Top


مدة القراءة:9دقيقة

5 اعتقادات خاطئة عن العطف الذاتي

5 اعتقادات خاطئة عن العطف الذاتي
الرابط المختصر
تاريخ آخر تحديث:18-10-2021 الكاتب: هيئة التحرير

يعدُّ معظم الناس العطفَ صفةً تستحق الثناء، فهي تشير إلى امتلاك الشخص مجموعة من الخصال الحميدة، مثل اللطف والرحمة والرفق والتفهُّم والدماثة والحنان والتعاطف والدافع القوي لمساعدة الكائنات الحية جميعها من البشر والحيوانات، لكنَّ هناك حيرة حين يتعلَّق الأمر بالعطف الذاتي، فهو مرتبط بالنسبة إلى العديدين بصفات غير مستحبَّة مثل الغرور ورثاء الذات وخدمة المصلحة الشخصية والأنانية، ولا زلنا حتى اليوم نؤمن بأنَّه يجب علينا معاقبة أنفسنا دائماً لنحميها من الفسوق الأخلاقي المتجسِّد في الغرور والكسل والأنانية.




ملاحظة: هذا المقال مأخوذ عن المدوِّنة "كريستين نيف" (Kristin Neff)، والتي تحدِّثنا فيه عن الاعتقادات الخاطئة المرتبطة بالعطف الذاتي.

فلنأخذ مثالاً عن معلِّمة في المدرسة الابتدائية، عمرها 39 عاماً وعائلتها مكوَّنة من زوج محب وطفلين، هي إنسان لطيف إلى حد كبير وزوجة متفانية ووالدة مهتمة وصديقة داعمة ومعلِّمة مخلصة، كما تكرِّس جزءاً من وقتها للعمل التطوعي في المنظمات الخيرية، هي بالمجمل مثل أعلى يُقتدى به؛ لكنَّها تشعر بالتعب طوال الوقت وتعاني من مستويات قلق عالية ومن الاكتئاب والأرق ومشكلات الجهاز الهضمي المزمنة، وتشعر بالذنب حين تفقد أعصابها مع أطفالها أو تلاميذها في بعض الأحيان، على الرغم من كل هذا هي تقسو على نفسها كثيراً، فتشعر أنَّ الجهد الذي تبذله غير كافٍ؛ وحالتها مثل حال العديد من الأشخاص، ومثلهم لم يخطر لها من قبل أن تعطف على نفسها، وكأنَّ فكرة التعامل مع نفسها بلطف وتفهُّم تبدو لها ساذجة وتجعلها عديمة المسؤولية.

إنَّها ليست الوحيدة التي تشعر بهذه الطريقة، لدى العديد من الناس هواجس من فكرة العطف الذاتي، وربما السبب هو عدم فهمهم لماهيته أو كيفية ممارسته؛ واليقظة الذهنية هي الشكل المعروف من "العطف الذاتي" (self-compassion)، وهي منتشرة اليوم في الغرب انتشاراً واسعاً.

وفي حين أنَّ اليقظة الذهنية -التي تركِّز على تقبُّل التجارب والوعي بها دون السماح للمشاعر السلبية بالتحكُّم بنا- ضرورية للعطف الذاتي، لكنَّها تفتقد لعنصر أساسي، يتميز العطف الذاتي بأنَّه أكثر من مجرد تقبُّل التجارب برحابة صدر؛ إنَّه يُضفي فائدة إضافية إلى حياتنا حتى حين تكون التجربة مؤلمة؛ حيث يحمل العطف الذاتي أيضاً عنصر الحكمة، أي إدراك إنسانيتنا وتقبُّل حقيقة أنَّنا جميعاً على هذا الكوكب تشوبنا العيوب وغير كاملين ومعرَّضون لسوء الحظ، كل ذلك بديهي لكنَّنا ننساه أحياناً، فنعتقد أنَّ الأمور يجب أن تجري على ما يرام طوال الوقت وأنَّ كل عقبة هي كارثة في حياتنا وخروج عن المعتاد.

إنَّ بعض الأشياء التي نواجهها والتي لا يجب أن تحصل تشعِرنا بالخجل، وتعزلنا عن الآخرين، وفي تلك الأوقات سيُحدِث تذكُّر أنَّنا لسنا وحدنا مَن يُعاني، وأنَّ المشقات والصعوبات جزء لا يتجزأ من الوجود الإنساني، فارقاً كبيراً.

إقرأ أيضاً: 7 خطوات لممارسة اليقظة الذهنية والتخلص من القلق والتوتر

لحسن الحظ يتوافق هذا الأسلوب مع نتائج أبحاث متزايدة ومثيرة للإعجاب تُظهِر أنَّ التعامل مع أنفسنا بلطف وود ضروري لعافيتنا العاطفية؛ لأنَّ ذلك يساعدنا على تجنُّب عواقب الحكم على الذات بقسوة مثل الاكتئاب والقلق والتوتر، كما يؤدي إلى نظرة أكثر تفاؤلاً في الحياة؛ والأهم من ذلك، أثبتت الأبحاث أنَّ العديد من الاعتقادات عن العطف الذاتي خاطئة وهي سبب النقد الذاتي المتواصل الذي نوجِّهه نحو أنفسنا؛ لذا نستعرض 5 من الاعتقادات الخاطئة عن العصف الذاتي:

1. العطف الذاتي هو نوع من رثاء الذات:

أحد الاعتقادات الخاطئة عن العطف الذاتي أنَّه يعني الشعور بالأسف على نفسك، لكنَّ العطف الذاتي هو في الحقيقة علاج لرثاء الذات وعادة التذمر من الحظ السيئ؛ وذلك لأنَّه يساعدك على تقبُّل المشاعر السلبية والإحساس بها والاعتراف بوجودها بلطف، مما يساعد على تفهُّمها عوضاً عن تجاهلها.

تُظهِر الأبحاث أنَّ احتمال شعور الأشخاص الذين يمارسون العطف الذاتي برثاء الذات وتفكيرهم بمدى سوء أحوالهم أقل من الأشخاص الذين لا يمارسونه، عوضاً عن ذلك هم يدركون ببساطة أنَّ الحياة عصيبة بالنسبة إلى الجميع بمن فيهم أنفسهم، ويتقبَّلون المصاعب التي يواجهونها على أنَّها أمر طبيعي ويشعرون بصلة بينهم وبين الآخرين قائمةٍ على ذلك الألم، وفي الوقت نفسه هم ملتزمون بتقديم الدعم العاطفي لأنفسهم، وذلك أحد أسباب تمتُّع الأشخاص الذين يمارسون العطف الذاتي بالعافية النفسية.

2. العطف الذاتي نوع من الضعف:

لنفترض أنَّ شخصاً تعرَّض للخيانة بعد أن كان يعدُّ نفسه إنساناً قوياً وشريكاً مثالياً ناجحاً في عمله ومُعيلاً لأسرته؛ لذا فقد حطَّمه هجران شريكه له، وشعر بالذنب في سرِّه؛ وذلك لأنَّه لم يلبِّ حاجاته العاطفية قبل أن يبحث عنها مع شخص آخر، ولا يُريد أن يعترف لنفسه بمقدار الألم الذي لا زال يشعر به وكم يصعُب عليه متابعة حياته؛ حين اقترح زميله عليه أن يعطف على نفسه حين يفكر في الموضوع، أجاب سريعاً بأنَّ ما من وقتٍ لديه لتلك الأفكار الساذجة الرقيقة، فقد اضطر إلى الاتكال على قوَّته ليحافظ على احترامه لذاته خلال الطلاق وليس مستعداً للتخلي عن قوَّته الآن، والأمر الذي لا يعرفه هو أنَّ الباحثون وجدوا أنَّ العطف الذاتي هو أحد أقوى مصادر المرونة النفسية والتأقلم.

أظهرت الأبحاث أنَّنا حين نمر بظرف قاسٍ في حياتنا سواء كان طلاقاً أم إصابة بمرض عضال أم عيش تجربة مؤلمة نفسياً، يبدو أنَّ العطف الذاتي العامل الأساسي في قدرتنا على تخطيها وحتى النمو بعدها؛ افترض ذلك الشخص بأنَّ التصرف بقوة خلال طلاقه عبر كبت شعوره بالألم والخجل هو ما مكَّنه من تجاوزه، لكنَّه لم يتجاوز الأمر فعلاً؛ بل هو عالق في تلك المرحلة من حياته، وبدأ خجله منها يؤثر في حياته المهنية أيضاً مما جعله قاسياً وحادَّ الطباع بطريقة عَزَلَتْه عن طلابه وزملائه، فقد افتقد إلى العطف الذاتي الذي كان في إمكانه مساعدته على المضي قدماً في حياته.

تحدد المصاعب التي تواجهها في حياتك قدرتك على التعامل مع الظروف بنجاح، والأهم من ذلك طريقة تعاملك مع نفسك خلال أشد الأوقات، إما كصديق أو كعدو.

إقرأ أيضاً: تطوير استراتيجيات المرونة في التعامل مع الأزمات

3. يُسبِّب العطف الذاتي التراخي:

لعلَّ أكبر عائق يقف في طريق العطف الذاتي هو اعتقادنا أنَّه سيقلل من اندفاعنا لنقدِّم مستوى أفضل من الأداء، والفكرة هنا أنَّنا إن لم ننتقد أنفسنا حين لا نحقق المعايير التي وضعناها لأنفسنا؛ فسوف نسمح لأنفسنا بالتكاسل والتصرُّف بانهزامية، لكن لنتوقف دقيقة ونفكر في كيفية تحفيز المعلِّمين لتلاميذهم بفاعلية، فحين يرسب التلميذ في اختبار حتى بعد دراسته، لا تجد المعلِّم ينظر إليه باشمئزاز ويخبره أنَّه فاشل ولا مستقبل له وبأنَّه يخجل به كما نقول نحن لأنفسنا حين لا نحقِّق توقعاتنا العالية، فلا يفعل المعلمون ذلك لأنَّهم يعلمون أنَّ الخجل الذي سيشعر به الطالب بعد ذلك سيفقده إيمانه بنفسه وفي النهاية سيتوقَّف عن بذل الجهد.

عوضاً عن ذلك، يتَّبع المعلمون الجيدون أسلوباً تشجيعياً، فيواسون الطالب ويخبرونه أنَّ الجميع يمر بتجربة مماثلة، وأنَّ الفشل سبيلٌ إلى التعلُّم، ثم يحاولون مساعدته على اكتشاف المشكلات في طريقة تحضيره للاختبار وتصحيحها، هم دائماً مستعدون لتقديم الدعم إلى التلميذ ويؤمنون بقدراته.

لاحِظ هنا الاعتراف الصادق بالفشل والتعاطف مع خيبة أمل التلميذ والتشجيع لتخطي هذه العقبة الحالية في طريقه نحو هدفه؛ هذا النوع من الاستجابات المهتمة تساعد الناس على الحفاظ على ثقتهم بأنفسهم فيشعرون بأنَّ هناك مَن يدعمهم عاطفياً، وللأسف هذا ليس الأسلوب الذي نتَّبعه مع أنفسنا حين نفشل أو نرتكب الأخطاء، لسبب ما نعتقد أنَّ تأنيب أنفسنا ضروري لتحقيق أهدافنا، وأنَّ الاكتئاب والقلق والتوتر هي عواقب عدم بذل جهد كافٍ.

هناك الآن كمية كبيرة من الأبحاث التي تُظهِر بوضوح أنَّ العطف الذاتي هو قوة أكثر فاعلية بكثير كدافع شخصي من معاقبة أنفسنا، فهي تساعدنا على اختيار أهداف التعلُّم عوضاً عن أهداف الأداء، وتخفِّف من الخوف من الفشل وقلق الأداء وتشجِّع عقلية النمو، كما تقوِّي الشعور بالمسؤولية الشخصية حين نشعر بالأمان الذي نحتاج إليه لنعترف بأخطائنا؛ ولكي نقدِّم أفضل ما في استطاعتنا، يجب أن نستخدم المبادئ ذاتها التي نعرف أنَّ تطبيقها ينجح مع الآخرين، من الدعم والتشجيع واللطف والنقد البنَّاء، وفي بعض الأحيان وضع حدود حازمة، كل ذلك هو طريقة فعالة أكثر بكثير من مهاجمة أنفسنا.

إقرأ أيضاً: 5 طرق لتنمية عقلية النمو لتطوير الذات

4. العطف الذاتي من خصال النرجسية:

يتطلَّب تقدير الذات في الثقافة الأمريكية تميُّز الشخص عمَّن حوله وكونه فريداً وأفضل من غيره، فلن يشعر أحد بالسعادة حين يوصَف بأنَّه معلِّم عادي أو زوج لا بأس به أو والد مثل غيره أو أنَّ معدَّل ذكائه متوسط، لكن من المستحيل أن يكون مستوى الجميع فوق المتوسط في الوقت نفسه، وفي حين قد نتفوق في بعض المجالات، لكنَّ هنالك دائماً شخص آخر ناجح أكثر منا وأذكى وأجمل منا؛ أي سنشعر دائماً بأنَّنا فاشلون حين نقارن أنفسنا بهؤلاء الأشخاص الأفضل منا.

قد تؤدي الرغبة في تحقيق مستوى أعلى من المتوسط، وتحقيق شعور تقدير الذات البعيد المنال والاحتفاظ به، إلى تصرُّفنا تصرُّفاً شريراً؛ حيث تُظهِر الأبحاث أنَّ أحد أسباب تنمُّر المراهقين في بداية مراهقتهم على الآخرين هو الرغبة في زيادة تقديرهم لذاتهم، من مبدأ أنَّهم يشعرون بأنَّ قيمتهم تزداد حين يراهم الآخرون كشخص قوي مقارنة بالجبان الذي يضايقونه، كما يلعب تقدير الذات دوراً في الانحياز، حين يعتقد الشخص أنَّ المجموعة التي ينتمي إليها سواء كانت عرقاً أم جنساً أم تياراً سياسياً أفضل من غيره سيزداد تقديره لذاته.

أدى التركيز على تقدير الذات في المجتمع الأمريكي إلى ميول مثيرة للقلق؛ حيثُ بلغت نرجسية طلاب الجامعات في يومنا المعاصر إلى مستويات عالية قياسية على الرغم من أنَّ الصحة العقلية في أدنى مستوياتها على الإطلاق، ويعزو الباحثون جزءاً من ذلك إلى الآباء الذين يحملون نوايا حسنة، ولكن مضللين؛ فيخبرون أطفالهم كم هم مميزون ورائعون في محاولة منهم لزيادة تقدير الأطفال لذاتهم، لكنَّ العطف الذاتي مختلف عن تقدير الذات، فتقدير الذات هو تقييم الشخص لنفسه تقييماً إيجابياً؛ بينما العطف الذاتي بعيد كل البعد عن إطلاق الأحكام أو التقييم؛ بل هو طريقة للتعامل مع البيئة المتغيرة باستمرار لذواتنا بلطف وتقبُّل، خاصة حين نفشل أو نشعر بأنَّنا غير كافين؛ أي أنَّ تقدير الذات يتطلَّب شعورنا بأنَّنا أفضل من الآخرين، بينما يتطلَّب العطف الذاتي ببساطة الاعتراف بأنَّنا جميعاً بشر وغير مثاليين، وهو واقع دائم.

إقرأ أيضاً: صفات الشخصية النرجسية وطرق التعامل معها

5. العطف الذاتي من خصال الأنانية:

يشكِّك كثير من الناس بالعطف الذاتي؛ وذلك لأنَّهم يخلطون بينه وبين الأنانية، على سبيل المثال، تقضي المعلِّمة التي تحدَّثنا عنها في المثال الأول نهارها في تعليم تلاميذها، وأمسيتها في التحضير للدروس والاعتناء بعائلتها، وأيام عطلتها في التطوع للعمل مع المنظمات الخيرية، ترعرعت في كنف عائلة تركِّز على أهمية خدمة الآخرين، وهي تعتقد أنَّ قضاء الوقت وبذل الطاقة في التعامل بلطف والاهتمام بنفسها سيعني تلقائياً إهمالها للآخرين من أجل رغباتها الأنانية، وهناك العديدون مثلها، فهُم طيبون وكريمون ويتحلون بالإيثار؛ إلا أنَّهم يتعاملون مع أنفسهم تعاملاً مريعاً ظناً منهم بأنَّ ذلك ضروري ليكونوا أشخاصاً جيدين.

لكنَّ العطف الذاتي ليس بلا فائدة، فحين تفكِّر في الأوقات التي تشعر خلالها بالخزي وتنتقد نفسك؛ أنت لا تركِّز على الآخرين وليس لديك وقت أو طاقة كافية لمساعدتهم؛ بل تكون مستغرِقاً في الحكم على نفسك لدرجة أنَّه لن يكون لديك قدرة على التفكير سوى في نفسك وكونك شخصاً عديم القيمة وغير كافٍ، والمفارقة هنا أنَّ تأنيب نفسك هو نوع من النرجسية، فحين نكون لطيفين مع أنفسنا ونرعى ذاتنا فنحن نلبِّي احتياجاتنا العاطفية مما يسمح لنا بالتركيز على الآخرين تركيزاً أفضل.

تُظهِر الأبحاث أنَّ المعلِّمين الذين يمارسون العطف الذاتي يقدِّمون الدعم العاطفي لتلاميذهم أكثر من غيرهم من حيث خلق بيئة إيجابية في القاعات الدراسية، كما أنَّهم أكثر حساسية واحتراماً لوجهات نظر تلاميذهم، وفي العلاقات الرومانسية يَصفهُم شركاؤهم بأنَّهم أكثر اهتماماً وتقبُّلاً ودعماً من أقرانهم الناقدين لأنفسهم، كما أنَّ الأشخاص الذين يمارسون العطف الذاتي بشكل عام أكثر تسامحاً وقدرة على فهْم وجهة نظر الآخرين.

من غير الواضح في الأبحاث ما إذا كان العطف الذاتي ضرورياً للتعاطف مع الآخرين؛ حيث إنَّ العديد من الأشخاص بارعون في الاعتناء بالآخرين في حين يهملون أنفسهم، لكنَّ هناك كمية متزايدة من الأبحاث التي تشير إلى أنَّ العطف الذاتي يساعد الناس على الاستمرار بممارسة سلوك رعاية الآخرين، على سبيل المثال، المعلِّمون العطوفون على أنفسهم أقل عرضة للمعاناة من الإرهاق والقلق، وهم راضون عن حياتهم المهنية ويشعرون بالحيوية والسعادة والامتنان لقدرتهم على إحداث فارق في العالم.

حين نعطف على أنفسنا فنحن نترك مسافة حماية تسمح لنا بفهم والإحساس بالأشخاص الذين يعانون دون أن تُستنزَف طاقتنا، وسيشعر الأشخاص الذين نهتم بهم بعطفنا من خلال عملية "التناغم العاطفي" (empathic resonance)؛ أي أنَّ العطف الذي نمارسه تجاه أنفسنا ينعكس مباشرة على الآخرين؛ فحين يشعر المعلِّمون بتعاطف تجاه ألم التلاميذ الذين يعانون من القلق والاكتئاب والصدمات العائلية والعنف واضطرابات الأكل وما إلى ذلك، إضافة إلى ضغوطات مهنتهم الأخرى فهُم بحاجة إلى الاعتراف بمدى صعوبة مهامهم وتقديم الدعم والعطف لأنفسهم كي يتجنَّبوا الإرهاق ولا يفقدوا الاهتمام بعملهم، وبهذا فهُم يساعدون أنفسهم كما سيشعر تلاميذهم بحالة الطمأنينة والراحة النفسية التي ينمُّونها نتيجة لذلك.

أعرف ذلك كله من تجربتي في تربية طفل مصاب بالتوحد؛ ابني "روان" (Rowan) بعمر 18 اليوم وهو شاب محب لا أواجه صعوبة في الاعتناء به، لكنَّ الوضع كان مختلفاً في السابق، كثيراً ما واجهت أوضاعاً اعتقدت أنَّني لن أتمكَّن من التعامل معها واحتجت إلى الاعتماد على العطف الذاتي لأتجاوز المحن، ففي إحدى المرات حين كان روان يبلغ من العمر 5 سنوات اصطحبته إلى إنجلترا لزيارة جديه، وخلال رحلتنا في الطائرة أصابت روان نوبة غضب، لا أدري حتى اليوم ما كان سببها، لكنَّني وجدت نفسي فجأة أحاول تهدئة طفل يصرخ ويتخبَّط على متن طائرة مليئة بأشخاص يحدِّقون بنا بانزعاج، حاولت أخذ روان إلى دورة المياه آملة أنَّ الباب المغلق سيكتم صوته، لكن بعد السير بصعوبة بين المقاعد وأنا أحاول منع روان من الاصطدام بالركَّاب الآخرين وجدت أنَّ دورة المياه مشغولة.

شعرت عندما جلستُ مع روان في المساحة الضيقة أمام دورة المياه بالعجز واليأس، ثم تذكَّرت العطف الذاتي، قلت لنفسي: "لا بأس يا عزيزتي هذا الموقف صعب وأنا آسفة لأنَّ عليك المرور به، لكن لا تقلقي أنا هنا بجانبك"؛ وبينما تأكَّدت أنَّ روان بأمان كان معظم انتباهي موجهاً نحو تهدئة نفسي، غمرني تفكير العطف لدرجة أنَّه سيطر على تجربتي أكثر من طفلي الذي يصرخ، وعلاوةً على ذلك، هدأ روان حين أصبحت حالتي الذهنية أكثر اطمئناناً ومحبة، فحين هدَّأت نفسي كنت أهدِّئه هو أيضاً.

فنحن حين نعتني برفق بأنفسنا عندما نعاني؛ نفتح قلوبنا، يمكِّنُنا العطف من تقديم الحب والحكمة والشجاعة والكرم، هو حالة نفسية وعاطفية بلا حدود أو اتجاه، ومتاحة لكل شخص، ويعرف المعلِّمون بالفعل كيف يدعمون تلاميذهم ويتعاملون معهم بلطف، فكل ما عليهم فعله الآن السماح لأنفسهم بالتعامل مع ذواتهم بالطريقة نفسها؛ حيث تسلِّط الأساليب الواقعية الصارمة للعلم التجريبي اليوم الضوء على قدرات العطف الذاتي، وتثبت أبحاث متزايدة إثباتاً قاطعاً أنَّ العطف الذاتي أساسي للصحة النفسية، ويمكن تعزيزه من خلال التعلُّم والممارسة مثل العديد من العادات المفيدة الأخرى؛ فأن نكون لطيفين مع أنفسنا ليس رفاهية وأنانية كما يسود الاعتقاد؛ بل هو ممارسة تُسعدنا وتعود بالفائدة على مَن حولنا.

المصدر


تنويه: يمنع نقل هذا المقال كما هو أو استخدامه في أي مكان آخر تحت طائلة المساءلة القانونية، ويمكن استخدام فقرات أو أجزاء منه بعد الحصول على موافقة رسمية من إدارة النجاح نت.

المقالات المرتبطة بــ:5 اعتقادات خاطئة عن العطف الذاتي