Top


مدة القراءة: 8 دقيقة

السعادة: "الغاية التي ينشدها الجميع"، كيف نصل إليها؟

السعادة:
مشاركة 
الرابط المختصر

السعادة، هذه الكلمة البسيطة والتي تحمل في معناها غاية ما ينشده العديد منا، كلّنا نبحث عن السعادة. كلّ واحدٍ منّا لا بدّ له أن سأل نفسه يوماً "هل أنا سعيد؟"، "كيف يمكنني أن أصل إلى الشعور بالسعادة؟"، ولكنَّ السؤال الأهم الذي يجب أن نطرحه على أنفسنا هو: "ما هي السعادة الحقيقيّة؟". قد يتبادر إلى ذهن العديد من الأشخاص أنَّ السعادة متعلّقة بالمال أو الأشخاص أو بامتلاك أمور معيّنة، وبذلك فإنّ هؤلاء الأشخاص يربطون مفهوم السعادة بالمادّيات، لكنَّ الحقيقة أنَّ السعادة حالةٌ عقليّةٌ تتعلَّق بك أنت فقط ويمكنك أن تبلغها بعدد من الأمور البسيطة والتي قد لا تتوقّعها. لا ندّعي أنّنا نحمل مفتاح السعادة في جيبنا، وأنّك ستقفز من السعادة بعد أن تنتهي من قراءة هذا المقال. ولكن، ماذا سنخسر إذا حاولنا أن نتعرّف على مفهوم السعادة الحقيقيّة عن قُرب، وذكّرنا أنفسنا بأمور ربما نكون قد غفلنا عن التفكير فيها وتحمل في طيّاتها سرّ سعادتنا الحقيقيّة!




ما هو مفهوم السعادة؟

قد يختلف مفهوم السعادة من شخصٍ إلى آخر ولكن يمكننا القول بأنَّ السعادة بمفهومها العام تعني "ما يحسّ به الإنسان في داخله من مشاعر الغبطة والسكينة والراحة والبهجة".

أمَّا بالنسبة لمفهوم السعادة عند علماء النفس، فعلى الرغم من تباين السعادة النفسيّة بشكلٍ عام إلّا أنَّ معظم الباحثين اتّفقوا على أنَّ السعادة: "هي مجموعةٌ من المؤشّرات السلوكيّة التي تدل على توفُّر حالةٍ من الرّضا العام لدى الفرد وسعيه بشكلٍ مستمرّ لتحقيق أهدافه الشخصيّة في إطار حفاظه على العلاقات الاجتماعيّة الإيجابيّة مع الآخرين".

ولم يقتصر الاهتمام بالسعادة ومفهومها على علماء النفس، فاهتم الفلاسفة أيضاً بمفهوم السعادة وقاموا بوضعه ضمن المفاهيم الفلسفيّة الكبرى، وغالباً ما ارتبط مفهوم السعادة من وجهة نظرهم بمساعدة الغير. ويُعتَبَر أرسطو أوّل من قام بتقديم مفهوم للسعادة. فاقترن تحقيق السعادة لديه بسدّ النواقص والتي تختلف من شخصٍ إلى آخر، فقد تكون سعادتك في التمتُّع بالصحّة في حال كنت مريضاً، وقد تكون بالمال في حال كنت فقيراً. وأكّد "أرسطو" على ارتباط السعادة بفعل المعرفة، كونها هي أصلاً فعلٌ عقليٌّ يرتبط بالتحصيل والتعوّد، فالسعادة ليست أمراً تصنعه الطبيعة كما أنّنا لا نُوْلَد سُعداء وإنّما نُصبح كذلك.

أمّا بالنسبة "للفارابي" فإنَّ السعادة في مفهومها غايةٌ في ذاتها، ما دامت تُطلَب لذاتها بعيداً عن أيّة مصلحة. فالسعادة بالنسبة له لا تتعلّق بإشباع لذّةٍ بدنيّة، لأنّنا والحيوانات في ذلك سواء، وما يميّز الإنسان هو الفعل العقليّ التأمّلي. إذاً فالسعادة عند الفارابى ليست لذّة حسّيّةً وإنّما لذّةٌ عقليّة. فالإنسان لا يُولَد سعيداً وإنّما يصبح كذلك، وذلك من خلال التأمُّل والتفكير وإعمال المنطق، لأنَّ السعادة لا تحدث إلّا بجودة التمييز بين الصحيح والخطأ.

وبالنسبة للفيلسوف الفرنسي "لونوار" فقد ربط السعادة بإيجاد معنى لحياتنا، ومتى ما وصل الإنسان إلى هذا المعنى أصبحت الحياة من حوله مليئةً بالسعادة، إلّا أنَّ معنى الحياة لا يعني شيئاً واحداً أو محدّداً يشمل جميع الناس، لأنَّ معنى الحياة يختلف من شخصٍ لآخر.

ما هي أنواع السعادة؟

إنَّ كلمة سعادة تُعبّر عمّا يختلج داخل الإنسان من أحاسيس ومشاعر، لذلك قد لا نتمكّن من وصفها بالكلام أو تصنيفها ضمن أُطر أو قواعد معيّنة فمشاعر الإنسان غير قابلة للتصنيف؛ لكنّنا يُمكن أن نقول أنَّ السعادة قد تحمل نوعين من المشاعر:

  • مشاعر سعادة وقتيّة: وتكون لفترةٍ قصيرةٍ من الزمن، والتي قد ترتبط بموقفٍ أو حدثٍ ما جَعَلَنَا سعيدين.
  • مشاعر سعادة دائمة: وهي التي تبقى مُرافقةً لنا لفترةٍ طويلةٍ من الزمن، بحيث تتوالى المحفّزات التي تجعلنا نشعر بالسعادة بشكلٍ دائمٍ وأبدي، وهذه السعادة التي ننشدها جميعنا.

ومن وجهة نظرٍ دينيّةٍ يمكن القول أنَّ السعادة لا تكتمل في الحياة الدنيويّة دون الإيمان بالسعادة الأُخرويّة والسعي والعمل للوصول إليها. فمناط السعادة الدنيويّة هو الالتزام بأوامر الخالق والابتعاد عمّا نهانا عنه وحرّمه، والتحلّي بالإيمان والقيام بالعمل الصالح، حيث قال تعالى في سورة النحل: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً}، وقال تعالى في سورة طه: {وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى}، أمّا السعادة الأُخرويّة فهي نتيجة أعمالك في الحياة الدنيا وهي السعادة الدائمة التي ليس بعدها سعادة.

إقرأ أيضاً: 12 استراتيجية لعقلية سعيدة

كيف يمكنني أن أكون سعيداً؟

السؤال الذي كثيراً ما سألناه: "كيف يمكنني أن أكون سعيداً؟ في الحقيقة ليس هناك من جوابٍ محدّدٍ على هذا السؤال، ولكن هناك بعض الأمور التي يمكنك القيام بها والإيمان بقدرتها على منحك السلام الداخلي والسعادة الحَقَّة، وإليك بعضها:

1. تحلّى بالإيجابيّة:

نصيحتنا الأولى لك في سبيل أن تنعم بالسعادة هي: "ابتعد عن السلبيّة وفكّر بطريقةٍ أكثر إيجابيّة"، وهي من أسهل الطرق التي تمنحك السعادة دون أن تبذل ذلك الجهد الجبّار. تحلّى بالإيجابية والتفاؤل، ابتعد عن التحليلات السلبيّة لكلّ ما يحدث لك أو من حولك، بمعنى آخر أُنظر إلى نصف الكوب الممتلئ، وابحث عن المعنى الإيجابي الذي يحمله كلّ ما تمرّ به من مواقف قد تشعر أنّها سلبيّة. ستشعر تلقائيّاً بالسعادة والراحة.

2. قدّر قيمة ما تملك:

في الحقيقة، تحمل هذه الجملة في طيّاتها معنىً أكبر ممّا تعتقد. سأسألك سؤالاً: هل جرّبت أن تمشي في الشارع متأمّلاً في كلّ ما يحيط بك من جمال؟ انظر إلى زرقة السماء. استمع إلى نشيد العصافير. تنشّق رائحة الهواء. قد يضحك البعض من بساطة هذه الأمور، لكن في الحقيقة العديد من الناس قاموا بممارسة هذا الطقس الرائع. وحقيقةً، بدأوا يشعرون بسعادةٍ لا تُوصَف.

أن تُقدّر ما تملك لا تقتصر على ما تملكه من أمور ماديّة، بل تشمل كلّ ما تملكه من صحّةٍ تتمتّع بها، وأشخاص من حولك يحبّونك ويثقون بك، وأُسرة جميلة تنعم معها بدفء المشاعر، ونَفَسُكَ الذي يخرُج ويدخُل دون أدنى جهدٍ منك. ومُجرّد التفكير في تلك الأمور سيرسم الابتسامة على شفتيك ويبعث في نَفْسِكَ السعادة.

إقرأ أيضاً: 6 فوائد مثبتة للشعور بالامتنان

3. أعطِ أكثر ممّا تأخذ:

والعطاء يعني أن نُعطي من أنفسنا ووقتنا ومالنا وجهدنا لمن يحتاج إليها، والسعادة الحَقّة أن تُعطي دون مُقابل دون أن تنتظر أن تردّ لك الحياة ما قدّمته. اجعل العطاء الدائم منهجك في الحياة وبذلك لن تكون أنت فقط سعيداً بل ستكون ناشراً للسعادة ومانحاً لها أيضاً.

4. حدّد أهدافك في الحياة:

إنَّ الأهداف التي يضعها الإنسان ويسعى لتحقيقها تُعطي معنىً لحياته وتمنحه الأمل بأن ينهض من فراشه كلّ يومٍ ويستقبل إشراقة يومٍ جديد وهو يحمل في داخله سعادةً لا تنتهي بأنّ حياته تحمل معنىً حقّاً. فلا يستسلم للعقبات التي تعترضه ولا يتذمّر من الظروف التعيسة، بل يواجهها بابتسامةٍ يرسمها على وجهه وسلامٍ يحمله في روحه.

5. عش اللحظة الراهنة:

يمكنك منذ الآن الجلوس في مكانك وانتظار تلك اللحظة التي ستشعر فيها بالسعادة الحقيقيّة وبالتأكيد لن تأتي تلك اللحظة. ويُمكنك في المُقابل أن تعيش الآن في هذه اللحظة أسعد أيّام حياتك. لماذا؟ لأنَّ السعادة قرار بالمُختَصَر. يُمكنك أن تقول لنفسك أنا الآن في الحاضر لن أنظر للماضي ولن أُفكّر أكثر من اللازم في المُستقبل وسأعيش حياتي الآن بكلّ ما فيها من لحظات سعيدة. فماذا ستخسر؟

اليوم العالمي للسعادة:

بقرارٍ من الأمم المتّحدة يحتفل العالم منذ عام 2013م بما يُعرَف بـ "يوم السعادة العالمي"، (اليوم الدولي للسعادة) حيث تمَّ تحديد يوم 20 مارس/أذار من كلّ عام يوماً للسعادة وذلك بعد اقتراح قدّمه مُستشار في الأمم المتّحدة، والذي لاقى تجاوباً من قِبَل العديد من الدول، فبلغ عدد الدول التي تحتفل بيوم السعادة اليوم 193 دولة.

ويعود اختيار هذا اليوم "يوماً للسعادة" لأنّه يتزامن مع تساوي الليل والنهار أو ما يُطلق عليه اعتدال مارس/أذار، إذ تبلغ ساعات النهار فيه 12 ساعة، ومثلها تقريباً لليل.

وغاية هذا الاحتفال هو الاعتراف بأهميّة السعادة والقيمة العالية التي تحملها والتي يتطلّع إليها جميع الناس في كلّ أنحاء العالم.

السعادة الحقيقية:

ربما نحتاج إلى التوقُّف قليلاً عند هذه الجملة "السعادة الحقيقيّة". ما هي السعادة الحقيقيّة؟ قد تختلف الأجوبة على هذا السؤال من شخصٍ إلى آخر. فالسعادة مفهومٌ فضفاض يحمل الكثير من المعاني بالنسبة إلينا كبشر مع اختلاف أطباعنا ورغباتنا ونظرتنا للأمور في الحياة. لكن يمكننا أن نتّفق على أنَّ السعادة الحقيقيّة قد تكمُن في سكينة النفس، والقناعة بما نملك من نِعَم في حياتنا، والرضا بما نحن عليه من أشخاص؛ وأنَّ السعادة الدائمة في الحياة ضربٌ من الخيال والوهم. ويمكننا أن نتّفق أنَّ السعادة لا تنتظرنا في نهاية الطريق، بل ترافقنا خلال مسيرة حياتنا وتوجد في أصغر التفاصيل التي ربما لم نعد ننتبه لوجودها.

السعادة الحقيقيّة تبدأ من داخلك أنت وتعكس لك ما تراه في الخارج. إنّها ليست نظريّةً معقّدة ولا حلماً بعيد المنال. إنّها داخلك، فقط ابحث جيّداً.

إقرأ أيضاً: كيف يمكن لِعَيشِ حياةٍ هادفة أن يجعلك أكثر سعادة ورضا

أقوال عن السعادة:

وأخيراً جمعنا لكم بعض الأقوال عن السعادة، إليكم بعضها:

  • الإنسان لا يُمكن أن يكون سعيداً دائماً، ولكن في كثيرٍ من الأحيان يحصل على حلم قصير من السعادة في هذا العالم، فلماذا تهرب من هذا الحلم الذي لا يدوم طويلاً؟ "فريدريك شوبان".
  • السعادة كُرةٌ نركلها بأقدامنا عندما تقترب منّا، ونَعْدُو وراءها عندما تبتعد عنّا. "قاسم أمين".
  • السعادة هي ذلك الشعور المُريح الذي يغمرك عندما تُدخِل البهجة إلى قلوب الآخرين. "راينر ماريا ريلكه".
  • العمل أبو اللذّة ومصدر السعادة. "فولتير".
  • إنَّ المال هو السعادة البشريّة بصورةٍ مجرّدة عن الشعور، فإنّ من لا يستطيع الإستمتاع بالحياة وحدها، يكرّس نفسه للبحث عن المال ليجلب له السعادة. "أرتور شوبنهاور".
  • السعادة قناعة، فلا الذهب ولا العظمة يجعلاننا سعداء. "جان دو لافونتين".
  • السعادة الحقيقيّة هي التي لا يحسّ الإنسان معها بوخز الضمير لأنّه اغتصب حقّ غيره أو لأنّه أقام سعادته على أنقاض سعادة الآخرين أو لأنّه استخدم وسائل غير مشروعة في تحقيقها. "عبد الوهاب مطاوع".
  • السعادة ليست بمقدار ما نملك من الأشياء، بل بمقدار ما نستمتع به في حياتنا بما نملكه.. فهذه هي السعادة الحقيقيّة. "تشارلز سبورجون".
  • السعادة هي أن يُقَال اسمك في دعاء أحدهم كلّ يومٍ وأنت لا تشعر. "مصطفى محمود".
  • السعادة ليست في أن يكون عندك الكثير جدّاً.. وإنّما السعادة في أن تُحبَّ الدنيا والناس.. وأن تواتيك الفرصة لتأخذ بنصيبٍ قليلٍ من خيراتها. "مصطفى محمود".
  • أبواب السعادة لا تُفتَح إلّا من الداخل، من داخل نفسك.. السعاده تجيئك من الطريقة التي تنظر بها إلى الدنيا ومن الطريقة التي تسلك بها سبيلك. "مصطفى محمود".

 

المصادر:

  1. مفهوم السعادة بين الفلسفة وعلم النفس
  2. أنواع السعادة
  3. العالم يحتفل بيوم السعادة.. تعرف على قصته
  4. أقوال عن السعادة الحقيقية
  5. أقوال مصطفى محمود في السعادة


تنويه: يمنع نقل هذا المقال كما هو أو استخدامه في أي مكان آخر تحت طائلة المساءلة القانونية، ويمكن استخدام فقرات أو أجزاء منه بعد الحصول على موافقة رسمية من إدارة النجاح نت.

المقالات المرتبطة بــ: السعادة: "الغاية التي ينشدها الجميع"، كيف نصل إليها؟






تعليقات الموقع