نقدّم في هذا المقال تعريفاُ علمياً شاملاً، ونستعرض أنواعها وصفاتها، مع استراتيجيات عملية للتعامل بوعي وحزم.
ما هي السادية؟
وفقاً لـ "جمعية علم النفس الأمريكية" (APA)، تُعرّف السادية بالميل إلى استمداد المتعة من خلال القسوة وإلحاق الألم أو الإذلال أو أشكال أخرى من المعاناة على الآخرين.
السادية في اللغة والطب النفسي
السادية في اللغة
في اللغة العربية، يُشتق مصطلح السادية من اسم ماركيز دي ساد، الكاتب الفرنسي في القرن الثامن عشر، الذي اشتهرت رواياته بالعنف الجنسي والتحقير، وارتكابه جرائم شخصية متعلقة بإلحاق الألم بالآخرين. في الاستخدام اللغوي العام، تشير السادية إلى الاستمتاع بإيذاء الآخرين أو التسلط عليهم، سواء جسدياً أو نفسياً.
السادية في الطب النفسي
تُعرف بأنّها ميل الشخص إلى الشعور بالمتعة من ألم أو معاناة الآخرين، وقد تظهر من خلال أذى جسدي (العنف أو الإيذاء المباشر) أو أذى نفسي أو عاطفي (التنمر، والإذلال، والتلاعب، والسيطرة على الآخرين) أو سادية جنسية (الاستمتاع بالإيذاء الجسدي أو النفسي لأغراض جنسية).
السادية في الطب النفسي الحديث
لا يُدرج اضطراب الشخصية السادية كاضطراب مستقل في الإصدار الحالي لدليل (DSM-5) الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية الصادر عن (APA)، لكنّه كان موجوداً في الملحقات السابقة (DSM-III-R) كمثال على الشخصية العدوانية والسيطرة على الآخرين.
ومع ذلك، تُقيَّم السادية ضمن السمات العدوانية أو المسيطرة للشخصية، خاصةً في سياق اضطراب الشخصية المعادية للمجتمع أو ضمن ما يُعرف بـ "المربع المظلم للشخصية" (Dark Tetrad): السادية، والسيكوباتية، والنرجسية، والمكيافيلية.
وفق ICD-11 الصادر عن منظمة الصحة العالمية، تُصنّف السلوكات السادية ضمن اضطرابات الشخصية العدوانية أو المسيطرة، ويشمل ذلك الأفراد الذين يجدون المتعة في إيذاء الآخرين جسدياً أو نفسياً، مع غياب التعاطف والشعور بالذنب، وتأثير هذه السلوكات في حياتهم الاجتماعية أو المهنية.
متى تتحوّل السادية إلى خلل نفسي؟
تتحوّل السادية إلى خلل نفسي عندما تتجاوز حدود الميول أو الأفكار العابرة، وتصبح نمطاً ثابتاً ومتكرراً يؤدي إلى الأذى الجسدي أو النفسي وتفقد حدودها الاجتماعية والأخلاقية.

أنواع السادية وتصنيفاتها
ميّز الباحثون بين أنواع السادية وفق دوافعها وتجلياتها المختلفة؛ فمنها ما يرتبط بالنفس والعلاقات اليومية، ومنها ما يتصل بالدوافع الجنسية، وأخرى تنعكس على المجتمع أو حتى على السلوك الإجرامي. يتيح لنا فهم هذه الأنواع بدقة التعرف على حدود اضطراب السادية وكيفية التعامل مع الشخص السادي:
1. السادية النفسية
يشير هذا النوع من أنواع السادية إلى نمط يستمد الفرد شعوره بالقوة من خلال إلحاق الأذى النفسي بالآخرين، من خلال الإذلال، أو السخرية، أو التلاعب العاطفي، وليس بالضرورة اللجوء إلى العنف الجسدي.
2. السادية الجنسية (وفق ICD-11)
وفقاً للتصنيف الدولي للأمراض (ICD-11)، يُعرَّف اضطراب السادية الجنسية بأنّه حالة يستمد فيها الفرد الإثارة الجنسية من إلحاق الألم أو الإذلال بالآخرين. ويُشخّص الاضطراب فقط إذا أدى إلى ضيق نفسي واضح أو تسبب في أذى فعلي للآخرين.
3. السادية الاجتماعية
يوجد نوع من أنواع السادية يظهر في التفاعلات الاجتماعية؛ إذ يسعى الفرد إلى إشباع دوافعه من خلال السيطرة الرمزية أو إذلال الآخرين علناً، مثل التنمر أو الإهانة في المجموعات.
4. السادية الجنائية
أخطر أشكال السلوك السادي؛ إذ يتخذ طابعاً إجرامياً واضحاً يتضمن الاعتداء الجسدي، التعذيب أو العنف المنهجي. يصبح هنا اضطراب السادية مقترناً بسلوكات عنيفة تهدد السلامة الجسدية والنفسية للآخرين.
إليك مقارنةً سريعةً بين الأنواع الأربعة:
|
النوع |
السلوك |
الدافع |
|
السادية النفسية |
إيذاء نفسي من خلال السخرية، أو الإذلال، أو التلاعب العاطفي. |
الشعور بالتفوق والسيطرة على الآخر نفسياً. |
|
السادية الجنسية (وفق ICD-11) |
إلحاق الألم أو الإذلال لتحقيق إثارة جنسية. |
الإشباع الجنسي من خلال التحكم أو الإيذاء. |
|
السادية الاجتماعية |
التنمر، والإهانة العلنية، وفرض الهيمنة في المجموعات. |
تعزيز المكانة الاجتماعية وإثبات السلطة |
|
السادية الجنائية |
اعتداء جسدي، أو تعذيب، أو عنف منهجي. |
إشباع العدوانية عن طريق الإيذاء الجسدي المادي. |
صفات الشخص السادي
تُعرَّف الشخصية السادية علمياً بأنّها الميل إلى استمداد المتعة من ألم أو معاناة الآخرين، وهي تظهر على طيف يمتد من سادية «يومية» فرعية إلى أشكال مرضية أو جنائية؛ وقد نُقِّحت مفاهيمها وتوسيعاتها حديثاً في أدبيات الشخصية والطب النفسي. كما وتحمل عديداً من الصفات الشخصية التي تميزها، ومنها:
سلوكات يومية تدل على الشخصية السادية
تشير الدكتورة (Susan Krauss Whitbourne) في مقال لها بعنوان (10 Ways to Spot an 'Everyday' Sadist) إلى وجود صورة يومية من السادية تظهر في تفاصيل الحياة العادية؛ إذ يُعرف هذا النوع بـ «السادية اليومية»، ويتجلى في ممارسات، مثل:
- السخرية المتكررة من الآخرين.
- التنمر على الأضعف.
- الاستمتاع بإحراج الآخرين علناً أمام الآخرين.
- إثارة الخوف أو التوتر عمداً في محيطه.
- الانجذاب إلى مشاهد العنف ومناقشتها بشغف وكأنّها مصدر متعة.
السمات السلوكية والعاطفية والمعرفية للشخصية السادية
تتّصف الشخصية السادية بميلها الواضح لإلحاق الألم أو الإحراج أو الإذلال بالآخرين، سواء من خلال الإيذاء الجسدي، أو الإكراه الجنسي، أو الإهانات المتعمدة أو التنمر المستمر. وقد يكتفي السادي «اليومي» أحياناً بالاستمتاع بمشاهدة معاناة الآخرين أو التواطؤ فيها.
على المستوى العاطفي، يعاني السادي من نقص في التعاطف مع الضحية، وقد يغيب عنه الشعور بالذنب أو الندم بعد الإيذاء. وحتى عندما يظهر هذا الشعور، فغالباً ما لا يمنعه من تكرار السلوك.
أما معرفياً، فيلجأ السادي إلى تبرير أفعاله، أو تقليل خطورتها، أو تشويه صورة الضحية لتمكين نفسه من الاستمرار دون صراع ضميري.
السادية اليومية والبحث عن المتعة في الإيذاء
يؤكد الدكتور (Delroy L. Paulhus)، وهو أحد أبرز الباحثين في مجال السادية اليومية وعضو فريق تطوير مفهوم المربع المظلم (Dark Tetrad)، أنّ السادي يسعى بنشاط إلى فرص إلى إيذاء الآخرين؛ لأنّ الألم ذاته مصدر متعة بالنسبة له.
كما وتُظهر التجارب المخبرية أنّ بعض الأفراد يبذلون جهداً إضافياً لمجرد الحصول على فرصة لإلحاق الأذى، حتى عندما لا يكون هناك دافع آخر ظاهر.
الفرق بين السادي والنرجسي
رغم وجود تقاطع بين الشخصية السادية والنرجسية ضمن سمات المربع المظلم، إلا أنّ الاختلاف بينهما جوهري، ويتمثّل بالتالي:
- يستمد السادي متعته المباشرة من معاناة الآخرين، وقد يكون عدوانه بلا مبرر.
- يسعى النرجسي أساساً إلى الإعجاب وتعزيز صورته الذاتية، ويستخدم الإيذاء كوسيلة لتحقيق هذه الغاية، غالباً في إطار رد فعل انتقامي.
وعليه، تبقى السادية مرتبطة أكثر بالاستمتاع الواعي بالألم، بينما تركز الشخصية النرجسية على السيطرة والهيمنة الاجتماعية.
شاهد بالفيديو: كيف تتجلى سمات العدوانية والتحكم في سلوك الشخص السادي، وكيفية التعامل معها وفق علم النفس السلوكي
هل السادية مرض نفسي؟
تُعد السادية في الطب النفسي مرضاً نفسياً فقط إذا استوفت معايير تشخيصية، مثل الممارسات المتكرّرة لإلحاق الألم الجنسي أو النفسي بشخص غير موافق، أو إذا سبّبت الفعل أو الفكرة ضيقاً وظيفياً أو نفسياً كما تحددها تشخيصات (DSM-5) و(ICD-11).
1. السادية في DSM-5
في (DSM-5) تصنّف السادية الجنسية (Sexual Sadism Disorder) ضمن الاضطرابات الشاذة الجنسية ويُشخّص إذا كان هناك نشاط جنسي متكرر ومتواصل يستمد الفرد فيه الإثارة الجنسية من المعاناة الجسدية أو النفسية للآخر، مع وجود خيال أو رغبة أو أفعال، ولمدة لا تقلّ عن 6 أشهر، ومع تسبب ذلك في ضيق أو تعطيل وظيفي أو إذا تم الفعل مع شخص غير موافق.
2. السادية في ICD-11
في (ICD-11) الصادر عن منظمة الصحة العالمية (WHO)، تُعرَّف السادية الجنسية القسرية بأنّها نمط مستمر ومكثّف من الإثارة الجنسية يتضمّن عديداً من الأأفكار، أو الرغبات، أو الخيالات، أو السلوكات التي تُلحق المعاناة الجسدية أو النفسية بشخص غير موافق، أو يُسبّب الضيق للفرد، أو يُمارَس فعلياً ضد غير موافق.
تُستبعد الممارسات الجنسية التبادلية والموافقة أو أشكال السادية/الماسوشية بالاتفاق من تشخيص الاضطراب، ما لم تنطوِ هذه الممارسات على ضرر أو عدم موافقة أو اضطراب وظيفي واضح.
3. هل هناك علاج معتمد للسادية؟
نعم، يوجد علاج نفسي وسلوكي ومعالجة دوائية لحالات السادية الجنسية المرضية. ضمن (DSM-5)، العلاج يشمل العلاج السلوكي المعرفي (CBT) لتعديل التصورات والتصرفات، كذلك العقاقير مثل مثبّطات إعادة امتصاص سيروتونين، وأدوية مضادة للأندروجينات، في بعض الحالات.
من الهامّ أن يكون التشخيص دقيقاً، وأن يشارك الشخص المعني في العلاج طواعية، مع دعم من متخصصين نفسيين أو طبّيين. كما قد يكون التدخل القانوني ضرورياً إذا كان هناك إيذاء لأشخاص غير موافقين.
شاهد بالفيديو: كيف يرتبط الوسواس القهري ببعض الاضطرابات السلوكية مثل السادية، وأهم أساليب العلاج النفسي المقترحة
العلاقة بين السادية والمازوخية: فهم التفاعل الثنائي
يُعد الفرق جوهرياً بين السادية والمازوخية؛ فالسادية (Sadism) تعني المتعة بإيذاء الآخرين، بينما تعني المازوخية (Masochism) المتعة بالخضوع للسيطرة أو الألم. ورغم تعارضهما ظاهرياً، فإنّهما يلتقيان في علاقات تُعرف بـ "السادو-مازوخية" (Sado-Masochism)؛ إذ يؤدي طرف دور المسيطر (السادي)، ويؤدي الطرف الآخر دور الخاضع (المازوخي).
قد تكون هذه العلاقة طبيعية إذا كانت قائمة على موافقة واعية وحدود واضحة بين بالغين، إذ تُعد حينها ممارسة غير تقليدية لكنّها لا تُصنَّف كاضطراب. أما عندما تُفرض على طرف غير موافق، أو تسبب ضررا نفسيا أو بدنياً، أو تصبح قهرية ومعيقة للحياة اليومية، فإنّها تُشخَّص كاضطراب سريري.
ووفق (DSM-5) و(ICD-11)، يصنف كل من السادية الجنسية والمازوخية الجنسية ضمن الاضطرابات الانحرافية بشرط استمرار السلوك لمدة لا تقل عن ستة أشهر مع وجود ضيق نفسي أو أذى حقيقي، بينما الممارسات التوافقية بين البالغين لا تُعد مرضاً نفسياً.
كيف أتعامل مع شخص سادي؟
يتطلب التعامل مع الشخص السادي وعياً وحدوداً واضحةً لتجنّب الإيذاء النفسي والجسدي. سنكشف في هذه الفقرة خطوات عملية للتعامل معه بحزم وذكاء، مع الحفاظ على صحتك النفسية وسلامتك اليومية. إليك نصائح للتعامل مع الشخص السادي:
- حدد حدودك النفسية بوضوح وكن واعياً بما يمكنك تحمله وما يتجاوز قدرتك على التحمل، وحدد ما هو مقبول بالنسبة لك وما هو مرفوض.
- تجنب المواجهة المباشرة أو العدوانية أو الدخول في صراع مباشر وحافظ على هدوئك ونبرة هادئة.
- سجل المواقف التي تتعرض فيها للإيذاء أو التنمر لتكون لديك أدلة واضحة إذا احتجت.
- لا تشارك المعلومات الشخصية الحساسة، فالشخص السادي قد يستخدمها ضدك.
- عبّر عن رفضك للسلوك بطريقة مباشرة ومحترمة دون الإنجرار إلى الجدال أو الاستفزاز.
- تعلم استراتيجيات الدفاع النفسي، مثل تقنيات التنفّس العميق، أو إعادة صياغة الموقف داخلياً، أو استخدام التفكير العقلاني لتقليل التأثير النفسي للسادي.
- انسحب من العلاقة مع الشخص السادي فوراً إذا استمر في إيذائكرغم وضع حدود واضحة، أو إذا بدأت صحّتك النفسية وحياتك اليومية تتأثر سلباً، وخاصةً عند تصاعد عدوانه أو سيطرته، أو شعورك المستمر بعدم الأمان والخوف
- اطلب المساعدةإذا تسبب التعامل مع الشخص السادي في توتر شديد، قلق، اكتئاب، صعوبة في وضع حدود، أو تأثير في حياتك اليومية. يمكن للمعالج النفسي تقديم استراتيجيات لحمايتك وإدارة المواقف الصعبة بأمان وفعالية.

الأسئلة الشائعة
1. ما الفرق بين السادية والمازوخية؟
السادية تتلذذ بإلحاق الألم، بينما المازوخية تتلذذ بتلقّي الألم. كلاهما يظهران كسلوك أو ميول نفسية، لكن يختلفان تماماً في موقع السيطرة.
2. هل تُعد السادية مرضا نفسيا؟
السادية ليست مرضاً نفسياً مستقلاً في (DSM-5)، لكنّها قد تظهر كجزء من اضطراب الشخصية أو ضمن ميول جنسية مشروطة في (ICD-11).
3. كيف أعرف أنني أتعامل مع شخص سادي؟
إذا لاحظت تكرار الإهانة، والتلاعب، وحب السيطرة، وغياب التعاطف، فهذه مؤشرات قوية على السلوك السادي.
4. كيف أتعامل مع زوج سادي؟
ضع حدوداً واضحة، لا تبرر سلوكه، واطلب دعما نفسيا فوريا إذا شعرت بالتهديد أو التلاعب العاطفي المزمن.
5. هل يمكن علاج أو تغيير الشخصية السادية؟
يمكن التغيير فقط إذا اعترف الشخص بالسلوك ورغب بالعلاج، لكن غالباً ما يتطلب الأمر علاجاً نفسياً طويل الأمد.
6. هل السادية مرتبطة دائماً بالعنف الجنسي؟
لا؛ توجد أنواع من السادية لا ترتبط بالجنس إطلاقاً، مثل السادية الاجتماعية أو النفسية.
في الختام
تعرّفنا في هذا المقال على السادية، وأنواعها، وصفات الشخص السادي، وسلوكاته اليومية، وكيفية التعامل معه بوعي وحزم. يحمي فهم هذه النقاط صحتك النفسية ويمنحك أدوات عملية لإدارة المواقف الصعبة. للاطلاع على استراتيجيات متقدمة وحالات عملية، تابع محتوى الموقع وابدأ بتطبيق النصائح اليوم.
أضف تعليقاً