Top


مدة القراءة:6دقيقة

كيف تتغلب على المماطلة في أثناء تطوير عملك؟

كيف تتغلب على المماطلة في أثناء تطوير عملك؟
الرابط المختصر
تاريخ آخر تحديث:13-10-2021 الكاتب: هيئة التحرير

التأجيل شعورٌ قاهرٌ غريبٌ يراود جميع الناس، ولكن قد لا يكون تحديد الأسباب الكامنة وراءه بالأمر السهل. تؤدي المماطلة إلى التأخر في أداء النشاطات التي من شأنها جعل الناس أقرب من تحقيق أهدافهم، سواء كان ذلك متعلقاً بافتتاح مشروع أم بناء جسم رياضي، لماذا إذاً يمتنع الناس عن السعي إلى الحصول على مستقبلٍ مزدهرٍ مادياً أو التمتع بجسدٍ رشيق؟




ملاحظة: هذا المقال مأخوذ عن رائد الأعمال "آيتيكين تانك" (Aytekin Tank) والذي يُحدِّثنا فيه عن تجربته في التغلب على المماطلة.

ماذا تقول الدراسات العلمية؟

كثرَت الدراسات العلمية التي تناولَت المماطلة على مدار العشرين سنة الماضية، وقد اعتاد العلماء النظر إلى الأمر على أنَّه مشكلة متعلقة بسوء إدارة الوقت، إلا أنَّهم ينظرون إليها الآن على أنَّها ظاهرة فريدة ومعقدة للغاية.

كتب المؤلف "إريك جافي" (Eric Jaffe) في مجلة "أوبزيرفر" (Observer): "المماطلة الحقيقية هي فشل معقَّد في التنظيم الذاتي"، ويعرِّفه الخبيرون على أنَّه التأجيل الطوعي لبعض المهام الهامة التي نعتزم القيام بها، على الرغم من إدراكنا العواقب المترتبة على ذلك، وقد يؤدي سوء فهم فكرة الوقت إلى تفاقم المشكلة، لكن يكمن جوهر المشكلة في عدم القدرة على إدارة العواطف.

استخدم الفلاسفة اليونانيون كلمة "أكراسيا" (Akrasia) لوصف الحالة التي يتصرف بها المرء تصرُّفاً لا يتفق مع مصلحته، وبناءً على هذا المصطلح، يعتقد المؤلف "جيمس كلير" (James Clear) أنَّ كل شخص يمتلك شخصيةً تركز الاهتمام على لحظات الحاضر وتسعى إلى الحصول على شعورٍ فوريٍّ بالرضا، وشخصية أخرى تركز الاهتمام على المستقبل وتسعى إلى حصد النتائج طويلة الأجل، كتب "كلير": "عندما يحين الوقت لاتخاذ القرار، فإنَّك لا تتخذ القرار الذي يخص الشخصية التي تهتم بالمستقبل، فأنت الآن في لحظات الحاضر، وذهنك منشغل بالتفكير في شخصيتك التي تهتم بهذه اللحظات".

الحافز الشخصي:

بالرجوع إلى عام 2006، كنتُ أجد صعوبةً في الاستيقاظ باكراً، وحين كان يرن المنبه في الساعة الخامسة صباحاً، كنتُ أسأل نفسي دائماً: "أينبغي عليَّ البقاء في الفراش أم النهوض وقضاء بضع ساعات في تنفيذ مشروعي؟".

كنتُ أعمل مبرمجاً لدى شركة إعلامية مقرها مدينة "نيويورك"، وفي الوقت ذاته أعمل على إنشاء شركتي الخاصة "جوت فورم" (JotForm)، فلقد تعلَّمتُ الكثير عن نفسي في أثناء تأديتي لوظيفة بدوام كامل والعمل على توسيع نطاق شركة ناشئة، وتجنب اللجوء إلى المماطلة.

بدأتُ التفكير في السبب وراء تأخُّري في إنجاز مهام معيَّنة، وبمجرد تحديد السبب الرئيس، تمكَّنتُ من التخطيط لاستعادة إنتاجيتي، وقد يبدو هذا الأسلوب بسيطاً، إلا أنَّ معظم النصائح لا تهتم في التعمق بالسبب الجوهري للمشكلة، وبدلاً من ذلك، عادةً ما يعلِّم المجتمع الناس التغلب على الرغبة في التأجيل من خلال مقاومتها ببساطة.

يمكن أن ينجح نهج "افعلها فقط" في بعض الأحيان، ولكن ليس دائماً، وإذا كنتَ تتجنب باستمرار أداء مهام معيَّنة، فهناك سبب أساسي وراء ذلك، والغريب في الأمر أنَّه غالباً ما يكون شخصياً.

شاهد بالفديو: 8 طرق لتتخلّص من التأجيل وتبدأ بتحقيق أحلامك الآن

إليك أربعة عوامل من المحتمل أن تكون السبب وراء ميلك إلى المماطلة، إلى جانب بعض الأفكار التي في إمكانها مساعدتك على مواجهة كل منها:

1. لا يبدو أنَّ تحقيق التقدم سريع بما فيه الكفاية:

فكِّر في آخر مرة بدأتَ فيها مشروعاً أو عملاً تجارياً خاصاً بك، ربما غمرَتك الإثارة والحماسة بسبب التحدي، وبعد مرور شهرين أو بضع سنوات شعرتَ بهمتك تفتر، ربما أصابك الإحباط أو أحسستَ بالقليل من الملل، وكنتَ في صراع مع الزمن وكذلك مع هرمونات جسمك.

غالباً ما يوصَف الدوبامين بأنَّه هرمون المكافأة بالنسبة إلى الدماغ، ويمكن تنشيطه عند سماعك رنين هاتفك الذكي أو تناول طبق من المعكرونة، ولكن يُظهِر بحث جديد ارتباط الدوبامين ارتباطاً وثيقاً بسلوك الاجتهاد في الحصول على مكافأة أكثر من الحصول على المكافأة بحد ذاتها.

عندما يواجه دماغك أمراً جديداً، فإنَّه يطلق الدوبامين، الذي يحفزك بدوره على التطلع إلى الحصول على مكافأة، ولكن عندما يغدو الأمر قديماً نوعاً ما، يتراجع دافعك عندما ينشغل ذهنك في التفكير بأنَّ عملك الجاد لم يُكافَأ والأمر لم يَعُد ممتعاً.

إنَّ الشخصية التي تركز الاهتمام على لحظات الحاضر وحاجتها إلى الإرضاء الفوري تجعل من الصعب عليك حتى أن تفتح جدول البيانات مرة أخرى، أو تدفعك إلى الاستمرار في السخرية من ميزة منتجك على نحوٍ مثير للإحباط.

يقترح عالم السلوك "بي جي فوغ" (BJ Fogg) في جامعة "ستانفورد" (Stanford University)، أنَّه في إمكانك معالجة انخفاض مستويات الدوبامين من خلال العمل على تحقيق انتصارات صغيرة والاحتفال بكل حدث هام، ووفقاً لـ "فوغ"، ينبغي أن تكون كل مهمة مصحوبةً بمحفز بسيط، فتخيَّل أنَّك ترغب في إنشاء دورة تدريبية عبر الإنترنت، يمكنك الالتزام بكتابة فقرة بعد كل مرة تشرب فيها كوباً من الماء، ثمَّ الاستمرار في هذا السلوك المحفز على مدار اليوم.

بمجرد الانتهاء من تنفيذ المهمة، يكون الوقت قد حان لاحتفال صغير؛ حيث يمكنك الاستماع لأغنيتك المفضلة، أو القيام بنزهة صغيرة، أو قراءة كتاب رائع، فكرِّر هذه العملية حتى تبلغ هدفك؛ حيث تكافئ المكاسب الصغيرة عقلك المتعطش إلى التجديد وتمدك بالحافز للوصول إلى خط النهاية، كما تُنشئ حلقة تغذية راجعة قوية في إمكانها عادةً إلغاء الحاجة إلى التحفيز تماماً.

2. ألَّا تعرف من أين تبدأ:

من الطبيعي أن تشعر بالإرهاق في ظل التطورات السريعة التي يشهدها العالم، كما أنَّ قائمة المهام التي تبدو وكأنَّها لن تنتهي تدفعك إلى الشعور بعدم وجود مكان جيد يمكنك البدء منه، ولسوء الحظ، يدفع تشتت التركيز الناس عادةً إلى التهرب من تنفيذ المهام بطريقة غير مباشرة، من خلال شغل أنفسهم بنشاطات غير هامة، كقراءة رسائل البريد الإلكتروني أو تصفُّح مواقع التواصل الاجتماعي.

مؤسسو الشركات هم الأكثر عرضةً لاختبار هذه المشاعر لعدم وجود مسار واضح للمضي قدماً، فإذا كنتَ كبقية رواد الأعمال، فيمكن أن تحمل على عاتقك الكثير من المسؤوليات وتعاني من ازدحام جدول أعمالك، وفي الحديث مع زملائي من رواد الأعمال، تعلَّمتُ أنَّه من الطبيعي الشعور بالشك، لا سيَّما عند البدء بأمر جديد، فذكِّر نفسك باستمرار أنَّه من العادي ألا تمتلك الإجابات دائماً، واسمح لنفسك بالبدء أينما استطعتَ.

يمكن للحلول الناتجة عن عملية العصف الذهني مع الأصدقاء أو المنتورز أو المستشارين مساعدتك على ترتيب أولوياتك على نحوٍ أوضح، فابحث عن الناس الذين لا يعانون من التوتر الناتج عن متطلبات الأعمال اليومية، ويمكنهم عادةً مساعدتك على إدراك أين يمكنك استثمار وقتك استثماراً أفضل وما الذي في إمكانك تفويضه إلى شخص آخر غيرك.

يمكن لوضع الأنظمة كذلك أن يقضي على المماطلة، تمتلك عائلتي مزرعة زيتون صغيرة، وأنا أنضم إليهم كل عام في موسم الحصاد السنوي، فإنَّ العملية بأكملها تجري على نحوٍ منظَّم للغاية؛ حيث إنَّ الجميع على دراية بكل خطوة من خطوات العملية؛ مما يجعل المماطلة أمراً شبه مستحيل.

إقرأ أيضاً: التسويف والتأجيل

3. الخوف من الفشل:

يحب مؤسسو الشركات ترديد شعار "افشل سريعاً، افشل كثيراً" كنوع من أنواع التبجح، إلا أنَّ معظمهم تنتابه المخاوف من اتخاذ قرارات خاطئة.

في زيارة حديثة إلى "وادي السيليكون" (Silicon Valley)، تحدَّث الكاتب "روب أصغر" (Rob Asghar)، إلى واحد من المؤسسين النزيهين على نحوٍ مذهل، والذي طلب عدم الكشف عن هويته، وقد قال: "الكثير من الناس هنا يتحدثون عن تقبُّل الفشل، إلا أنَّه عادةً ما يكون شكلاً من أشكال الدعاية".

يخشى بعضهم الفشل إلى حد كبير يدفعهم إلى تأجيل القيام بما هو هام؛ حيث يمكن لآخرين تأجيل مواعيد الإطلاق، أو تفويت مواعيد الانتهاء من العمل، أو المغالاة في التركيز على التفاصيل الصغيرة بدلاً من إصدار نسخة تجريبية، فأنا لستُ معصوماً عن الوقوع في فخ التأجيل كذلك؛ إذ عانيتُ من هوس المثالية خلال الأيام الأولى من بدء عملي، فربما كان يمكننا النمو نمواً أسرع، لكنَّني كنتُ مؤسِّساً متمرِّساً؛ إذ لم يكن لدي مجلس من المستثمرين ليراقب كل حركة أقوم بها، وعندما انتابني الشعور بالخوف، تمكَّنتُ من ألَّا أقسو على نفسي والمضي قدماً.

يطلق "جوزيف فيراري" (Joseph Ferrari)، أستاذ علم النفس المساعد في جامعة "دي باول" (De Paul University) بـ "شيكاغو"، على الناس الذين يختبرون الخوف المبني على التأجيل "المتهربين"، سواء كانوا يتجنبون الوقوع في الفشل أم تحقيق النجاح، ففي أعماقهم هم قلقون حيال آراء الآخرين، ويفضِّلون أن يظنَّ الناس بأنَّهم مقصرون على كونهم يفتقرون القدرة.

إقرأ أيضاً: 10 دروس يمكن أن نتعلمها من الفشل

4. عدم الإعجاب بالمهمة:

يمكن لبعض النشاطات أن تفتقر للمتعة، فقليلون هم من يستمتعون بالذهاب إلى عيادة طبيب الأسنان، أو دفع الضرائب، أو التوجه إلى الدوائر الحكومية، كذلك فإنَّ البدء بعمل تجاري يتطلب ممارسة العديد من النشاطات التي هي أكثر من مملة، وعندما يكون هناك الكثير من التطورات التي لا بُدَّ من متابعتها، مَن يريد عندها قضاء الوقت في إعداد الفواتير؟

هذا على الأرجح أكثر شكلٍ مألوف من أشكال المماطلة؛ حيث يؤجل الناس القيام بالمهام الجامدة والمملة والتي تفتقر إلى الإلهام لعدم رغبتهم في التعامل معها.

كتبَت عالمة علم النفس الاجتماعي "هايدي غرانت" (Heidi Grant): "في لحظةٍ من اللحظات، اقتنعنا جميعاً دون أن نعي ذلك أنَّ الشعور بالتحفيز والفاعلية ينبع من الإحساس بأنَّنا على وشك اتخاذ إجراء معيَّن"، وتقترح "غرانت" أنَّه بدلاً من انتظار حدوث ما يحفزنا، يمكننا تطبيق آلية تدعى "التخطيط الشرطي"، بدايةً، حدِّد الخطوات المطلوبة لإنجاز المهمة، لتقوم بعدها بالخطوة الأهم ألا وهي تحديد متى وأين ستبدأ بتنفيذ الإجراء، وأخبِر نفسك على سبيل المثال: "عند الساعة العاشرة صباحاً، سأغلق بريدي الإلكتروني وأبدأ بالبحث عن وكالات تصميم".

ولا يحتاج تنفيذ العملية السابقة إلى قوة إرادة، وهو أمر هام؛ وذلك لأنَّ الافتقار إلى قوة الإرادة بالمعنى التقليدي، قد يقودك إلى تأجيل الأمور في المقام الأول، كما توصي "غرانت" بضرورة تقبُّل عزمك المحدود، واستخدام التخطيط الشرطي كأداة احتياطية لتجنب المماطلة.

في الختام:

لكل منا دوافعه وأهدافه وشخصيته الخاصة به؛ لذا من المنطقي أنَّ لكل منا أسبابه المختلفة في تأجيل الأمور، وبمجرد أن تفهم ما الذي يوقفك، يغدو إيجاد الحل الأفضل أكثر سهولةً، فتجاهل الحيل الأخرى ولا تقلق في حال لم تؤتِ نصائح الخبراء نتائج جيدة، وفي النهاية، الأهم أن تعرف نفسك، وتجرِّب وتلتزم بما يناسبك، وأن تعرف أنَّ كل إنسان قد واجه التحدي نفسه، من الإغريق الحكماء القدامى إلى مؤسسي الشركات الناشئة في "وادي السيليكون".

المصدر


تنويه: يمنع نقل هذا المقال كما هو أو استخدامه في أي مكان آخر تحت طائلة المساءلة القانونية، ويمكن استخدام فقرات أو أجزاء منه بعد الحصول على موافقة رسمية من إدارة النجاح نت.

المقالات المرتبطة بــ:كيف تتغلب على المماطلة في أثناء تطوير عملك؟