الحقيقة أنَّ كلا الجانبين هام، لأنَّ كل ما تحققه في حياتك ما هو إلَّا انعكاس لأفكارك ومشاعرك، ويبدأ كلُّ إنجاز بفكرة تولِّد شعوراً يدفعك لاتِّخاذ إجراءات تؤدي إلى تشكيل الواقع الذي تعيشه.
مهارتان أساسيتان لعيش حياة طيبة:
إذا كنت تريد عيش حياة طيبة، فعليك بإتقان مهارتين أساسيتين، تساعد إحداهما على تشكيل حياتك الواقعية، وتساعد الثانية على تشكيل كل ما يتعلَّق بحياتك الوجدانية من أفكار ومشاعر ومعتقدات، وإليك هاتين المهارتين بالتفصيل:
1. مهارة الإنجاز:
المهارة الأولى التي يجب إتقانها هي الإنجاز، فيستخدم الكوتش "توني روبنز" (Tony Robbins) مصطلح علم الإنجاز في كتابه "القوة المطلقة": العلم الجديد الكامن وراء الإنجازات الشخصية (The New Science Of Personal Achievement : Unlimited Power لأنَّ واقع الحال يؤكِّد وجود قواعد واضحة، ودقيقة جداً لتحقيق أية نتائج وفي أي مجال من المجالات، وتوجد قواعد تنطبق على الجميع بصرف النظر عن الاختلاف في الخلفية الاجتماعية والثقافية والأعمار وغير ذلك، وهي قواعد يؤدي تطبيقها إلى تحقيق نتائج ملموسة، في حين يفشل كل مسعى للحصول على هذه النتائج عندما لا تُطبَّق هذه القواعد.
الأمر شبيه إلى حدٍّ كبير بقيادة الدراجة الهوائية، فعلى الرغم من تفاوت المهارات، ومدى صعوبة المسار الذي سيسلكه راكب الدراجة، لكن توجد قوانين وقواعد أساسية تتعلَّق بالفيزياء مثل الجاذبية، والزخم، وهي التي تحدِّد ما إذا كنت ستقود الدراجة بنجاح دون أن تفقد توازنك، وإذا طبَّقت القواعد الصحيحة، فستقود دراجتك بسهولة وأمان، في حين ستخاطر بالسقوط وإيذاء نفسك إذا خرقت هذه القواعد.
ينطبق الشيء نفسه على الدخل والحياة المهنية والعلاقات وأي مجال آخر من مجالات الحياة، فيتطلب كل إنجاز مجموعة من الإجراءات التي تؤدي إلى نتائج يجب ملاحظتها لإجراء أي تعديل مطلوب على النهج أو السلوك حتى تصل إلى النتيجة النهائية، لذلك فإنَّ العمل الدؤوب الذي ينطوي على بذل جهد كبير وتكرار المحاولة كان وما زال هو النهج الأمثل لتحقيق النجاح، وسيؤدي عملك الدؤوب المقترن بالملاحظة وإجراء التعديلات المطلوبة إلى حصولك على النتيجة المرغوبة بلا أدنى شك.
2. مهارة الشعور بالرضى:
يقول رائد التنمية البشرية "جيم رون" (Jim Rohn): "لن يجعلك النجاح المادي سعيداً، لأنَّ شخصيتك هي التي تحكم سعادتك أو تعاستك".
نشعر أحياناً بالتعاسة أو عدم الرضى على الرغم من تحقيقنا لكثير من الإنجازات، ونكاد لا نصدِّق أنَّ شخصاً ناجحاً جداً من منظور المُجتمع يشعر بالتعاسة في قرارة نفسه، في حين نجد أنَّ بعضهم ممَّن لا يملكون سوى موارد دخل قليلة جداً يختبرون مقداراً كبيراً من السعادة، والسبب هو افتقار الأشخاص إلى المهارة الثانية وهي مهارة الشعور بالرضى.
يسمِّي "روبنز" هذه المهارة "فنَّ الشعور بالرضى" لأنَّها وبخلاف المهارة الأولى لا تتضمَّن قواعد محددة وواضحة، بل تختلف من شخص لآخر، وقد يعِدُّ الآخرون ما يُسعدِك شيئاً عادياً جداً لا يضيف لحياتهم أية قيمة.
الحق يُقال إنَّ هذه المهارة "فن الشعور بالرضى" أكثر أهميةً بكثير من المهارة الأولى "علم الإنجاز"؛ لأنَّ أكبر فشل قد تتعرض له في حياتك هو النجاح المادي غير المقترن بالشعور بالرضى، فتخيَّل أن تحقِّق كلَّ ما تتمناه، ومع ذلك تعجز عن الاستمتاع بما حقَّقته، من المؤكَّد أنَّك ستشعر بأنَّ كل نجاحاتك بلا أية قيمة، وأكبر فشل في الحياة هو أن تحقِّق كثيراً من الإنجازات التي تثير إعجاب الآخرين في الوقت الذي تشعر فيه أنت بعدم الرضى.
نُخفق عملياً في تحقيق حياة نشعر فيها بالرضى، عندما ننسى الهدف الحقيقي من تحقيق الإنجازات، وهو تطوير أنفسنا ومساعدة الآخرين، ونصبح أكثر قدرةً على العطاء عندما نطوِّر أنفسنا، كما نشعر بالمغزى من الحياة عندما نمنح الآخرين أشياء قيَّمة، مثل الحكمة التي اكتسبناها والحب والسعادة، ويساعدنا العطاء على الشعور بالمغزى من الحياة؛ نظراً لأنَّنا نتجاوز أنانيتنا ونشعر بالقدرة على بلوغ أقصى إمكاناتنا.
المشكلة هنا هي عندما تخرج حياتنا عن هذا السياق المتوازن، لذلك من المرجَّح إذا كنت تشعر بعدم الرضى عن حياتك، أن تركِّز فقط على أحد الجانبين دون الآخر (تطوير الذات أو العطاء)، ومن هنا يقترح "روبنز" ما يسمِّيه معادلة أو صيغة السعادة التي تضمن لك أن تحقِّق كلا الجانبين.
الصيغة التي تضمن تحقيق السعادة:
تكمن السعادة اللازمة لعيش حياة طيبة في أمرين هما ظروف الحياة، ووجهة نظرك عن الحياة عموماً، ويجب كي تكون سعيداً، أن تتلاءم ظروف حياتك مع وجهة نظرك عن الحياة.
للتوضيح فإنَّ وجهة نظرك عن الحياة ما هي إلَّا تصورك الشخصي عمَّا يجب أن يكون عليه العالم من حولك، ويتألف هذا التصور من مجموعة معتقداتك وقيمك التي ترى بموجبها العالم، وسواء كنت تدرك ذلك أم لا، فإنَّ وجهة نظرك عن الحياة لها تأثير مباشر وهام في قدرتك على الشعور بالسعادة، وفي المقابل تتمثَّل ظروف حياتك بجميع الأحداث أو العوامل أو العلاقات أو التجارب التي تجري في حياتك الواقعية وفي أي وقتٍ كان.
عندما تتوافق ظروف حياتك مع وجهة نظرك عن الحياة فإنَّك تشعر بالسعادة؛ وبعبارة أخرى، نحن نختبر السعادة عندما تتلاءم ظروف حياتنا مع تصورنا عن الحياة، ولكن عندما يحدث تعارض بين تصورك عن الحياة وما تعيشه من ظروف، فإنَّك تشعر بالتعاسة، ويتمثَّل الشعور بالتعاسة من خلال عدة مشاعر مُزعجة مثل الحزن أو الإحباط أو السخط أو مجرد شعورك بوجود خطبٍ ما في حياتك.
إذا لم تعالج هذا الخلل، فقد يتطور إحساسك بالتعاسة ليصبح معاناةً حقيقية، وهو ما يحدث عندما يقع التعارض بين ظروف حياتك ومنظورك عن الحياة، ويسمِّي بعضهم هذه التجربة بانسداد الأفق أو الشعور بالعجز أو اليأس، وجميعها تشير إلى الحالة نفسها وهي أنَّك تعرف ما ينبغي أن تكون عليه حياتك، لكنَّك تشعر بالعجز عن تحويل هذا التصور إلى واقع.
شاهد بالفديو: أنت لا تجد السعادة بل تبنيها كاتارينا بلوم Katarina Blom
يجب أن تتذكَّر هنا أنَّك ما زلت قادراً على عيش حياة طيبة ومُرضية ووفق الشروط التي ترغب بها، فأنت قادر على عيش حياة سعيدة يملؤها الشعور بالرضى بصرف النظر عن الظروف الخارجية التي قد تؤدي إلى شعورك بالتعاسة أو المعاناة، فأنت تمتلك دائماً الخيار، وإليك الخيارات الـ 3 المُتاحة لديك عندما تتعارض ظروفك مع تصورك عن الحياة السعيدة سواءً كنت تتخذ أحد هذه الخيارات بوعي، أم دون وعي:
1. إلقاء اللوم على نفسك أو الظروف أو الآخرين:
هو الخيار الأسهل، لكنَّه لن يحقِّق لك السعادة أبداً، وتوجد 3 احتمالات في هذا الخيار، إمَّا أن تلقي اللوم على الآخرين أو الظروف أو الأسوأ من كل ذلك، أن تلقي اللوم على نفسك، ولكنَّه كما ذكرنا ليس حلَّاً ناجعاً، بل يزيد المعاناة ويفاقم الشعور بالألم ويسبِّب لك الإحساس بالعجز.
2. تغيير ظروف حياتك:
من الممكن تحقيق هذا الخيار من خلال "علم الإنجاز"، فكلُّ ما يتطلبه الأمر هو السير على خطا أحد الأشخاص الذين حققوا النجاح في المجال الذي تطمح لتحقيق النجاح فيه، وذلك من خلال اتِّخاذ الإجراءات وإجراء التغييرات المطلوبة في سلوكك، ومن المؤكَّد أنَّك ستواجه العقبات في محاولتك تغيير ظروف حياتك، ولكن يجب أن تتمتَّع بالإرادة عند حدوث ذلك والتركيز على تحقيق التقدُّم بصرف النظر عن صعوبة هذه العوائق، ومن المفيد أن تتذكَّر هنا أنَّ تقدُّمك سيؤدي إلى رفع مستوى سعادتك، لأنَّك ستشعر بأنَّ واقعك يتوافق مع منظورك عن الحياة.
3. تغيير منظورك عن الحياة:
يتمتَّع البشر بإمكانات لا تُصدَّق، ولكن بعض الأشياء خارجة عن إرادتنا مثل تغيير الماضي، ويتمثَّل الحلُّ في مثل هذه الحالات بإتقان "فن الشعور بالرضى" والذي يتطلب منك في هذه الحالة تغيير معتقداتك ووجهة نظرك عن الحياة، وهذا يعني أن تتقبَّل كل ما هو خارج عن سيطرتك وتعيد صياغة معتقداتك عنه، والأمر الهام هو أن تجد لنفسك مجموعة جديدة من المعتقدات التي تحقِّق لك الشعور بالسعادة، وتستحق النتيجة تغيير منظورك عن الحياة حتى عندما يكون الأمر صعباً، وتتمثل الخطوة الأولى في هذا السياق في إدراك وجهة نظرك الحالية عن الحياة ومعرفة إيجابياتها وسلبياتها ومن ثمَّ إجراء التعديل اللازم لتبني وجهة نظر أفضل.
دائماً ما ينصح "روبنز" بتبنِّي منظور يركِّز على تطوير الذات والعطاء (يعاني معظم الأشخاص من الشعور بالندم بسبب إخفاقات الماضي، ولذلك ينصح خبراء التنمية البشرية بالنظر إلى الأمر على أنَّه دروس يجب التعلُّم منها، وهذا يحوِّل معاناة الإنسان إلى تجربة قيِّمة تمنحه الإرادة والشعور بالسعادة في الوقت نفسه).
مثلاً لنفترض أنَّ الاعتقاد الآتي هو من جملة معتقداتك الحالية: "يجب أن يوافق على آرائي جميع الأشخاص الذين أعرفهم حتى أكون سعيداً"، ومن الواضح أنَّك ستفشل في مطابقة هذا الاعتقاد مع الواقع لأنَّك ستجد دائماً أشخاص يخالفونك الرأي، ولكن عندما تدرك قصور هذا الاعتقاد، وتستبدله باعتقاد أكثر صحة، فسوف تزيد من احتمالية شعورك بالسعادة، وقد تستبدل الاعتقاد السابق مثلاً بهذا الاعتقاد: "يجب كي أكون سعيداً، أن أتعامل مع جميع الأشخاص الذين أقابلهم، وفق مبدأ الاحترام المُتبادل".
تقنية فعالة لتسهيل عملية تغيير الظروف أو وجهة النظر عن الحياة:
سواء كان الأمر يتعلق بتغيير وجهة نظرك عن الحياة أم بالظروف التي تعيشها، فإنَّ هذه الطريقة فعالة جداً لتحقيق ذلك وتُسمَّى هذه التقنية "مراجعة المعتقدات"، ويستخدم "روبنز" هذه التقنية ويعلِّمها لعملائه لمساعدتهم على التركيز المكثَّف على مجموعة معتقداتهم وتغييرها في فترة قياسية، وبعد أن تتَّضح للعميل المعتقدات، أو المفاهيم التي تعوق تطوره، فإنَّه يبدأ بتبني مجموعة من المعتقدات والمفاهيم التي تتلاءم مع قيمه الجوهرية.
يحصل العميل في نهاية المطاف، على الحافز الذي يحتاجه لإجراء النقلة النوعية في حياته، وإنَّ انتقاء المُعتقدات الملائمة لظروف حياتك الحالية هو حجر الأساس لعيش حياة طيبة وسعيدة، فقد تقوم بذلك من خلال اتِّباع نهج أحد الأشخاص الناجحين لتحقيق نجاح مماثل، أو ربَّما تحتاج فقط لأن تتخلَّى عن بعض المعتقدات، أو وجهات النظر التي لم تعد مُجدية.
في الختام:
أنت تستحقُّ حياة مليئة بالفرح والشغف والحب والشجاعة وأية عاطفة إيجابية أخرى، والحقيقة هي أنَّ لديك القدرة على تحديد مصيرك وتحقيق حياة ملؤها النجاح والسعادة المستدامة، وكلُّ ما يلزم أن تبدأ فوراً باتخاذ الإجراءات لتحقيق هذه الحياة، وستصل لهدفك بأسرع ممَّا كنت تتوقَّع.
أضف تعليقاً