Top


مدة القراءة:6دقيقة

الصمت في علم النفس: تعريفه، وفوائده

الصمت في علم النفس: تعريفه، وفوائده
الرابط المختصر
تاريخ آخر تحديث:14-04-2021 الكاتب: هيئة التحرير

نحن نندمج مع الآخرين إلى آخر رمقٍ ونتحدَّث معهم عن تفاصيل الحياة ومتغيِّراتها وواجباتها، ونقضي ساعات في سماع قصصهم ومشكلاتهم العاطفيَّة والزَّوجية والعمليَّة، وننسى أن نعطي أنفسنا جزءاً من الوقت الَّذي نقضيه برفقة الآخرين، ونُآثِر مشاركتهم أدق تفاصيلنا ونهرب من جلوسنا مع ذاتنا، ونستمر في تأجيل موعد مواجهة الذَّات، إلى أن نصبح ناكرين وبشدَّة لثقافة الصَّمت، متحوِّلين إلى آلاتٍ ناطقة لا تعطِ الكلمات والمشاعر والمواقف حقَّها، فنتحول إلى كائنات تهدف إلى إخراج الكلام من جعبتها من دون أدنى محاكمة أو تحليل منطقي له، حيث تُثار أبشع الألفاظ وأكثرها جرحاً في لحظات الغضب، علماً أنَّه قد يكون الصَّمت حلَّاً مثاليَّاً لموجة الغضب.




نحن نحيا في عالم السُّرعة والتغيرات والمسؤوليات الكبيرة، والتعدُّد الكبير والمخيف في الشَّخصيَّات، والزَّخم الكبير من الأفكار والاقتراحات والآراء، حتَّى أصبح من المحتمَل جداً وصولك إلى مرحلة التشتُّت والضَّياع، فتفقد بوصلتك وتبتعد عن مسارك وأهدافك، وهنا أكثر ما تحتاج إليه هو الصَّمت؛ أي أن تُهدِّئ من روع عقلك، وتمنح روحك قليلاً من السَّلام، كأن تقول لها: "أنا معكِ، وأشعر بما ينتابكِ من مشاعرَ قاسيةٍ، ولكن هوِّني عليكِ، دعينا نعود إلى التركيز على أهدافنا ورسالتنا في الحياة".

يقرِّبك الصَّمتُ من ذاتك ورسالتك، ويدعمك ويثبِّت خطاك في الحياة، فهو مخزن الإلهامات والإبداعات، ويمنحك قدرةً رائعةً على التَّحكم في المشاعر والانفعالات؛ حيث تخضع المشاعر إلى فلتر الصَّمت الَّذي يسمح لك في رؤية ما وراء الأمور، كأن تسأل نفسَك عن السَّبب الكامن وراء غضب شخص ما منك، أو السَّبب في سير الأمور بتلك الطَّريقة في حياتك.

أنت تُقيِّم أمور حياتك بشكلٍ أفضلٍ من خلال الصَّمت، وتراقب سلوكاتك وتصرُّفاتك بانتباه أكبر عندما تصمت، بينما تهدر طاقتك وتخسر فرصةَ تطوير حياتك في حال إدمانك الكلام والاجتماعات مع النَّاس، دون تخصيص وقت كافٍ لنفسك.

يمنحك الصَّمت قوةً كبيرةً وثقةً هائلةً بالنَّفس، فأنت قادرٌ على رد الظُّلم بالظلم، والإهانة بإهانة، إلَّا أنَّك تفضِّل الصَّمت على ذلك، حيث يحتوي هذا السُّلوك كثيراً من القوَّة النَّفسيَّة والنُّضج الانفعالي.

وأنتَ عندما تصمت، تفتح آفاقاً جديدة في عقلك وتصقل شغفك، وتسعى إلى سعادتك بالطريقة المناسبة لك والأقرب إلى روحك؛ فلا يوجد مع الصَّمت مجاملات أو صراعات مجتمعيَّة أو أفكار مبعثرة تأتي من الآخرين؛ بل يوجد أنت وحقيقتك فقط.

الصَّمت نعمة؛ هذا ما سنعرفه من خلال هذا المقال.

ما هو الصَّمت؟

هو حالة من تهدئة العقل، والبحث في الدَّاخل، فكل الأجوبة الَّتي تريدها في حياتك موجودة في داخلك، إلَّا أنَّك لن تكتشفها إلَّا في حال جلوسك مع ذاتك واعتزال الآخرين لفترةٍ من الزَّمن.

ما هي فوائد الصَّمت؟

1. التركيز:

نحن نعيش في خضمِّ عالمٍ متغيِّرٍ ومفعَمٍ بالحركة السَّريعة والتبدُّلات، ونتعرَّض يوميَّاً إلى كمٍّ هائلٍ من المعلومات المبعثَرة والأفكار غير المنظَّمة، ونضطرب يوميَّاً بفعل الاحتكاك مع نماذج كثيرة من الأشخاص بخلفيَّاتٍ متنوعة وقيمٍ متضارِبة مع قيمنا، ومنهجيَّة تفكير غير متقاطعة مع منهجيَّة تفكيرنا، الأمر الَّذي يصيبنا بالتَّشتت وعدم التركيز وضياع البوصلة والأهداف.

يمنحنا الصَّمت فرصةَ إعادة التركيز على أهدافنا وغايتنا من الحياة، فعندما تجلس مع ذاتك؛ تبدأ في البحث عن الإجابة للأسئلة الأكثر أهميَّة في حياتك؛ مثل: "ما هي رسالتي في الحياة؟"، "أين موقعي الحالي؟"، "كيف لي أن أحوِّل شغفي إلى أمرٍ ملموسٍ؟"، "ما هي قيمي في الحياة، وهل سلوكاتي متماشية معها؟".

2. التحكم الانفعالي:

عندما تصمت فأنت تعطي انطباعاً بالقوَّة للشَّخص الغاضب أمامك، وتمرِّر إليه رسالةً بأنَّك قادرٌ على التَّحكم في ردَّات فعلك وأنَّك لن ترضخَ إلى أسلوبه في التعاطي.

يدرك الشَّخص الصَّامت أنَّه يستطيع تغيير أي موقف يواجهه، من خلال تغيير استجابته لهذا الموقف، فهو لا يفهم تهجُّم الآخر عليه بالكلام الجارح على أنَّه إهانةٌ حقيقيَّة ويجب أن تُعاد إليه؛ بل يفهمه على أنَّه أسلوبٌ يعتمده الآخر في التعبير عن ذاته، ويفكِّر مع نفسه في صمتٍ متسائلاً عمَّا فعله من تصرُّفات تستدعي تهجُّم الآخر عليه، فقد يكون الآخر على حق ولكنَّ أسلوبَه في طرح أفكاره خاطئٌ، وقد لا يكون على حق، ولكن في جميع الأحوال يبقى الصَّمت هو الحلُّ الأمثل الَّذي يساعد على تجميع الأفكار واتِّخاذ القرار بطريقة صائبة، الأمر الَّذي يساعد الإنسان على التخلُّص من النَّدم جرَّاء القيام بتصرُّفات متسرِّعة وغير محسوبة.

شاهد بالفديو: كيفية التحكم بالانفعالات وضبط النفس

3. الرِّضا والحكمة:

يكتشف مَن يعتمد الصَّمت أسلوب حياة -كأن يختار الصَّمت وعدم التَّحدُّث إلى النَّاس لمدة 3 أيام متتالية- أبعاداً جديدة في الحياة، ويكتسب هدوءاً وسلاماً داخليَّاً كبيراً. وتعطي فترة الصَّمت الإنسان الفرصةَ للبحث عن ما وراء الأشياء، فإن كان يتعاطى مع أشخاص سلبيِّين في محيطه؛ فسَيدرك أنَّ هناك مستويات مختلفة من الوعي بين البشر، وأنَّ عليه تقبُّل هذا الاختلاف في الوعي.

4. التَّقرُّب من اللَّٰه وقراءة الإشارات:

تعطينا فترة الصَّمت الفرصةَ لمعرفة الخالق أكثر، واختبار عظمته ورحمته، فكلَّما طلبتَ من اللَّٰه دعمك وإنارة دربك وتسهيل وصولك إلى هدفك؛ أنعم عليك بالإلهامات والأفكار الرَّائعة الَّتي ستقلب حياتك جنَّة. لا تكُن مصطَنَعاً في طريقة مناجاتك للَّٰه؛ بل كن حقيقيَّاً وعفويَّاً وعبِّر بالطَّريقة الَّتي تشبهك وتريحك.

إقرأ أيضاً: 7 نصائح لتقوِّي صلتك بالله سبحانه وتعالى

5. الإحساس في الكلمات والمشاعر:

يفقد مَن يتكلَّم كثيراً؛ وقع الكلمات في الرُّوح، ويغدو كل شيء مستهلَكاً بالنسبة إليه؛ فهو لم يَعُد مقدِّراً لِما يقول. وعلى العكس من ذلك، يقدِّس الشَّخص الَّذي يميل إلى الصَّمت قيمةَ الكلمات والمشاعر؛ فيتكلَّم باتِّزانٍ ودقَّةٍ، متوخِّياً الصِّدق فيما يقول، معبِّراً عمَّا في داخله بأسلوبٍ راقٍ وفي الأوقات المناسبة ومع الأشخاص الذين يستحقُّون.

6. الإبداع والأفكار الخلَّاقة:

يعطيك الصَّمت فرصةً ذهبيَّةً من أجل تحفيز الجانب الإبداعي من الدِّماغ، ممَّا يجعلك أكثر استعداداً لتقبُّل الإلهامات وأكثر قوَّة لاتِّخاذ القرارات المفصليَّة في حياتك. في حين يفقدك الكلام طاقتك، وقدرتك على الابتكار، ويُحجِّم من مواهبك.

يتشتَّت انتباهك عندما تتكلَّم بكثرةٍ وبدون فترات من الصَّمت والتفكير، وقد تضطرب مخطَّطاتك وتتلاشى اهتماماتك، في حين تُعدُّ طاقة الصَّمت من أقوى الطَّاقات على الإطلاق، حيث تحصل على فرصةٍ للحياة بصورة أفضل في حال اتباعك الصَّمت كأسلوب حياة، كأن تصمت وتفكِّر بتبعات كلامك ومن ثمَّ تتكلَّم بعد ذلك.

تمنحك منهجيَّة الصَّمت ثباتاً وقدرةً على التفكير بصورة أكثر وعياً، كما تمدُّك بكثيرٍ من التَّأنِّي والحكمة.

7. كسر الارتباط بالماديَّات:

يُعدُّ التعلُّق من أكبر المشكلات الَّتي تواجه أغلب البشر؛ حيث تراهم دائمي السَّعي لامتلاك الأمور الماديَّة، ومُتَع الحياة، ممَّا يجعلهم في حالة من التوتر، والقلق والخوف، ويبعدهم عن السَّعادة والمتعة.

يمنحك الصَّمت صفاءً فكريَّاً، وعمقاً داخليَّاً، وسلاماً نفسيَّاً، بحيث تدرك أنَّ الغايةَ من الحياة أعمقُ من مجرَّد تجميع الماديَّات، وأنَّ العطاءَ هو القيمة الأكثر أهميَّة في الحياة، وأنَّ إغناءَ رصيدك الدَّاخلي أهمُّ بكثيرٍ من إغناء رصيدك البنكي.

8. التواضع:

عندما تتقن فنَّ الصَّمت؛ فإنَّك تصبح أكثر تواضعاً وقرباً من النَّاس؛ حيث تنتصر على الأنانيَّة، وتتحرَّر من الصُّورة الزَّائفة للنَّفس وتقترب من حقيقتك وجوهرك.

إقرأ أيضاً: 30 قول وحكمة عن أهمية التواضع

9. إدارة الأولويات:

عندما تتعلَّم الصَّمت؛ فستكون قادراً على إدارة حياتك بالشَّكل الأمثل، بحيث يكون لديك الوقت الكافي للتفكير في أولوياتك والدِّفاع عنها، بينما في حال اعتمادك الكلام المبالغ فيه؛ فستكون عرضةً إلى الفوضى وضياع الأهداف والأولويَّات، حيث ستتشتَّت بفعل الكلام الزَّائد وتصبح أكثر تساهلاً مع النَّاس وقد تصل إلى القيام بسلوكات لصالحهم على حساب مصلحتك الشخصيَّة.

اصمُت ولكن دون كبتٍ أو عقابٍ أو خوفٍ:

كما قلنا سابقاً إنَّ طاقةَ الصَّمت من أقوى الطَّاقات على الإطلاق، ولكنَّ هذا لا يعني عدم وجود حالة من الصَّمت السَّلبي قد يعاني منها بعض النَّاس. فقد يلجأ بعض النَّاس إلى الصَّمت كوسيلةٍ لكبت المشاعر السَّلبيَّة وعدم التعبير عنها، الأمر الَّذي يزيد الأمور سوءاً، حيث خُلِق الصَّمت لتفريغ الطَّاقة السَّلبيَّة، كأن تبتعد عن النَّاس ولا تتكلَّم مع أحد وتقرِّر البكاءَ بنيَّة التفريغ، وليس كنوعٍ من الاستسلام والكآبة والضَّعف.

من جهةٍ أخرى، قد يصمت بعض النَّاس لكي يُعاقِبوا الطَّرف الآخر، ويسبِّب هذا الأسلوب كثيراً من الأذى النَّفسي للطَّرف الآخر، لذلك يُنصَح بمصارحة الآخر بعد انتهاء الموقف السَّلبي معه، ولا يُنصَح بتاتاً باعتماد أسلوب التَّشفِّي منه وفرض سياسة التجاهل التام نحوه.

وهنا نريد أن ننوِّه إلى أنَّ اعتمادك لحالة الصَّمت في أثناء غضبك من الطَّرف الآخر؛ يُعدُّ من الوسائل النَّاجحة جداً في التعاطي والتعامل مع الآخر، ولكن من الخطأ الاستمرار في الصَّمت بعد انتهاء الموقف بمدة طويلة، واعتماده كأسلوبٍ لِعقاب الطَّرف الآخر.

قد يصمت بعض النَّاس جرَّاء خوفهم من الآخر، وضعف ثقتهم به، وهنا على الأشخاص أن يتحلُّوا بالثَّقة باللَّٰه وبأنفسهم، فالإنسانُ القويُّ لا يخاف من الآخر ولا يُسِيء الظَّن به؛ بل يتوكَّل على اللَّٰه، وينوي نيَّةً طيِّبة ويسعى إلى تحقيق أهدافه بقوَّة وشجاعة، فهو لا يبالي بالآخرين وبكلامهم ونظراتهم؛ إنَّما يبالي بنظرة اللَّٰه إليه وبنظرته هو إلى نفسه.

الخلاصة:

الإنسانُ القويُّ هو مَن يعتمد الصَّمت سلاحاً فيتأنَّى في كلامه، ذلك لأنَّه يعلم تماماً أنَّ لكلِّ كلمةٍ قوَّتها وتأثيرها، وأنَّه يفقد السَّيطرة على الموقف في حال فقدانه السَّيطرة على لسانه. ومَن يتقن فنَّ الصَّمت؛ يتقرَّب من ذاته أكثر، ويُدرك رسالته بصورةٍ أكثر وضوحاً، ويفهم الحياة بصورةٍ أكثر عمقاً، ويزداد شغفاً وحبَّاً ووعياً.

 

المصادر: 1، 2، 3، 4، 5


تنويه: يمنع نقل هذا المقال كما هو أو استخدامه في أي مكان آخر تحت طائلة المساءلة القانونية، ويمكن استخدام فقرات أو أجزاء منه بعد الحصول على موافقة رسمية من إدارة النجاح نت.

المقالات المرتبطة بــ:الصمت في علم النفس: تعريفه، وفوائده