Top


مدة القراءة:8دقيقة

كيف تتحلى بالإبداع حينما تشعر أنَّك عاجز عن التفكير؟

كيف تتحلى بالإبداع حينما تشعر أنَّك عاجز عن التفكير؟
الرابط المختصر
تاريخ آخر تحديث:17-07-2021 الكاتب: هيئة التحرير

كيف ترى الإبداع؟ هل هو مهارة فطرية؟ وهل يعني الإبداع أنَّ الجانب الأيمن من دماغك هو الذي يسيطر عليك؟ هل هو مهارة يمكن اكتسابها؟ أم أنَّ مستوى الإبداع يقف عند المقدار الذي وهبك الله إيَّاه حينما وُلِدت؟




في الحقيقة، الإبداع أعقد بكثير ممَّا يظنُّ معظم الناس؛ فإذا كنت تتساءل كيف تستطيع أن تكون إنساناً مبدعاً، فيجب عليك أن تعرف أولاً العقبات التي تمنعك من التحلي بمزيد من الإبداع.

هل تستطيع التوصل إلى أفكار مبتكرة؟

الإبداع عموماً هو القدرة على "التوصل إلى أفكار مبتكرة"، وقد توصل الباحث "بوب مكيم" (Bob McKim) إلى طريقة بسيطة لتحديد مدى تحلي شخص ما بالإبداع، وهي كالآتي: "اطلب من هذا الشخص أوَّلاً أن يرسم 30 دائرة على ورقة، ثمَّ امنحه دقيقة لتحويل أكبر عدد مكن من تلك الدوائر إلى أشكال مميزة قدر الإمكان".

يستطيع هذا الشخص تحويل إحدى هذه الدوائر إلى وجه مبتسم، وأخرى إلى شمس، وأخرى إلى إشارة توقف، إلخ.

الفكرة من التمرين هنا هي أنَّه كلما استطاع الشخص تحويل عدد أكبر من الدوائر إلى أشكال مميزة خلال دقيقة واحدة، كان أكثر إبداعاً.

لقد كان معظم الناس يتوقفون بعد 10 أو 15 دائرة؛ لكنَّ المبدعين لا يقفون عند هذا الحد، فقد بدؤوا ملء الدوائر بوجوه رجال الثلج، وأضواء الفرامل، وحتى ساعات تُظهِر أوقاتاً مختلفة؛ وهؤلاء هم الأشخاص الذين يفكرون خارج الصندوق.

لكن يبقى السؤال، هل كانت هذه موهبة انتقلت إليهم عن طريق مورثات عشوائية، أم أنَّ الإبداع شيء يمكن تعلمه واكتسابه؟

لحسن الحظ، مكَّنتنا دراسات أُجرِيت لاحقاً باستخدام "التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي" (FMRI) من التعرف على نحو أفضل إلى أجزاء الدماغ التي تشارك في التفكير الإبداعي، ولماذا يمكن أن يعجز الشخص عن التوصُّل إلى أفكار إبداعية؟ وماذا نستطيع أن نفعل للتغلب على "قفلة الإبداع" (Creative Block) تلك؟

إقرأ أيضاً: مفهوم الإبداع ومعوقات التفكير الإبداعي

كيف تتغلّب على أسباب قفلة الإبداع؟

سواء عانى من هذا العجز كاتب فأسميناها "قفلة الكاتب" أو أي شخص آخر فأسميناها "قفلة الإبداع"؛ فنحن أمام الحالة نفسها.

تخيَّل مثلاً أنَّه قد أُسنِد إليك مشروع يحتاج إلى تفكير إبداعي، فجلست أمام شاشة فارغة، ولم تعلم أبداً من أين تبدأ.

إنَّه لمن المفيد دائماً أن تعرف ما مصدر هذا العجز، إذ يجعل ذلك التغلب عليه أسهل كثيراً؛ لكنَّنا في كثير من الأحيان لا نعرف لماذا يصيبنا، وإليك بعض أشهر أسبابه:

1. الخوف:

يُعَدُّ هذا واحداً من أشهر أسباب قفلة الكاتب، ويتجلى ذلك في الخوف من الإخفاق، والخوف من عدم إحراز مستوى جيد بما يكفي "متلازمة المحتال" (impostor syndrome)، ومقارنة نفسك بآخرين يعملون في المجال نفسه.

تُعَدُّ هذه جميعاً من أشهر الأسباب التي تؤدي إلى العجز عن التوصُّل إلى أفكار إبداعية أو ما أسميناه "قفلة الإبداع"؛ لكنَّ الشيء الذي يُدخِل السرور إلى القلب هو أن تعلم أنَّ جميع هذه المخاوف تعني أنَّك تحرز تقدُّماً على الصعيد المهني.

تذكَّر حينما التحقت بوظيفتك الأولى أو نشرت مقالتك الأولى، بماذا أحسست في ذلك الوقت؟ من المؤكد أنَّك أحسست بالإنجاز والفخر، ولم تقارن نفسك على الأرجح بأشخاص قد يكونون أنجح منك.

ألقِ نظرةً الآن على آخر المشاريع التي أنجزتها، وسترى أنَّه أفضل بكثير من مشروعك الأول؛ فقد نَمَوت على الصعيد المهني منذ التجربة الأولى، وأضحيت الآن شخصاً طموحاً أكثر، لكن من طبيعة البشر أن يقارنوا أنفسهم بالآخرين؛ لذا لا تدع هذا يثير قلقك، وتذكَّر فقط أنَّ هذه المخاوف طبيعية، وأنَّ في إمكانك استثمارها لتحفيز نفسك على الاستمرار في التطور على الصعيد المهني.

2. توقُّع الأسوأ:

"مستحيل أن أنجز هذه المَهمَّة في وقتها"، "هذا العمل أصعب من أن يتحمله شخص واحد"، "لم أعد بارعاً مثلما كنت، وقد ولَّت الأيام الرائعة".

تُعَدُّ هذه جميعاً أفكاراً سلبية تدور في عقولنا؛ ولسوء الحظ، تتبع أجسادنا ما يدور في عقولنا.

يعرف سائقو الدراجات النارية هذه الظاهرة حق المعرفة؛ ذلك لأنَّ الدراجات النارية "تسير إلى حيث ينظر سائقوها"؛ فحينما تستدير في أثناء قيادة الدراجة النارية، تسعى دائماً إلى النظر إلى المنعطف الذي تريد تجاوزه؛ وبمعنى آخر، يجب عليك أن تستمر في النظر إلى النقطة التي تريد الوصول إليها أمام المنعطف؛ فإذا نظرت إلى الأمام مباشرة، ستقود الدراجة النارية بشكل مستقيم في أثناء تجاوز المنعطف وتصطدم بجانب الطريق المقابل.

ينطبق الأمر نفسه على التفكير الإبداعي، حيث يجب عليك أن تنظر إلى ما هو أبعد من العقبات التي في ذهنك، وأن تركز الاهتمام على الغاية التي تريد بلوغها؛ إذ إنَّك في النهاية ستصل إلى المكان الذي يركز عقلك الاهتمام عليه.

تذكر أنَّك نفذت مشاريع كهذه من قبل، ونجحت فيها؛ وتذكَّر إنجازاتك السابقة، وعلِّق الجوائز التي كسبتها والشهادات التي نلتها على الحائط حتى تتذكر إنجازاتك السابقة؛ وتذكَّر أنَّ جسدك يذهب إلى حيث يأخذه عقلك.

شاهد بالفيديو: 7 خطوات مفيدة كي تتوقف عن توقع الكوارث

3. الشلل التحليلي:

يُعَدُّ الشلل التحليلي واحداً من أشهر أنواع قفلة الإبداع التي تصيب الناس، لا سيما عند تنفيذ مشاريع ضخمة؛ إذ توجد الكثير من الأمور اللازمة لإنجاز الأعمال المعقدة التي يجب أن تكون جميعاً متزامنة في وقتٍ واحد، حيث يحتار المرء في مثل هذه الحالات من أين يبدأ، وهي حالةٌ مألوفةٌ لدى كلٍّ من الكتَّاب والفنانين.

يُعَدُّ ترتيب الأولويات هاماً جداً عند بدء مشروع ضخم؛ لذا ضع جدولاً زمنياً للمشروع تستطيع من خلاله قياس تقدمك والحصول على الحافز الذي يشجعك على إنجاز عملك.

إذا كنت كاتباً يعاني "قفلة الكاتب" ويعجز عن التوصل إلى أفكار خلاقة، فأصعب جزء في معظم المشاريع هو البدء بها؛ إذ ربَّما يوجد موضوع ما في ذهنك، لكنَّك لا تعرف كيف يجب عليك أن تكتب المقدمة؛ وتعدُّ هذه من المشكلات التي يُعَدُّ تجاوزها بسيطاً.

اكتب المقالة التي تريد كتابتها أوَّلاً، وحينما تنتهي منها تستطيع العودة إلى كتابة المقدمة؛ ففي النهاية، سيكون من السهل أن تضع مقدمة لمقالة بعد الانتهاء من كتابتها.

توجد حيلة أخرى يُعَدُّ استخدامها مفيداً إذا كنت فناناً: ارسم أوَّلاً أي خط على اللوحة، ثمَّ انظر إليه بعد ذلك، ودَعه يكون نقطة البداية، وستكون الخطوة التالية هي إنهاء ما بدأته فعلاً.

لقد استخدمنا في كلا المثالين حيلاً بسيطة للتغلب على أصعب جزء في أي مشروع، ألا وهو البدء.

4. الافتقار إلى التحفيز:

بغض النظر عن عملك أو عن مدى حبك له، سيأتي في النهاية وقت تبدأ فيه حماستك بالتبدد؛ وتوجد مجموعة متنوعة من الأسباب التي يمكن أن تؤدي إلى ذلك، ومنها: أجواء العمل، أو الزملاء، أو المدير السيئ، أو المشاريع المملة.

لقد قضى بعض الناس جُلَّ حياتهم في العمل الحر لأنَّهم لا يستطيعون تحمل الأجواء الخانقة التي تسود الشركات؛ فصحيحٌ أنَّه من الجميل أن تقضي حياتك كلها في العمل الحر وأنَّ هذا النوع من العمل يُعَدُّ مربحاً على الصعيد المادي، إلَّا أنَّ فيه الكثير من المهمات المرتبطة بالمحاسبة، والكثير من الضرائب.

تعتمد الحياة على مبدأ التوازن، ويجب عليك أن تعرف من أين يأتي الافتقار إلى الحافز، وكيف ستتصرف للتغلب على هذه المشكلة؛ فإذا كانت المشكلة مديراً أو زميلاً سيئاً، فقد يكون العمل الحر خياراً جيداً، لكن تذكَّر أيضاً المشكلات الأخرى التي ترافق هذا النوع من الأعمال؛ أمَّا إذا كانت المشكلة أنَّ المشروع الذي تنفذه ممل، فتابع تنفيذه، واطلب في المرة القادمة مشروعاً أكثر إثارة للتحدي.

وأخيراً، إذا كانت المشكلة هي الإرهاق فحسب، فخذ إجازة، واقضها في فعل أيّ شيءٍ غير معتاد بالنسبة إليك؛ إذ يُعَدُّ أي شيء يكسر روتين الحياة الاعتيادي مفيداً.

5. التعرض إلى الكثير من مصادر تشتيت الانتباه:

أضحت مصادر تشتيت الانتباه في عالم اليوم الحديث أكثر من أي وقت مضى، كالتفكير في أجار المنزل، والديون، والاعتناء بالأطفال والزوجة، والتعامل مع المشكلات الصحية؛ كما أُضِيف إليها اليوم فيسبوك (Facebook) وغيره من منصات التواصل الاجتماعي والهاتف الذي تحمله في جيبك حتى يتمكَّن الناس من التواصل معك على مدار الـ 24 ساعة، وقد جعل كل ذلك إنجاز أي عمل بتركيز مطلق أمراً صعباً جداً.

بصفتنا أشخاصاً ذوي عقول إبداعية، قد لا نتقن دائماً تنظيم أوقاتنا، حيث تميل عقولنا قليلاً إلى التفكير الحر، وهو أمر يساعدنا في التعامل مع المشكلات فور مواجهتها.

يساعد وضع جدول أعمال والالتزام به كثيراً في حل هذه المشكلة؛ لذا خصص للمشروع وقتاً من الساعة التاسعة صباحاً وحتى الظهر، واجلس فيها دون مقاطعة، ثمَّ أغلق هاتفك وابدأ العمل؛ وحينما ينتصف النهار، شغِّل الهاتف، وعالج جميع المشكلات التي كانت تشغلك يومياً في أثناء العمل.

إقرأ أيضاً: التقليل من الإلهاءات: 10 طرق لتتحكّم بيومك

5 تقنيات للتغلب على قفلة الإبداع:

تطرَّقنا قبل قليل إلى بعض السيناريوهات التي تؤدي عادة إلى العجز عن التوصل إلى أفكار إبداعية (قفلة الإبداع) وإلى حلول هذه الأسباب، لكنَّنا في كثير من الأحيان لا نعرف أسباب عجزنا عن التفكير؛ لكن حتى في هذه الحالات، توجد أمور تستطيع القيام بها للتخلص من حالة العجز عن التوصل إلى أفكار إبداعية وتجاوز قفلة الإبداع:

1. أداء المهمات بالعكس:

تُعَدُّ هذه أهم طريقة لاستعادة القدرة على التوصل إلى أفكار إبداعية عندما تواجه قفلة الإبداع؛ فمثلاً: ابدأ تنظيف أسنانك باليد التي لست معتاداً على استخدامها، وارتدِ ساعتك بالعكس، وضَع نقودك في جيبك عوضاً عن المحفظة (أو العكس)، واكتب من اليسار إلى اليمين، وهي تقنية استخدمها ليوناردو دا فينشي (Leonardo Da Vinci).

لن تكسر هذه الأمور الروتين المعتاد وحسب، بل تمكِّنك أيضاً من رؤية الأمور من وجهة نظر جديدة ومختلفة.

لقد أظهرت الدراسات أنَّ الجسم الثفني الذي يصل بين نصفي الكرة المخية يكون أكبر حجماً لدى الأشخاص المبدعين، وتستطيع من خلال المواظبة على القيام بهذه الأمور زيادة حجمه، وتعزيز حس الإبداع العام لديك.

2. التوقف عن التفكير في الموضوع:

قد يبدو هذا الكلام غير منطقي؛ لكن حينما يتعلق الأمر بالإبداع، يعجز كل الناس من وقت إلى آخر عن التوصُّل إلى أفكار إبداعية، ثم تقفز فجأة فكرة إلى رأسك في منتصف الليل، أو في أثناء ممارسة الرياضة، أو مشاهدة الأفلام؛ وهذه هي اللحظات التي تأتيك فيها الإجابات من حيث لا تدري.

حسناً، هذه الأفكار لا تأتي من العدم، فقد سعيت بجد إلى حل المشكلة مدة طويلة من الزمن، لدرجة أنَّها انطبعت في دماغك؛ ويحدث هذا مع جميع الناس، وهو ليس من الأشياء التي نستطيع التحكم بها؛ وإنَّ الطريقة الوحيدة للخروج من هذه الدوامة هي التوقف عن التفكير في هذا الموضوع، وترك مسؤولية معالجته لعقولنا الباطنة.

إقرأ أيضاً: لماذا يعتبر عدم القيام بأي شيء بدايةً للإنتاجية؟

3. ممارسة بعض التمرينات الرياضية:

تُعَدُّ هذه طريقة أخرى للتوقُّف عن التفكير في المشكلات وترك مسؤولية ذلك للعقل الباطن، لكن من فوائدها الإضافية أيضاً زيادة تدفق الدم إلى الدماغ وتحسين صحة القلب كذلك.

4. الاستعداد لتغيير وجهات النظر:

لنأخذ شركة ما كمثال: يبدأ الموظفون مسيرتهم في الشركة مندفعين ومتحمسين للعمل، ثم لا تلبث أن تخبو جذوة حماستهم مع الوقت، فيكفون عن اتباع الإرشادات ويقومون بالأعمال وفق أهوائهم الخاصة، ممَّا يؤثر سلباً في رضا العملاء.

يكتشف المدير التنفيذي الأمر، فيعقد اجتماعات متتالية معهم للفت نظرهم إلى المشكلة وإيجاد الحلول الملائمة؛ لكنَّه لا يفلح في ذلك، ويقرر الاستعانة بمنتور، فينصحه برؤية الأمور من زاوية مختلفة؛ فيقرر المدير فرض عقوبة على كل من لا يلتزم بمعايير العمل، ويُعلِم الموظفين بذلك؛ وبناء عليه، يتحسن العمل عموماً، ويزداد التوافق بين الموظفين.

في هذه الحالة، لفت المنتور انتباه المدير إلى أنَّ الخطأ لم يكن في الموظفين أنفسهم، وأنَّ إهمالهم كان نتيجة أسلوب القيادة المتراخي الذي اتبعه.

5. الاحتفاظ دائماً بدفتر ملاحظات:

لا يمكنك أن تتوقَّع متى تخطر الأفكار على بالك، لذلك احتفظ دائماً بدفتر لتدوينها؛ كما يمكنك في العالم الرقمي الذي نعيش فيه اليوم استخدام ميزة تدوين الملاحظات في الهاتف، أو تسجيل الرسائل الصوتية.

القصد هنا أن تدوِّن أفكارك وكل ما يجول في خاطرك، إذ قد لا يجدي الاعتماد على ذاكرتنا وحدها نفعاً أبداً، ويمكن أن يكون الرجوع إلى التدوينات أفضل بكثير على صعيد الإنتاجية.

الأفكار الإبداعية ليست نتاج لحظات مفاجئة، وتوجد الكثير من الأمور التي تستطيع أن تفعلها لتجاوز قفلة الإبداع والعجز عن التوصل إلى أفكار إبداعية؛ لذا حدد الأسباب التي تؤدي إلى هذا العجز، وعالجها من خلال الاقتراحات التي تطرَّقنا إليها في هذه المقالة، وستجد مع مرور الوقت أنَّك اكتسبت الزخم الذي تحتاج إليه للتحلي بالإبداع طوال الوقت.

 

المصدر


تنويه: يمنع نقل هذا المقال كما هو أو استخدامه في أي مكان آخر تحت طائلة المساءلة القانونية، ويمكن استخدام فقرات أو أجزاء منه بعد الحصول على موافقة رسمية من إدارة النجاح نت.

المقالات المرتبطة بــ:كيف تتحلى بالإبداع حينما تشعر أنَّك عاجز عن التفكير؟