Top


مدة القراءة:4دقيقة

هل من المعيب أن يبكي الرجل؟

هل من المعيب أن يبكي الرجل؟
الرابط المختصر
تاريخ آخر تحديث:16-05-2021 الكاتب: صليحة الطالب

من قال أنَّ بكاء الرجل ضعفاً؟ ومن يجد صواباً أن يقال للطفل الذكر: "عيب لا تبكي، فأنت رجل، والبكاء للبنات"؟ أقوال إن تكرَّرت تضفي على وظيفة البكاء التي هي من الفطرة والطبيعة الإنسانية طابعاً سلبياً في ذهن الفرد، الشيء الذي يترتب عنه كبت ثم جفاء في الشخصية.




وقال الله تعالى في عدة مواضع في كتابه الكريم:

  • "وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا".
  • "وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا ۚ إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَٰنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا".
  • "وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَىٰ".

لا بدَّ أنّك صادفت هذا الموقف مرات عديدة من بعض المربين مع أبنائهم الذكور. وفي كثير من الأوساط العربية إن لم نقل أغلبها سادت ثقافة أنَّ الرجل عيب أن يبكي، وعيب أن يكون حساساً، حتى أصبح بعضهم يشكو من الغلظة والجفاء في تواصله؛ يقول تعالى في محكم تنزيله: "فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ"، كأنَّ الله لم يرزقه القلب كما رزقه للنساء ولكثيرٍ من الرجال الأفاضل الصالحين ومنهم الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام وأغلب الصحابة والتابعين.

يقول "توني بوزان" في كتابه "استخدام خرائط العقل في العمل": "إذا نظرت إلى أعظم النماذج العالمية للعبقرية والإبداع ستلاحظ أنَّ أعظم الفنانين غالباً هم أعظم العلماء والعكس صحيح؛ فقد كان لدى "ليوناردو دافنشي" اتجاه علمي تجاه خلق بعض أجمل الفنون في العالم، فقد استخدم العباقرة كلاً من النصفين الأيمن والأيسر من المخ"، ومن سمات الفنانين رقة القلوب ورهافة الحس.

أن تفيض العين في مواقف حياتية ليس معناه أن يتناقض ذلك مع القوة ولا مع الرجولة ولا مع النجاح ولا مع القيادة؛ حيث علَّمنا التاريخ أنَّ الشخصيات القيادية الكبيرة والمتوازنة والتي تركت بصمة في تاريخ الإنسانية كانت تتميز بهذا الجانب من الشخصية والذي أسماه "غولمان" في كتابه الذكاء العاطفي "المهارات الناعمة"، وخير دليل لنا الرسول الكريم صلَّى الله عليه وسلَّم والصحابي الجليل أبي بكر الصديق الذي كان يقال عنه أنَّه كان بَكَّاءً.

إقرأ أيضاً: ماذا تعرف عن الذكاء العاطفي؟

فلنستشعر معاً هذه القصص:

بكاء الرسول الكريم محمد (صلى الله عليه وسلّم):

تروي أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها فتقول: (قام رسول الله –صلَّى الله عليه وسلَّم– ليلةً من الليالي فقال: (يا عائشة ذريني أتعبَّد لربي)، فتطهَّر ثم قام يصلي، فلم يزل يبكي حتى بلَّ حِجره، ثم بكى فلم يزل يبكي حتى بلَّ لحيته، ثم بكى فلم يزل يبكي حتى بلَّ الأرض، وجاء بلال رضي الله عنه يؤذنه بالصلاة، فلما رآه يبكي قال: يا رسول الله، تبكي وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فقال له: [أفلا أكون عبداً شكوراً؟]) رواه ابن حبَّان.

ولما أراد النبي –صلَّى الله عليه وسلَّم– زيارة قبر أمه بكى بكاءً شديداً حتى أبكى مَن حوله، ثم قال: (زوروا القبور فإنَّها تذكر الموت) رواه مسلم.

ويوم أرسلت إليه إحدى بناته تخبره أنَّ صبياً لها يوشك أن يموت، لم يكن موقفه مجرد كلمات توصي بالصبر أو تقدِّم العزاء، ولكنَّها مشاعر إنسانية حرَّكت القلوب وأثارت التساؤل، خصوصاً في اللحظات التي رأى فيها النبي –صلَّى الله عليه وسلَّم– الصبي يلفظ أنفاسه الأخيرة، وكان جوابه عن سرِّ بكائه: (هذه رحمة جعلها الله، وإنَّما يرحم الله من عباده الرحماء) رواه مسلم.

يروي أحد الصحابة: (رأيت رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وفي صدره أزيزٌ كأزيز المرجل من البكاء –وهو الصوت الذي يصدره الوعاء عند غليانه–) رواه النسائي.

فعندما قُبض إبراهيم ابن النبي –صلَّى الله عليه وسلَّم– بكى وقال: (إنَّ العين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يُرضي ربنا، وإنَّا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون) متفق عليه.

ولم تخلُ حياته –صلَّى الله عليه وسلَّم– من فراق قريبٍ أو حبيب، كمثل أمه آمنة بنت وهب، وزوجته خديجة، وعمِّه حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنهم، وولده إبراهيم عليه السلام، أو فراق غيرهم من أصحابه، فكانت عَبَرَاته شاهدة على مدى حزنه ولوعة قلبه.

بكاء أبي بكر الصديق:

لما اشتد برسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وجعه، وذلك في مرض الموت، قيل في الصلاة فقال صلَّى الله عليه وسلم: مُرُوا أَبَا بَكْرٍ، فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ، فقالت عائشة رضي الله عنها: إنَّ أبا بكر رجلٌ رقيقٌ، إذا قرأ القرآن غلبه البكاء، فقال صلَّى الله عليه وسلم: مُرُوهُ فَلْيُصَلِّ.

وفعلاً صلَّى بالناس، وفعلاً بكى كعادته في قراءة القرآن تماماً كما وصفته ابنته الفاضلة السيدة عائشة رضي الله عنها: رجلٌ رقيقٌ.

إقرأ أيضاً: الصحابي الجليل أبو بكر الصديق

رقة قلب وبكاء الحسن البصري:

قال حمزة الأعمى: وكنت أدخل على الحسن منزله وهو يبكي، وربما جئت إليه وهو يصلي فأسمع بكاءه ونحيبه فقلت له يوماً: إنَّك تكثر البكاء، فقال: يا بني، ماذا يصنع المؤمن إذا لم يبكِ؟ يا بني إنَّ البكاء داعٍ إلى الرحمة، فإن استطعت أن تكون عمرك باكياً فافعل، لعله تعالى أن يرحمك.

ثم نادى الحسن: بلغنا أنَّ الباكي من خشية الله لا تقطر دموعه قطرة حتى تعتق رقبته من النار، عن حفص بن عمر قال: بكى الحسن فقيل له: ما يبكيك؟ فقال: أخاف أن يطرحني غداً في النار ولا يبالي.

وعن حميد قال: بينما الحسن في المسجد تنفس تنفساً شديداً ثم بكى حتى أرعدت منكباً ثم قال: لو أنَّ بالقلوب حياةً، لو أنَّ بالقلوب صلاحاً لأبكتكم من ليلةٍ صبيحتها يوم القيامة، إنَّ ليلة تمخض عن صبيحة يوم القيامة ما سمع الخلائق بيوم قط أكثر من عورة بادية ولا عين باكية من يوم القيامة.

أن يتسم الرجل بأقل عاطفة من المرأة ليس معناه أن لا يبكي، وليس معناه أن يكون جافاً.

ليس عيباً أن يبكي الرجل ولا نقصاً من رجولته وطبيعته التي يغلب عليها طابع السلطة والقوة؛ بل بكاء الرجل في مواقف عديدة من الحياة تستدعي التأثر، دليل على رهافة حس ورقة قلب، ووجدان يتحرك، ودليل على ذكاء عاطفي أو روحاني بلغة اليوم، ويشهد لنا التاريخ الإسلامي على شخصيات عظيمة قيادية وقوية لا تفتأ تبكي في مواقف بسيطة ولكن مؤثرة.

فلنوضِّح لأبنائنا هذه النعمة ولنعطها حقها في الشرح لكي تُدار من قبلهم أحسن إدارة، ومن ثم يتحرروا من الأفكار النمطية التي ما نزال نعاني منها في مجتمعاتنا والتي قد تخلُّ بذكائهم العاطفي.


تنويه: يمنع نقل هذا المقال كما هو أو استخدامه في أي مكان آخر تحت طائلة المساءلة القانونية، ويمكن استخدام فقرات أو أجزاء منه بعد الحصول على موافقة رسمية من إدارة النجاح نت.

المقالات المرتبطة بــ:هل من المعيب أن يبكي الرجل؟