إذا أردنا أن نغيّر طريقتنا في استثمار وقتنا فعلينا أن نبحث عن ما وراء أفعالنا.. "إذا لم تحصل على نتيجة مما تفعله، فافعل شيئاً آخر"، وحتى نستطيع أن نقوم بأفعال جديدة، لا بد لنا من البحث عن ما وراء أفعالنا!!

 

إن تفكيرنا يؤدي إلى مشاعرنا وبالتالي إلى سلوكيتنا وأفعالنا... وهذا يعني أن تفكيرنا هو ما يكمن وراء أفعالنا وما يكمن وراء طريقتنا في إدارتنا لوقتنا.. وإذا أردنا تغيير طريقتنا في إدارة وقتنا  فلا بد لنا من تغيير طريقة تفكيرنا... ولكن معظمنا ليست لديه أدنى فكرة عن كيفية قيام أدمغتنا بعملها، ولذلك فإننا نحاول أن نفكر في الطرق التي تمكننا من التغيير في حين أن سلوكنا مغروس في جهازنا العصبي على هيئة روابط عصبية (بدنية)... وإذا أردنا تغيير سلوكنا فعلينا أن نعرف كيفية تَشكُّل الروابط العصبية ... فما هي هذه الروابط؟ وما هي كيفية عمل الدماغ؟ وما هي قوته؟

 

قوة الدماغ

 

لابد أن تعلم أن عقولنا تستطيع أن تنجز كل ما نرغب فيه، ولا يمكننا في الواقع تقريباً إدراك كنه قدرات الدماغ، بل إن معظمنا لا يعرف كيفية عمل الدماغ، وكيف يمكن لنا أن نكيّفه بحيث نصل باستمرار إلى النتائج التي نرغب في تحقيقها في حياتنا.

 

علينا أن ندرك بأن الدماغ ينتظر بشوق كل أمر نوجهه له، مبدياً استعداده لتلبية أي طلب نطلبه منه، وكل ما يطلبه بالمقابل هو قليل من الوقود (الأكسجين الموجود في دمك والقليل من الجلوكوز) ونظراً لتركيبه المعقد وقوته فإن العقل يتفوق على أحدث تكنولوجيا كمبيوترية قد تتواجد في العصور الحديثة، حيث أنه قادر على معالجة ما يصل إلى ثلاثين بليون معلومة في كل ثانية، وهو يحتوي على ما يعادل 6000 ميل من الأسلاك والكبلات، حيث يحتوي الجهاز العصبي للإنسان عادة حوالي 28 بليون عصبون (وهي الخلايا العصبية المُصممة لإجراء الدفعات العصبية). وبدون هذه العصبونات لن تكون أجهزتنا العصبية قادرة على تفسير المعلومات التي نتلقاها عن طريق أعضاء الحس ونقلها إلى الدماغ وحمل الإرشادات الموجهة من الدماغ التي ترشدنا إلى ما يجب علينا أن نفعله. وتجدر الإشارة إلى أن كلاً من هذه العصبونات هي عبارة عن حاسب آلي ضئيل الحجم له استقلاله الذاتي وقادر على معالجة حوالي مليون معلومة.

 

تعمل كل من هذه العصبونات باستقلالية غير أنها تتواصل فيما بينها عن طريق شبكة مدهشة من الألياف العصبية التي يبلغ طولها 100000 ميل، وقدرة دماغك على معالجة المعلومات مذهلة، وخصوصاً حين تأخذ بعين الاعتبار أن الحاسب الآلي - مهما كانت سرعته - لا يستطيع أن يقوم بأكثر من اتصال واحد في كل مرة. وبالمقارنة فإن المنعكس في أي عصبون يمكنه أن ينتشر إلى مئات الألوف من العصبونات في أقل من 20 جزءاً من الثانية، ولتقريب هذا المنظور لك فإن هذا يعادل أقل من عشر ما يلزم العين لكي تطرف طرفة واحدة.

 

يأخذ العصبون فترة أطول بمليون مرة في إرسال رسالة من مفتاح الكمبيوتر العادي، غير أن بإمكان العقل أن يتعرف على وجه مألوف في أقل من ثانية، وهو أمر يتجاوز أقوى حاسب آلي، ويستطيع الدماغ أن يحقق هذه السرعة لأن بلايين العصبونات الموجودة فيه يمكنها أن تهاجم مشكلة ما في نفس الوقت، على العكس من الحاسب الآلي الذي يسير على أساس خطوة خطوة.

 

ولكن.. ومع وجود كل هذه القوة الهائلة الموضوعة تحت تصرفنا، هل نستطيع أن نغيّر عادة سيئة مثل التسويف أو ضعف التخطيط أو أن نُنمي مهارات التواصل؟ هل نستطيع أن نتخلص على الفور من الاكتئاب وأن نتجاوز الشعور بالإحباط وأن نشعر بالغبطة في كل يوم من أيام حياتنا؟ يمكننا ذلك! فلدى كل منا الحاسب الآلي الذي يملك قوة لا تصدق ولا يضاهيها أي حاسب آخر على وجه الأرض، غير أن معظمنا ليست لديه أدنى فكرة عن كيفية قيام أدمغتنا بعملها، ولذلك فإننا نحاول أن نفكر في الطرق التي تمكننا من التغيير في حين أن سلوكنا مغروس في جهازنا العصبي على هيئة روابط عصبية (أو ما يُطلق عليه اسم روابط عصبية)، فما هي الروابط العصبية؟

 

يدرس العلماء العصبيّون كيف تحدث الارتباطات العصبية، وقد اكتشفوا أن العصبونات ترسل رسائل كهربائية\كيميائية باستمرار حيث تذهب هذه الرسائل وتعود على مسارات عصبية، وهي لا تختلف كثيراً عن حركة السيارات على الطرق المُكتظة، وتحدث الاتصالات كلها على الفور، علماً بأن كل فكرة أو ذاكرة ما تتحرك على مسارها الخاص، بينما تتحرك بلايين من الدفعات العصبية الأخرى في اتجاهاتها الفردية. وهذا الترتيب يمكننا من انتقاء معلومات من ذاكرتنا مثل رائحة الصنوبر في الغابة بعد هطول المطر، أو نغم أنشودة محببة لأنفسنا، أو تفاصيل خطة نضعها لقضاء سهرة ممتعة مع من نحب، أو حجم إبهام طفل بعد ولادته.

 

هذا النظام المُعقّد لا يساعدنا فقط على الاستمتاع بجمال العالم المُحيط بنا، بل كذلك على الاستمرار في العيش على سطح هذه الأرض. وفي كل مرة نخضع فيها للإحساس بقدر لا يستهان به من الألم أو المتعة فإن عقلنا يبحث عن السبب ويسجله في جهازنا العصبي بحيث نتمكن من اتخاذ قرارت أفضل حول ما سنفعله في المستقبل. فمثلاً بدون وجود ترابط عصبي في ذهنك يذكرك بأن مد يدك إلى النار سيحرقك فإنك ستكرر هذا الخطأ مرة بعد مرة إلى أن تحترق يدك بشدة. وبذلك فإن الارتباطات العصبية توفر لدماغنا الإشارات التي تساعد على العودة إلى ذاكرتنا، مما يمكننا من المراوغة بسلام طيلة أيام حياتنا. فحين نعمل شيئاً لأول مرة فإننا نخلق رابطة عصبية (بدنية)، وهي عبارة عن فتائل عصبية دقيقة تسمح لنا باستعادة هذه العاطفة أو السلوك من جديد في المستقبل، ويمكننا أن نفكر في الموضوع على هذا الشكل: في كل مرة نكرّر فيها هذا السلوك تتعزز هذه الرابطة، إذ نضيف فتيلة أخرى لرابطتنا العصبية. ويمكننا بواسطة التكرار الكافي والكثافة العاطفية اللازمة أن نضيف فتائل جديدة في آن واحد، وبذلك نزيد من قوة الشد والمط لهذا النمط العاطفي أو السلوكي إلى أن يصبح لدينا في النهاية "خط مواصلات لهذا السلوك أو الإحساس". وفي تلك الحالة نجد أنفسنا مُجبرين على الإحساس بهذه المشاعر أو التصرف بهذه الطريقة باستمرار، وبعبارة أخرى تصبح هذه الرابطة ما يطلق عليه اسم طريق عصبي عريض يصل بنا إلى معبر سلوك أوتوماتيكي ومستمر.

 

هذه الرابطة العصبية هي حقيقة بيولوجية، إنها بدنية! والروابط العصبية هي أداة لحفظ البقاء وهي محمية في مكان آمن في داخل أجهزتنا العصبية حيث تعتبر صلات بدنية وليست مجرد "ذكريات" غير ملموسة. ولقد أثبت مايكل ميرزينيش من جامعة كاليفورنيا بمدينة سان فرانسيسكو الأمريكية علمياً بأننا كلما انغمسنا أكثر في نمط السلوك كلما أصبح هذا النمط أكثر قوة.

 

لقد قام ميرزينيش برسم خارطة لبعض مناطق دماغ أحد القرود كان من الممكن تنشيطها لدى لمس أحد الأصابع في يد القرد، ثم قام بتدريب أحد القرود على استخدام هذا الإصبع بشكل رئيسي لكي يحصل على طعامه، وحين أعاد رسم خارطة المناطق التي يتم تنشيطها باللمس في دماغ القرد تبين له أن المنطقة التي تستجيب للإشارات الناجمة عن الاستخدام الإضافي لذلك الإصبع قد توسعت في حجمها بنسبة 600%، كما تبين أن القرد تابع نفس السلوك حتى بعد أن كفّوا عن منحه مكافآت لأن السبيل العصبي قد أصبح مبنياً على أساس قوي.

 

ومن الأمثلة التي توضح هذا النوع من السلوك لدى بني البشر، هو الإنسان الذي لم يعد يستمتع بالتدخين ولكن شعوراً قسرياً يظل يسيطر عليه للاستمرار في التدخين، فلماذا يحدث ذلك؟ لقد تم "تسليك" هذا الشخص بدنياً بأن يدخن، وهذا يفسر لك لماذا وجدت صعوبة في الماضي في خلق تغيير في أنماطك العاطفية أو في سلوكك، لم تكن المسألة فقط أنك "كونت عادة"، بل خلقت روابط عصبية قوية في داخل جهازك العصبي.

 

إننا ننمي تلك الروابط العصبية في اللاوعي بالسماح لأنفسنا بالانغماس في عواطف وأنماط سلوك على نحو مستمر ومتواصل، وفي كل مرة ننغمس في عواطف الغضب أو انتهاج سلوك الصراخ في وجه من نحب، فإننا نُعزز الصلة العصبية ونُعزز احتمال تكرارنا هذا السلوك مرة أخرى، والأنباء السارة هي أن البحوث قد أظهرت أنه حين أُجبر القرد على التوقف عن استخدام إصبعه ذلك، بدأت المنطقة التي تصل عصبياً بهذا الإصبع في الدماغ بالتقلص في حجمها وبذلك أخذت الرابطة العصبية تضعف.

 

وهذه أنباء سارة بالنسبة لأولئك الذين يريدون أن يغيّروا عاداتهم، فإذا توقفت عن الانغماس في سلوك أو عاطفة معينة لفترة كافية من الزمن فإن الصلة العصبية تضعف وتضمر، وبذلك تختفي الأنماط العاطفية أو السلوك الذي يسلبك القوة، وعليك أن تتذكر أن هذا يعني أيضاً بأنك إن لم تستخدم عاطفتك فإنها ستذوى، تذكر أن الشجاعة تتضاءل إن لم تستخدم، ويذبل الالتزام إن لم يُمارس، ويتبدد الحب إن لم يُشاركك فيه الطرف الآخر.

 

وإذا كنا مُصرّين على تغيير سلوكياتنا غير المرغوبة، وإذا اتفقنا على أن طريقة تفكيرنا هي من تؤدي إلى سلوكياتنا، يُصبح من الضروري أن نبحث في طريقة إدراكنا لما حولنا، وبالتالي أن نبحث بكيفية قيامنا بتصرفاتنا بناءً على هذا الإدراك...

 

أيقظ قواك الخفية

أنتوني روبنز

مكتة جرير

2000