يعاني الجميع من المماطلة بمن فيهم أنت، وعندما تتمكَّن منك فإنَّه من الصعب عليك التخلص منها، عندما تتخيَّل شخصاً منتِجاً، فإنَّك تتخيَّله على الأرجح شخصاً يركِّز الاهتمام على عمله من دون أي عناء، ولا يسمح أبداً للمماطلة بالسيطرة عليه. هل تعرف ذلك النوع من الأشخاص الذين يجلسون مع كمبيوتراتهم المحمولة على الأرض في محطة القطار ويستطيعون في ساعةٍ أن ينجزوا ما لا تستطيع أنت إنجازه في أثناء جلوسك في المكتبة يوماً كاملاً.

يواجه مثل هؤلاء الأشخاص المنتجين التحديات نفسها التي تدفع بقية الأشخاص إلى المماطلة، ولكنَّ الفرق يكمن في أنَّهم يتغلبون على المماطلة باتباعهم نهجاً منظَّماً. ففي البداية يحدِّدون السبب الذي يدفعهم إلى المماطلة، ومن ثم يطبِّقون استراتيجياتٍ تساعدهم على التغلُّب عليها قبل أن تتمكَّن منهم. يستطيع كلُّ شخصٍ يريد تجاوز المماطلة اتباع هذه العملية ذات الخطوات الإحدى عشرة والمبنية على أبحاث علمية.

  • "فلنؤجل القيام بذلك، فأنا لست في مزاجٍ جيد".
  • "لقد داهمني الوقت، من الأفضل أن أبدأ".
  • "لا يمكنني التركيز، فأنا أشعر بالذنب لأنني أضعت الوقت".

قد لا يكون الكسل أو الافتقار إلى التنظيم هو السبب الوحيد الذي يقف وراء تأجيل بعض الأشخاص لمهامهم، فقد يكون شعورهم بأنَّهم ليسوا في مزاجٍ جيد سبباً في ذلك، وهذا ما يجعلهم يقعون في دوامة المماطلة. فعندما تعتقد بأنَّك لست في مزاجٍ جيدٍ يسمح لك بالعمل، فإنَّك ستشتت نفسك بقيامك بمهامٍ أخرى كتفقُّد البريد الإلكتروني، أو متابعة الأخبار، أو تنظيف المكتب، أو التحدُّث مع أحد الزملاء... إلخ. وستشعر بالذنب في كل مرةٍ تحاول فيها العودة إلى العمل لأنَّك أضعت الكثير من الوقت، وهذا ما يجعل مزاجك أسوأ، وكلَّما اقترب الموعد النهائي لتسليم المهمة، شعرت بمزيدٍ من الاستياء.

تجاوَز المماطلة:

إنَّ حل معادلة التغلب على المماطلة بسيطٌ جداً، فهو يكمن في الخروج من دوامة المماطلة عن طريق التحكم بالمزاج. ومع وجود الاستراتيجيات المناسبة يمكنك التحكُّم بزمام الأمور وتعديل مزاجك للوصول إلى ما تسعى إليه، ستساعدك الاستراتيجيات الآتية على القيام بذلك:

1- حدِّد سبب المماطلة:

عندما لا تكون في مزاجٍ جيِّدٍ يسمح لك بالعمل، فإنَّ المماطلة تخبرك بشيءٍ مهم. فقد يكون هذا الشيء بسيطاً كالحاجة إلى استراحة أو الحاجة إلى تناول شيء. أو قد يكون أمراً معقداً مثل حمل هموم الفريق أو عدم الرضا عن وظيفتك. ومهما كان هذا الشيء، فحاول بدلاً من معاقبة نفسك بسبب المماطلة تخصيص لحظةً للتفكير وتحديد السبب الذي يدفعك إليها. وقد يكون ذلك الخطوة الأكثر فعالية باتجاه إنجاز مهمتك.

2- تخلَّص من المعوِّقات:

قبل البدء بأيِّ مشروع خصص لحظةً تفكر فيها بعمق بالمعوِّقات التي قد تظهر في طريقك نحو إنجازه. ومن ثم طوِّر خطةً لضمان ألَّا تقف هذه المعوِّقات في طريقك. قد تصلك إلى بريدك الإلكتروني على سبيل المثال تعليماتٌ حول القيام بمهمةٍ ما. إن لم تقم بحيلةٍ ما فإنَّك ستعود بشكلٍ مستمر إلى صندوق الرسائل الواردة للاطلاع على تلك التعليمات، وسيتشتت انتباهك عند وصول رسائل إلكترونية أخرى. في هذه الحالة يجب أن تتضمن خطتك نقل هذه التعليمات إلى خارج صندوق الرسائل الواردة قبل البدء بالعمل. عند التخطيط بشكلٍ مسبق فإنَّك تحافظ على التركيز وتتجنَّب المماطلة. وفي النهاية فإنَّ استعادة التركيز أصعب من الحصول عليه.

3- ابدأ عملك فوراً:

قد يكون من الصعب حقاً في بعض الأحيان البدء بمهمةٍ ما حتى وإن كانت من بين المهام المفضلة بالنسبة إليك. فالخطوة الأولى تكون دائماً خطوةً صعبة، ولكن عندما تقوم بها فإنَّ مزاجك سيتحسَّن بشكلٍ كبير. عندما تركِّز انتباهك على حجم صعوبة بدء المهمة وبشاعته، فإنَّ ذلك يؤدي إلى تثبيط عزيمتك. لكن عندما تبدأ القيام بها بشكلٍ مباشر، فإنَّ مزاجك سيتحسَّن بسرعة وهذا سيساعدك على القيام بها.

4- قسِّم مشروعك:

نحن نماطل غالباً لأنَّنا نشعر بالخوف من حجم المشروع الذي نقوم به. للتخلُّص من الخوف حاول تقسيم مشروعك وحاول تجزئته إلى مهامٍ صغيرةٍ يمكنك إنجازها بسرعةٍ وسهولة. على سبيل المثال، قد تتطلب كتابة عرضٍ ما عشر ساعات من التركيز الشديد، ولكن يمكنك كتابة مقدمة خلال 15 دقيقة وتطوير لائحة بالنتائج المرجوة خلال 10 دقائق. هذه المهمات الصغيرة ستسهِّل عليك القيام بالمشروع ولن يكون مخيفاً بعد ذلك.

5- العمل في البيئة المناسبة:

حتى وإن قمت بجميع الأشياء الأخرى بشكلٍ مناسب، فإنَّ العمل في بيئةٍ غير مناسبة يمكن أن يجعلك تستسلم للمماطلة. فالبيئة المناسبة تعني الابتعاد عن التلفاز، والأجهزة الإلكترونية، والأصدقاء، والأصوات المرتفعة. قد لا تكون هذه الأمور هي ما تجعل البيئة مناسبةً عند جميع الأشخاص، ولكن يجب عليك أن تكون منضبطاً من خلال العمل في البيئة المناسبة لك.

6- استمتع بالانتصارات الصغيرة:

لا شيء يضاهي وضع إشارة √ إلى جانب إحدى المهام الموجودة ضمن قائمة مهامك، ولكي تبقى بعيداً عن المماطلة يجب عليك أن تشعر بالإنجاز من خلال متابعة تقدمك خطوةً بخطوة. فالانتصارات الصغيرة تبني مستقبِلات أندروجين جديدة في مناطق الدماغ المسؤولة عن المكافأة والتحفيز. وتؤدي زيادة مستقبِلات الأندروجين إلى زيادة تأثير التستوستيرون، والذي يؤدي بدوره إلى زيادة الثقة والحماسة عند التعامل مع التحديات. فقد يكون إنجاز بعض الأشياء البسيطة هو كل ما تحتاج إليه لبناء القوة الذهنية للتعامل مع الأشياء الأكثر تعقيداً. وتذكَّر أنَّ الهدف من القيام بالمهام الصغيرة ليس تجنُّب القيام بالمهام الكبيرة، إنَّما الهدف هو إضافة تلك المهام الصغيرة إلى قائمة التحقُّق اليومية الخاصة بك لبناء الزخم وبناء ثقتك بنفسك.

7- كن واقعياً:

يؤدي وضع أهدافٍ غير واقعيةٍ إلى تثبيط العزيمة وجعل المزاج سلبياً وهذا ما يؤدي إلى المماطلة. أمَّا وضع أهدافٍ واقعية فيجعل الأمور تبدو إيجابية ويجعل مزاجك جيداً للعمل.

8- تحكَّم بحديثك مع نفسك:

عندما تقول لنفسك: "لن أماطل. لن أماطل"، فإنَّك عملياً تؤكد لها أنَّك ستقوم بالمماطلة. ثمَّة دراسةٌ معروفةٌ يُقال فيها للمشاركين ألَّا يفكروا في أمر معين والنتيجة هي أنَّه من المستحيل تقريباً تجنُّب التفكير في الشيء عندما تقول لنفسك أنَّك لن تفكر فيه، ذلك لأنَّ عقلك ينجذب تجاه الشيء الذي تحاول تجنُّبه. ولكنَّ الذكاء يكمن في أن تحول انتباهك باتجاه شيءٍ مختلفٍ تماماً وإيجابي. فبدلاً من أن تخبر نفسك بأنَّك لن تماطل، فكِّر في الشيء الذي ستقوم به وماذا سيكون شعورك عندما تقوم بإنجاز ذلك الشيء. بهذه الطريقة سيركِّز عقلك الاهتمام على ما تودُّ القيام به بدلاً من تركيزه على السلوك الذي تحاول تجنُّبه.

9- لا تكن مثالياً:

يقضي الكُتَّاب جزءاً كبيراً من أوقاتهم في التفكير في الشخصيات والحبكة، وحتى أنَّهم يكتبون الصفحة وراء الصفحة وهم يعلمون أنَّها ربما لن تكون جزءاً من الكتاب. فهم يقومون بذلك لأنَّهم يعلمون أنَّ الأفكار في حاجةٍ إلى وقتٍ لتتطوَّر. ولكنَّنا بشكلٍ عام نتسمَّر في أماكننا عندما يحين وقت البدء لأنَّنا نعرف أنَّ أفكارنا ليست مثالية وأنَّ ما ننتجه قد لا يكون جيداً أبداً. ولكن كيف يمكنك تقديم شيءٍ رائع إن لم تبدأ وتعطي أفكارك وقتاً للتطور؟ تلخِّص الكاتبة "جودي بيكولت" (Jodi Picoult) بشكلٍ مثالي أهمية تجنب المثالية: "إنَّ في إمكانك تحرير صفحةٍ ذات محتوىً سيئ، ولكن ليس في إمكانك تحرير صفحةٍ بيضاء".

 

اقرأ أيضاً: 5 مشاكل تتسبب لك بها المثالية

 

10- ركّز على النتائج:

إن كنت لا تستمتع بالذهاب إلى طبيب الأسنان فهذا يُعَدُّ أمراً طبيعيَّاً، فالعديد من الأشخاص لا يستمتعون بذلك أيضاً. فلماذا تذهب إليه إذاً؟ صحيح، لأنَّك تستفيد عندما تذهب إليه، فطبيب أسنانك ماهرٌ في جعل أسنانك ولثتك أكثر صحةً وجمالاً. وتذهب إليه أيضاً لأنَّ الألم الناجم عن قيام الطبيب بفحص أسنانك لا يشكِّل نقطةً في بحر الألم الذي ستشعر به عند إصابة أسنانك بالتسوس، أو عند اقتلاع أحد أسنانك، أو أمام ألم القناة الجذرية. فأنت تذهب إلى طبيب الأسنان لأنَّك تعلم أنَّ الأمر يستحق هذا العناء. والأمر نفسه ينطبق على أيٍّ من التحديات التي تعترضك في هذه الحياة. وعلى الرغم من أنَّ البدء بمهمةٍ ما قد يُشعرك بالقلق، لا تركِّز على ذلك، فكِّر فقط في كيف سيكون شعورك عند إنجاز هذه المهمة أو بحجم الاستياء الذي ستشعر به إذا انتظرت حتى اللحظات الأخيرة ولم تعطِ المهمة أقصى ما عندك.

11- سامح نفسك:

ليس ثمَّة أي معنىً لقيامك بضرب نفسك عندما تقوم بهفوةٍ ما أو عندما تقوم بالمماطلة. ربما تظن أنَّ معاقبة نفسك ستساعدك على تجنِّب المماطلة في المستقبل، ولكنَّ ذلك يؤدي في الواقع مفعولاً عكسياً، لأنَّك عندما تضرب نفسك فإنَّ ذلك يعيدك إلى دوامة المماطلة.

الخلاصة:

لكي تتغلب على المماطلة يجب عليك أن تفهم أنَّها متجذِّرة في العواطف. ستساعدك الاستراتيجيات التي قدمناها إليك على الخروج من دوامة المماطلة وتحقيق مزيدٍ من الإنتاجية.

 

المصدر


المقالات المرتبطة