، وذلك لتدفئة السيّاح الذين كانوا يزورن إيرلندا في ذلك الوقت، وتتألّف هذهِ القهوة من مزيج القهوة الساخنة، والويسكي الإيرلندي، مع السكر والكريمة الشهيّة.

7- إثيوبيا: تُعتبر القهوة من العادات التقليديّة الأساسيّة في المجتمع الإثيوبي، وهي تحتاج إلى ساعتين من التخمير حتّى تصبح جاهزة للتقديم، وفي التاريخ الإثيوبي يُقال بأنّ القهوة كانت تقدّمُ بالملح والزبدة بدلًا من السكر.

8- النمسا: أمّا في النمسا هذا البلد الجميل، فإنّ القهوة فيهِ تشبه إلى حد كبير الكابتشينون، حيثُ تحتوي على إسبرسو مع حليب دافئ يعلوهُ رغوة كثيفة، وتقدم في بعض الأحيان مخفوقة مع القليل من الكريمة.

9- اليونان: القهوة في اليونان هي عبارة عن مشروب بارد ومثلج مصنوع من القهوة السريعة التحضير أو ما يُسمى بالنسكافيه، الممزوجة مع الماء البارد، الحليب المجفف، والسكر.

10- المكسيك: وفي المكسيك فإنّ القهوة تحضّر بطريقةٍ مختلفة وبنكهةٍ غريبة عن باقي القهوة في العالم، حيثُ يُضاف إليها القليل من أعواد القرفة، وتقدّم في أواني مصنوعة من الفخّار.

القهوة الهنديّة:

وتعرف هذهِ القهوة الشهيرة بإسم كابي، ويتم تحضيرها عن طريق مزيج الحليب المغلي مع مسحوق القهوة الناعمة، وتقدم بعد تصفيتها باستخدام الفلتر الهندي التقليدي، وتقدّمُ في أكواب من الفولاذ أو ما يُسمى الستانليس ستيل.

القهوة الإسبانيّة:

تسمى القهوة الإسبانيّة بومبون، وهي تتكّون من طبقتين أساسيتين، هما الإسبرسو، والحليب المُكثف والمُحلى، حيث تحضّر عن طريق صب القهوة في الفنجان الكبير، ومن ثم إضافة الحليب ببطئ شديد حتّى يغرق في قاع الفنجان لنحصل على طبقتين بلونين مختلفين.

القهوة السنغاليّة:

تتميز القهوة السنغاليّة بمذاقها المختلف والمميز، حيث تتكّون من مزيج البن الفاخر والفلفل الحار والسكّر، لهذا فهي تتميز بمذاق حلو وحار غريب وغير مألوف، وتباع هذهِ القهوة بشكلٍ كبير في مختلف أنحاء السنغال وبشكلٍ خاص بمقاهي العاصمة داكار.

سادسًا: الفوائد الصحيّة التي تمنحها القهوة لجسم الإنسان

تقدم القهوة الكثير من الفوائد الصحيّة لجسم الإنسان، ولكن بشرط أن يتم تناولها بمعدلٍ طبيعي خلال اليوم، وعدم الإكثار منها، ويقول الخبراء بأنّ معدل شرب القهوة الطبيعي اليومي يكون بمقدار فنجان أو فنجانين على الأكثر، ومن أهم هذهِ الفوائد:

  1. تساعد في الوقاية من إصابة الإنسان بأمراض الجهاز البولي، وأمراض حصيات الكلى والمثانة.
  2. تقي الإنسان من الإصابة بأمراض ضعف الذاكرة والنسيان، وبشكلٍ خاص مرض الزهايمر.
  3. تقلل من نسبة الإصابة بالأمراض النفسيّة الخطيرة وبالتحديد مرض الاكتئاب الذي يُعتبر من أخطر أمراض العصر.
  4. تساعد في وقاية الإنسان من الإصابة بمرض السكري، وذلك لاحتوائها على نسبةٍ مرتفعة من معدن المغنيسيوم الذي يعمل على إنتاج الإنسولين الضروري للتحكّم بنسبة السكر في الدّم.
  5. تقلل القهوة من نسبة إصابة الإنسان بمرض السرطان القاتل، وذلك لأنّها تحتوي على نسبةٍ مرتفعة من المواد المضادة للأكسدة التي تقتل الجذور الحرة المسببة للسرطان.
  6. تعمل القهوة على تقويّة الأعصاب، ووقاية الإنسان من الإصابة بمختلف الأمراض التي تصيب الجهاز العصبي، وبالتحديد مرض الرعاش.
  7. تقلل من نسبة عنصر أكسيد اليورك المسبب لمرض النقرس.
  8. تساعد القهوة وبفعاليّة على حرق كميات كبيرة من الدهون الزائدة في جسم الإنسان، مما يجعلها مناسبة لكل الأشخاص الذين يُعانون من السمنة، والذين يسعون لخسارة وزنهم الزائد.
  9. تقلل القهوة من خطر تعرّض الإنسان لأمراض الكبد بأنواعها المختلفة، وبشكلٍ خاص في حال قام الإنسان بشربها بكمياتٍ معتدلة.


اقرأ أيضاً:
10 فوائد مُثيرة للقهوة


سابعًا: أضرار القهوة

كما قلنا منذ قليل فإنّ القهوة تتسبب ببعض الأضرار للإنسان وذلك في حال المبالغة في شربها يوميًا، وهذه الأضرار:

  1. تحفز القهوة على فقدان الجسم لكمياتٍ كبيرة من الكالسيوم، وطرحهِ عن طريق البول، مما يُعرّض الإنسان لخطر الإصابة بأمراض هشاشة العظام.
  2. تتسبب القهوة بزيادة فرصة تعرّض الإنسان لمشكلة التجاعيد والشيخوخة المبكرة، وذلك لأنها تتسبب في جفاف البشرة والجلد بشكلٍ عام.
  3. تزيد من نسبة تعرّض الإنسان لأمراض الجهاز الهضمي، كحموضة المعدة، القرحة المعويّة، والقولون العصبي.
  4. تزيد من نسبة إصابة الإنسان بأمراض القلب، وارتفاع ضغط الدم.
  5. تزيد من نسبة توتر الإنسان وقلقهِ، كما وتسبب الأرق خلال الليل.

 

وفي النهاية نتمنى عزيزي ألّا تبالغ بشرب كميّات كبيرة من القهوة خلال اليوم، وذلك لكي تستمتع بمذاقها الرائع، دون أن تتعرّض لسلبياتها الصحيّة.

المصادر:


المقالات المرتبطة