في تلك المُدَّة عرفْت معنى أنْ تكونَ في بيئةِ عملٍ سامَّةٍ، مديرٌ لا يعرفُ صوتُه نبرةً غير الصراخ، ويتعاملُ مع موظَّفيه بمبدأ الاستعباد، مُرفِقاً عبارةَ "أنا أدفعُ لكم ما لا تحلمون به" بين كل جُملَتَين من حديثه، فلم يكن لدينا وقتٌ مُخصَّصٌ للراحة أو مواعيدُ دوامٍ رسميَّةٍ، علينا أن نُنَفِّذَ المهام لحظةَ وصولِها، وإضافة إلى ذلك لم نذكر أنَّنا سمعنا عبارةَ شُكرٍ وثناءٍ واحدةٍ، فهل تريد أن أُخبرَك كيف تؤثِّر بيئةُ العملِ السامَّةِ في صحَّتك العقلية والجسدية؟ إذاً تفضَّلْ بالقراءة.
ما هي بيئةُ العملِ السَّامَّة؟
بيئةُ العملِ السامة هي بيئةُ عملٍ تتميَّزُ بوجودِ سلوكاتٍ ضارَّةٍ أو غيرِ أخلاقيَّةٍ، مثل التَّحرُّش أو التنمُّر أو التمييز أو عدم احترام التَّنوُّع، وهي البيئةُ التي رَغمَ أنَّها تقدِّم لك كثيراً من المُميِّزات، إلَّا أنَّك تُفكِّر كلَّ يومٍ كيف سوف تتخلَّص منها ومتى سوف تتجرأ على اتِّخاذ هذا القرار.
قد لا تكون بيئةُ العمل السامَّةِ هي المكانُ الذي يُعطيك أجراً قليلاً، بل هي المكانُ الَّذي لا يُشعِرُك بالتَّقدير، فالتَّقديرُ جزءٌ لا يتجزَّأ من حاجاتك بصفتك موظفاً، ولن تعوِّضَك عنه كلُّ دولاراتِ الأرض، وإنَّ من يراقب المنشورات في مجموعاتِ العمل على مَنصَّات التواصل الاجتماعي، يُدرك كيف يكونَ الدخلُ مجرَّدَ شيءٍ ثانويٍّ أمامَ الجوِّ المِهنيِّ اللَّطيف والزملاء الودودين وبيئة العمل الراقية وفُرَص التَّطوير المتوافرة دائماً وكلمات الامتنان والشُّكر التي لا تبخلُ بها الإدارة على موظَّفيها.
إنَّ بيئةَ العملِ السامَّةِ هي الوظيفةُ الَّتي تتمنَّى ألَّا تُشرق الشمسُ لئلَّا تذهب إليها، والتي تجعلك تفرح حين ترتفع حرارتك لأنَّك ستحصل على إجازةٍ مَرَضيَّةٍ.
علاماتُ بيئةِ العملِ السَّامَّةِ:
تشمل علامات بيئة العمل السامة ما يأتي:
1. السلوكات العدوانية أو المُسيئة مثل:
- الصُّراخ أو الشتائم أو التهديدات.
- السلوكات المُسيطرة أو التلاعُبيَّة.
- الانتقاد المُستمرُّ أو غير البنَّاء.
2. التحرُّش أو التنمُّر أو التمييز مثل:
- التعليقات أو النُّكَت المُسيئة أو غير اللَّائقة.
- المعاملة غير العادلة أو التمييزية.
- التحرُّش الجنسي أو الابتزاز.
3. عدم احترام التنوُّع مثل:
- التعليقات أو السلوكات التي تُظهِر عدم الاحترام للثَّقافات أو المُعتقدَات المُختلفة.
- التمييز على أساس الجنسِ أو العِرقِ أو الدين أو الإعاقة أو أيِّ عاملٍ آخر.
4. بيئةُ عملٍ غير آمنةٍ كأن تحتوي على:
- المخاطر الجسديَّة أو الصحية في مكان العمل.
- نقص التدريب أو الإرشادات اللَّازمة للقيام بالعمل بأمان.
5. ضغوطات العملِ المُفرِطة مثل:
- توقُّعاتٌ غير واقعيَّةٍ أو أعباءُ عملٍ ثقيلةٍ.
- نقص الموارد أو الدعم اللازم للقيام بالعمل بفاعلية.
6. سوءُ التواصلِ:
- نقص المعلومات أو التواصُل غير الواضح من الإدارة.
- عدم وجودِ قنواتٍ فعَّالةٍ للتواصل بين الموظَّفين والإدارة.
7. قلَّةُ الثقةِ:
- عدمُ الثِّقةِ بين الموظَّفين والإدارة.
- عدم الثقة بين زملاءِ العمل.
8. عدم وجود فرص للتطوير:
- نقص فرص التعلُّم والتطوُّر المهني.
- عدم وجود فرص للتَّقدُّم الوظيفيِّ.
9. الشعور بالملل أو عدم الرضى عن العمل:
- الشعور بعدم التحدي أو عدم وجود شعور بالإنجاز.
- الشعور بالملل أو عدم الرضى عن مهامِّ العمل.
10. ارتفاع مُعدَّلِ دورانِ العَمالةِ:
- مغادرةُ الموظَّفين للوظيفة مُغادَرَةً مُتكرِّرةً.
- صعوبةٌ في جذب واستبقاء الموظَّفين الموهوبين.
إذا لاحظت وجود عددٍ من هذه العلامات في مكان عملك، فمن المُحتمَل أن تكونَ بيئةُ العمل سامَّةً، وهنا يكون من الهامِّ اتِّخاذ خطوات لحماية نفسك من تأثير بيئة العمل السامة.
شاهد بالفديو: 7 نصائح لتستطيع التركيز في بيئة عمل سامة
كيف تُؤثّر بيئة العمل السامة في صحَّتِك العقليَّة والجسديَّة؟
قد تقول بينك وبين نفسك لا يهمُّ ما يحدُثُ في بيئةِ العملِ، ولو كانت بيئةَ عملٍ سامَّةٍ، سأقوم بمهامي وأتقاضى راتبي وهذا كلُّ شيء، لكنَّك لن تكون بمأمَنٍ عن التأثيرات السلبية في صحَّتك العقلية والجسدية والنفسية؛ لذا إليك بعض الطرائق التي تؤثر فيها:
أولاً: كيف تؤثِّر بيئةُ العملِ السامة في صحَّتك العقلية؟
تؤثر بيئة العمل السامة في صحَّتِك العقليَّةِ والنفسيَّة من خلال الأعراض الآتية:
1. الاكتئاب:
تؤدِّي بيئةُ العملِ السَّامَّة إلى إصابتك بالاكتئاب، فقد تشعر باليأس أو عدم الرضى عن حياتك المِهنيَّة وقد تَفقد الاهتمامَ بالأشياء التي كنت تستمتع بها.
2. زيادةُ القلقِ والتوتُّر:
تؤدي بيئةُ العملِ السامة إلى زيادة القلق والتوتُّر، وقد تشعرُ بالخوف أو القلق من الذهاب إلى العمل، وقد تواجه صعوبةً في التَّركيز على مهامك.
3. انخفاضُ احترامِ الذات:
تؤدِّي بيئة العمل السامة إلى انخفاض احترامِ الذات، فتشعر بأنَّك غير كُفء أو غير قادرٍ على النجاح في العمل.
4. الشعور بالعُزلة:
تؤدِّيَ بيئةُ العملِ السامة إلى الشعور بالعزلة، وتجعلك تشعر بأنَّك لا تنتمي إلى زملائك في العمل، وقد تواجه صعوبة في تكوين علاقاتٍ معهم.
ثانياً: كيف تؤثر بيئة العمل السامة في صحتك الجسدية؟
أما عن تأثير بيئة العمل السامَّةِ في صحَّتِك الجسدية فيكون عبر ما يأتي:
1. الأرق:
تؤدِّي بيئةُ العمل السامَّة إلى الأرَقِ، قد تواجهُ صعوبةً في النومِ أو تميلُ نحو البقاء نائماً، وقد تشعر بالتَّعب والإرهاق خلال النهار.
2. الصُّداع:
تؤدِّي بيئةُ العملِ السامَّةِ إلى الصُّداع، وتشعر بألمٍ في رأسك أو رقبتك أو كَتِفَيك.
3. مشكلات الجهازِ الهضميِّ:
تؤدِّي بيئةُ العمل السامَّةِ إلى مشكلاتِ الجهازِ الهضميِّ، وتجعلك تعاني من آلامٍ في المَعِدة أو الإسهال أو الإمساك.
4. ارتفاعُ ضغطِ الدمِّ:
تؤدِّي بيئةُ العملِ السامَّةِ إلى ارتفاع ضغط الدم، وقد تشعر بالدوار أو الدوخة أو ضيقٍ في التنفُّس.
كيف تتعامل مع بيئةِ العمل السامَّة؟
يعتمدُ التعاملُ مع بيئة العمل السامة على طبيعة المشكلة ومدى تأثيرها فيك، ولكن عموماً إليك بعض النصائح التي قد تساعدك:
1. حدِّدْ المُشكلةَ:
أوَّلُ خطوةٍ للتعامُلِ مع بيئةِ العملِ السامَّةِ هي تحديدُ المشكلة بوضوحٍ، فاسألْ نفسَك ما هي السلوكات أو المُمارسات التي تجعل بيئةَ العمل سامَّةً؟ هل هي سلوكات من زملاء العمل أو من الإدارة؟
2. وثِّقْ المشكلةَ:
من الهامِّ توثيق المشكلة، لذا سجِّلْ تاريخَ وسلوكات مُحدَّدة وأسماء الأشخاص المُتورِّطِين، فقد يكون هذا الإجراء مفيداً إذا احتجت إلى اتِّخاذ إجراءات رسميَّةٍ.
3. تحدَّث إلى شخصٍ تثقُ به:
تحدَّث إلى شخصٍ تثقُ به، مثل صديقٍ أو أحدِ أفراد العائلة أو مُعالِجٍ، يساعدك ذلك على مُعالَجة مشاعرك وتحديد أفضل طريقةٍ للتَّعامل مع الموقف.
4. حاولْ حلَّ المشكلة مباشرةً:
إذا كانت المشكلة بسيطة، يمكنك محاولة حلِّها مباشرةً، تحدَّث إلى الشخص المُتورِّط واشرحْ له كيف يؤثِّر سلوكه فيك.
5. اتَّخذْ إجراءاتً رسميَّةً:
إذا فشلت في حلِّ المُشكلة مباشرةً، فقد تحتاج إلى اتِّخاذ إجراءاتٍ رسميَّةٍ، قد يشمل ذلك التحدُّث إلى الإدارة أو قسم الموارد البشرية أو تقديم شكوى رسمية.
6. اهتم بنفسك:
من الهامِّ أن تعتني بنفسك جسدياً وعقلياً، فاحصل على قسطٍ كافٍ من النوم، وتناول طعاماً صحيَّاً، ومارِس الرياضةَ بانتظامٍ.
7. ابحثْ عن دعمٍ:
إذا كنت تواجه صعوبةً في التعامل مع بيئة العمل السامَّة، فتحدَّث إلى شخصٍ تثقُ به، مثل صديقٍ أو أحدِ أفرادِ العائلة أو مُعالِجٍ.
8. فكِّر في تغيير وظيفتك:
إذا كانت بيئةُ العملِ السامة تؤثِّر بشكل كبير في صحتك العقلية والجسدية، فقد يكون من الضروري التفكير في تغيير وظيفتك.

نصائح إضافية:
إليك بعض النصائح الإضافية:
1. ضعْ حدوداً واضحة:
- حدِّدْ توقُّعات واضحةً لما هو مقبولٌ وما هو غير مقبولٍ في العمل.
- لا تسمح للآخرين باستغلالك أو استغلال وقتك.
2. حافظْ على هدوئك ومهنيتك:
- لا تدعْ المشاعرَ تأخذُ أفضلَ ما لديك.
- حافظْ على تركيزك على العمل.
3. ابحثْ عن فُرصٍ إيجابيَّةٍ:
- ركِّزْ على الأشياء التي تستمتع بها في العمل.
- ابحثْ عن فُرصٍ للتَّواصل مع زملاء العمل الإيجابيين.
- لا تنسَ أنَّ لديك الحقَّ في العمل في بيئةٍ آمنةٍ وداعمةٍ.
تذكَّر أنَّ صحَّتَك العقليةَ والجسديةَ هي أهمُّ شيءٍ، لذا لا تتردَّد في اتِّخاذ خطوات لحماية نفسك من بيئة العمل السامَّةِ.
في الختام:
إنَّ بيئةَ العملِ السامَّةِ هي أسوأُ ما تصادِفَه في حياتك المِهنيَّة، قد تكون مُضطرَّاً للبقاء فيها مُدَّة ما، ولكن إيَّاك أن تُفكِّرَ بالاستمرار في جوٍّ مشحونٍ كهذا طيلة حياتك، فإذا كنت تملك رفاهيَّةَ الهروبِ فوراً فلا تترَّدد، وإذا ما كنت مضطراً للبقاء لبُرهةٍ فاجعلْ هدفك الأول هو البحث عن فرصةِ عملٍ بديلةٍ، ولو كانت بدَخلٍ أقل، فبيئةُ العمل المريحة المُتوازِنة لا تُقدَّر بثمنٍ، وأمَّا بقاؤك في بيئة العمل السامة فهو تدميرٌ لصحَّتك النفسية والعقلية والجسدية، وأذيَّةٌ بالِغةٌ لكيانك ومشاعرك ونظرتك تجاه نفسك.
أضف تعليقاً