لمحة حول الإدمان على العمل:
يؤذي الاستمرار في العملِ طوال الوقت صحتنا النفسية والجسمانية؛ لذلك يجب أن نمنح أجسادنا وعقولنا بعضَ الراحة، وهو ما يشير إلى أهميَّته الكاتب الأمريكي "ستيفن كوفي" (Stephen Covey) مؤلف كتاب "العادات الـ 7 للأشخاص الأكثر فاعلية" (The 7 Habits of Highly Effective People) مشبها الأمر بمنح الآلة بعض الصيانة؛ لتصبح أكثر كفاءة في العمل؛ أي يجب أن تستريح حتى تستعيد طاقتك.
نسمع كثيراً عن رواد أعمالٍ وأشخاصٍ ناجحين مهنياً ومفعمين بالحماسة لتحقيق أهدافهم يتباهون بأنهم لم يأخذوا إجازة أو عطلة منذ سنوات، متذرعين بأنَّهم يحبون عملهم لدرجة أنه لا يوجد شيء آخر يحقق لهم المتعة أكثر من العمل.
ليس غريباً أن نعلم كيف يصاب الأشخاص بالإنهاكِ والاحتراق الوظيفي بعد سنواتٍ طويلة من
العمل المستمر، ولكن لدى الجميعِ حقيقة ثابتة على اختلاف أعبائهم المهنيَّة ومسؤولياتهم الوظيفية وأهدافهم؛ وهي أن لدى الجميع هوايات واهتمامات أخرى غير العمل، وأحبَّاء يرغبون بأن نخصِّص لهم بعض الوقت بكامل تركيزنا دون التفكير بالعمل والحياة المهنية.
يتطلَّب نمط الحياة الصحي تحقيق توازنٍ بين العملِ والحياةِ الشخصية، ومنح الأمرين المقدار نفسه من الاهتمام والجهد؛ لذلك يجب عندما تأخذ إجازةً أو عطلةً أو فترةَ استراحةٍ أن تبتعد بالمطلق عن كل ما له علاقة بالعمل، وأن تتجنب التفكير بالأمور المهنية، وتتيح لنفسك الوقت لاستعادةِ طاقتك وحيويَّتك.
تقول رائدة الأعمال "جيسيلي ماركوس" (Gisele Marcus) أنَّها تأخذ 150 يوم إجازةٍ سنويَّاً، من ضمنها إجازة لكامل شهر أغسطس/ آب في كل عام، وتقوم "جيسيلي" بذلك منذ 20 عاماً، لأنها مقتنعة بأنَّها تستعيد بفضل فترات الاستراحة هذه كامل حيويَّتها وطاقتها، وتعود إلى العمل بأفكار مبتكرةٍ تؤدِّي إلى مزيدٍ من النجاح.
تضيف "جيسيلي" أن هذه الإجازات الطويلة ساعدتها على التخلص من التوتر الذي يسبِّبه التفكير الدائم بالعمل إضافةً إلى الارتقاء مهنياً، وأصبحت قادرةً على التركيز بشكلٍ كامل على النشاطات التي تقوم بها مع أحبائها دون أي تشتت، وهو ما انعكس إيجابياً على جودة علاقاتها.
تمكنت "جيسيلي" من تحقيق ذلك بفضلِ تخصيصها بعض الوقت للراحة، وهو ما يؤكِّد ضرورة أنْ تمنح نفسكَ وقتا تبتعد فيه كليَّاً عن كل ما له علاقة بالعمل؛ كي تعزز من وضوح أفكارك، وتستعيدَ طاقتك لاستئناف تحمل أعباء العمل بفاعليَّة.
أضف إلى ذلك أنَّك تتوصل إلى حلولٍ مبتكرةٍ للمشكلات عندما تأخذُ استراحةً تبتعدُ فيها عن أجواء العمل، فتصبحُ رؤيتك للصعوبات أكثر وضوحاً؛ أي إنَّكَ ترى الأشياءَ بطريقةٍ موضوعية أكثر بعد فترة استراحة حقيقية.
من غير المحتمَل أن تكون قادراً على التخلصِ من التوتر الذي تسببه أعباء الحياة، وتجد السلام الداخلي دون أن تعتاد على أخذ فترات استراحة بشكلٍ منتظم، وربما من الأفضل أنْ ندركَ حقيقةً قاسيةً لكنَّها هامَّة، وهي أنَّ الأشخاص المدمنين على العمل يفعلون ذلك لتجنُّبِ مواجهة مشكلاتهم، أي إنَّهم يتجاهلون الألم بدل أن يعالجوه.
لماذا نرفض منح أنفسنا إجازة حقيقية؟
غالباً ما يعترض رواد الأعمال على أهميَّة أخذِ فترات استراحة، ويدَّعون أنَّهم لا يستطيعون أخذ إجازة، أو أنَّهم لا يحبُّون ذلك أصلاً، أو تكون ذرائعهم - أحياناً - بأنَّهم يحققون النجاح من خلال أسلوب حياة مكرَّسٍ بالكامل للعمل، وليسوا بحاجة لأيِّ توازنٍ بين العمل والحياة الشخصية، والحقيقة أن بعضا منهم يعاني من الإدمان على العمل، ولا يمتلك الإرادةَ الكافية للتوقُّف عن هذا الإدمان.
يجب أن نفهم أن هذه الحالة هي اضطرابٍ سلوكي، ومن الضروري أن نتذكَّر أنَّ معظم الأشخاص المتحمِّسين للنجاح يعانون من الإدمان على العمل، أي إنهم يحاولون تجنُّب مواجهة مشكلاتهم من خلال العمل بشكل متواصلٍ، وتكمن الخطوة الأساسية لعلاج هذا الاضطراب في منح أنفسنا وقتاً للاستراحة.
لا تقل أهمية الاستراحة عن أهمية الحصول على نومٍ عميق، فيساعد ذلك على تهدئة عقولنا، ومنحِ جهازنا العصبي حاجتَهُ من الاسترخاءِ، ولذلك يُعد النومُ والرَّاحة بمنزلة فترة استشفاءٍ لأجسادِنا وعقولِنا المنهكة، فعندما نحصل على حاجتنا من النوم العميق فإنَّ ضغط الدم ينخفض، وتسترخي عضلاتنا، وتتحسَّنُ لدينا وظائفُ الذاكرةِ والتعلُّمِ، ويُفرِزُ الجسمُ مزيداً من هرمونات النمو.
يساعدنا النوم على استعادةِ الطاقة، وتجديدِ خلايا الجسم، وتقويةِ جهاز المناعة، وكل ذلك بفضلِ ما حصلت عليه من استراحة في أثناء النوم، وإذا لم تحصلْ على حاجتكَ من النوم العميق، سواء لم تنمْ إطلاقاً، أم لمْ تدخلْ في مرحلة النوم العميق رغم محاولتك، فإنَّك ما تزال تعمل من وجهةِ نظرِ علم وظائف الأعضاء، وستحرم نفسك عديداً من الفوائد دون أن تشعر؛ فالاستراحة هي الخطوة الأساسية للاستشفاء، وهي ما تساعد على إخراج الأفكار الموجودة في عقلك الباطن إلى مستوى الوعي (العقل الواعي).
شاهد بالفيديو: 4 طرق للاستفادة من عطلة نهاية الأسبوع والعودة إلى العمل مفعماً بالطاقة
مرض إدمان العمل وكيفية الشفاء منه:
تروي "جيسيلي" تجربتها مع إحدى العميلات التي عانت من الإدمانِ على العمل، وعندما بدأت بتطبيق المبادئ الـ 10 المذكورة في كتاب "أشرق" للكاتبَين "جينو ويكمان" (Gino Wickman)، و"روب دوب" (Rob Dube) امتلكت هذه العميلة الإدراكَ اللازم لتبدأَ عملية التغيير وعيش الحياة التي تستحق.
الإدراك هو الخطوة الأولى للشفاء، وبينما كانت تعمل على تعزيز إدراكها، فقد التزمت العميلة بأخذ فترتي إجازة متتاليتين دون التفكير أبداً في كل ما له علاقة بالعمل.
سافرت هذه السيدة مرتين خلال إجازتها الطويلة خارج "الولايات المتحدة الأمريكية" (USA) ولاحظت بينما كانت في "كوستاريكا" (Costa Rica) (وجهتها الأولى) أنَّها بدأَت تشعرُ بالضيقِ بعد 3 أيام فقط من وصولها لهناك.
من الواضح أن ذلك حدث بعد زوال شعور الحماسة لخوض التجربة، فشعرت هذه السيدة بالضيق والحيرة، وفكّرت في إنشاء روتين معينٍ خلال فترة إجازتها، وشعرّتْ فجأةً برغبةٍ في تفقُّد بريدها الإلكتروني، أو قراءة كتاب في مجال الأعمال، بل وحتى الاتصال بمكتبها.
لحسنِ الحظِّ، لم تذعن هذه السيدة لأيٍّ من تلك الرغبات، مع العلم أنَّها أخبرت أعضاء فريقها قبل أنْ تسافر بأنَّها لن تجيب عن أي رسالة في البريد إلكتروني، ولن تتصلَ بأحدٍ من أعضاء الفريق؛ بمعنى أنَّها لن تكون متاحةً إطلاقاً للحديث عن أيِّ موضوعٍ يتعلَّق بالعمل، ولم ترغبْ هذه السيدة - بصفتِها رائدة أعمالٍ متحمِّسة - أن تفشل في اختبار قدرتها على أخذِ استراحة والابتعاد كليا عن أجواء العمل.
كان الشعور بالضيق الذي تختبره أحد أعراض الإقلاع التدريجي عن الإدمان على العمل، واستمر شعورها بالضيق لمدة يومين إضافيين، ثم بدأت تشعر بالراحة.
بدأَ جسدها وعقلها بالاسترخاء، وبدأَت ترى الأمور بشكل أوضح، وتمكَنت في هذه المرحلة من الاستمتاعِ بتجربة السفر والإقامة في بلد جديد، وأدركت رائدة الأعمال هذه أنَّ شعورها بالضيق كان رسالةً من عقلها الباطن لضرورة العملِ على تطوير ذاتها عاطفياً ووجدانياً، كان ذلك ضرورياً لتحرير عقلها من الهواجس، ومن أيَّة أوهام تمنعها من إدراك الحقيقية.
الفوائد الهائلة للإجازات:
يعتقد بعض الأشخاص أنَّ أخذ إجازةٍ يقوض إنتاجيتهم؛ ولذلك يلجؤون حتى في أيام العطل أو الإجازات إلى التفكير بالعمل، ومواكبة كل ما يتعلَّق بمجال الأعمال ليحققوا مزيداً من النجاح؛ لذا يجب أن نعلم أن هذا النهج لا يعدو أن يكون فوضى غير منتجة.
يتيح أخذ فترات استراحة بانتظام الفرصة والقدرة على تجديد أفكارك واستعادة طاقتك، فتخيَّل ما يمكنك تحقيقه عندما تمتلك ذهناً صافياً، وصحةً سليمةً من الناحية الجسمانية، فاعلمْ أنك قادر على الوصول إلى هذه الحالة الرائعة في أي وقت، حالما تتخلص من الوهم القائل: فترات الاستراحة تضعف الإنتاجية، ستساعدك فترات الاستراحة على التوصُّل إلى حلول مبتكرة عندما تنتهي إجازتك وتعود إلى عملك.
أخذ "دنفر نغوين" (Denver Nguyen) أحد عملاء "جيسيلي"، والرئيس التنفيذي لشركة "واي فايندر" (Wayfynder) التي تعمل في مجال تقديم الكوتشينغ للشركات إجازة لمدة أسبوعين ابتعدَ فيها كلياً عن أجواء العمل، وصرَّح "دنفر" لاحقاً أن هذه التجربة كانت صعبةً في البداية، لكنَّها وفرت له الفرصة للحصول على بعض الاسترخاء الذهني، وهذا ساعده لاحقاً على التوصل إلى أفكار مبتكرة، وقد نجح لاحقاً في امتلاك درجة عالية من وضوح الأفكار التي ساعدته على تغيير رؤية الشركة التي يرأسها.
كانت رؤية الشركة تتمثل بـ "توفير الفرصة للجميع، وعلى اختلاف درجاتهم الوظيفية للحصول على الكوتشينغ" لكن "دنفر" توصل إلى رؤية مختلفة بعد هذه الإجازة، وتمثلت رؤيته بالعمل على تكريس ثقافة جديدة في عالم الشركات تقوم على تحقيق الموظَّف لذاته في مكان العمل.
في الختام:
يقول الفيلسوف اليوناني "بلوطرخس" (Plutarch): "الاستراحة هي المكافأة التي تنسينا عناء العمل الشاق". لا شكَّ أننا نشعر بلذة فترات الاستراحة بعد العمل الشاق، لكن يجب ألا نخلط بينَ مفهوم العمل الدؤوب والإدمان على العمل، وأي شكل آخر من أنماط الحياة غير الصحية التي تنتهي بنا للإصابة بالاحتراق الوظيفي.
آن الأوان لنفهم أن الإجازاتِ وفتراتِ الاستراحة جزء من عملنا أيضا، عملنا الذي يهدف للحفاظ على صحة جيدة، وذهن صاف، وعقل سليم، وهي عوامل هامة جداً للنجاح المهني.
أضف تعليقاً