الاضطرابات النفسية تلقي بظلالها الثقيلة على سعادة أطفالنا وتطمس براءة أفكارهم، وتعيق إلى حد كبير استمتاعهم بفترة الطفولة، فما هي أنواع الاضطرابات النفسية التي تصيب الأطفال وكيف يمكن التعامل معها؟
مفهوم الاضطرابات النفسية
الاضطرابات النفسية هي حالات تؤثر على الصحة النفسية للفرد وتعيق وظائف العقل والعواطف والسلوك، مما يؤدي إلى تغييرات في الطريقة التي يفكر بها الشخص وكيفية تعاطيه مع الحياة اليومية، يتنوع نطاق الاضطرابات النفسية من حالات طارئة وقصيرة المدى إلى حالات مستمرة وطويلة الأمد، وقد تتسبب في مشاكل في الأداء الوظيفي والعلاقات الشخصية.
وتكمن تأثيرات المرض النفسي في تحويل حياة الفرد إلى تجربة شاقة، حيث يمكن أن يُظهر التأثير السلبي على مختلف جوانب حياته اليومية، مثل الأداء في الدراسة أو في مكان العمل، وحتى في التفاعلات الاجتماعية مع الأسرة والأصدقاء والأقارب وحتى الغرباء.
حيث تمثل الاضطرابات النفسية تحدي لا يستهان به، وفي العديد من الحالات يحتاج إلى تدخل علاجي، يتيح التعامل مع الأعراض من خلال استخدام مجموعة متنوعة من الأدوية والعلاج بالكلام (العلاج النفسي) لتحسين الحالة النفسية وتمكين الشخص من استعادة توازنه والتحكم في حياته بشكل أفضل.
أسباب الاضطرابات النفسية عند الأطفال
يعاني الكثير من الأطفال من مشاكل واضطرابات نفسية قد تؤثر بشكل كبير على حياتهم اليومية وعلاقاتهم الشخصية، تتفاوت الاضطرابات النفسية تبعاً للعديد من العوامل والأسباب أهمها:
1. الأسباب الوراثية
يمكن أن تكون بعض الاضطرابات النفسية لدى الأطفال ناتجة عن عوامل وراثية، حيث يكون هناك تأثير من الجينات التي يرثها الطفل من الأسرة.
2. البيئة العائلية
البيئة العائلية المحيطة بالطفل في المنزل تلعب دوراً هاماً في تكوين صحته النفسية، فمثلاً الظروف العائلية غير السوية، مثل العنف الأسري أو التقلبات الكبيرة، يمكن أن تسهم في ظهور الاضطرابات النفسية.
3. التجارب السلبية
التجارب السلبية في فترة الطفولة المبكرة، مثل التعرض للإهمال أو الإساءة، يمكن أن تؤثر على التطور النفسي للطفل وتزيد من احتمالية نشوء الاضطرابات النفسية وتطورها.
4. الضغوط الاجتماعية والتعليمية
قد يتعرض الأطفال لضغوط اجتماعية في المدرسة أو مع الأقران مثل التنمر أو الضغط الدراسي أو مشكلات في الاندماج الاجتماعي، الخوف الاجتماعي، الحماية الزائدة، مما يمكن أن يؤدي إلى تطوّر الاضطرابات النفسية.
أنواع الاضطرابات النفسية عند الأطفال
اضطراب التوحد
اضطراب التوحد هو اضطراب نمائي يؤثر على التفاعل الاجتماعي والتواصل والسلوكيات لدى الأطفال، ويُعتبر التوحد جزءاً من مجموعة اضطرابات طيف التوحد (ASD)، والتي تشمل مجموعة متنوعة من الاضطرابات ذات الصلة بالتطور العصبي.
والمميزات الرئيسية لاضطراب التوحد تشمل صعوبات في التفاعل الاجتماعي، وضعف في التواصل اللفظي وغير اللفظي، وتكرار السلوكيات والاهتمام المحدود بأنشطة محددة.
أما عن أسباب اضطراب التوحد، فلا تزال قضية معقدة وتحتاج إلى البحث العلمي المستمر، ومع ذلك، هناك عدة عوامل يُعتقد أنها قد تلعب دوراً في ظهور هذا الاضطراب، منها: الوراثة، عوامل بيئية كالتعرض للمواد الكيميائية أثناء الحمل، اختلالات في الهيكل العصبي، أسباب اجتماعية مثل هجرة الأهل أو الانتقال إلى مكان جديد.
اضطراب ريت
اضطراب ريت هو حالة نفسية تصيب الأطفال (الإناث) فقط بعد فترة من النمو الطبيعي السوي، يتسم هذا الاضطراب بتدهور جزئي أو كلي في المهارات اليدوية المكتسبة واللغوية، مع ظهور حركات نمطية تكرارية معينة، مثل لف اليد حول يد مع انحناء الذراعين عند الصدر، وعدم المضغ الجيد للطعام، وتزايد في معدل التنفس، وفي بعض الحالات، قد تحدث نوبات صرع، وحتى الآن لا يوجد أسباب واضحة للإصابة بهذا الاضطراب.
اضطراب نقص الانتباه وفرط النشاط ADHD
هو اضطراب نفسي شائع يمكن أن يؤثر على الأطفال، يتميز بـ:
- حدوث صعوبة التركيز على المهام ونسيان التفاصيل اليومية وزيادة في الحركة.
- صعوبة الجلوس في مكان واحد لفترات طويلة.
- زيادة في الحديث والنشاط الجسدي.
- عدم القدرة على متابعة أو إكمال الأشياء التي يبدأها.
- الفشل في تنظيم الأنشطة والمهام.
- دائم الجري أو التسلق أو الركض.
- يجد صعوبة في اللعب مع مجموعة خاضعة لقواعد محددة.
- كثير الكلام.
ويتزايد حدوث هذا الاضطراب لدى الذكور أكثر من الإناث، ويتم تشخيص الطفل على أنه مصاب بهذا الاضطراب إذا استمرت أعراض عدم الانتباه لستة أشهر على الأقل.
الاضطرابات النفسية التخريبية
من الاضطرابات التي يمكن أن تصيب الأطفال والمراهقين، ويتميز بنمط مستمر من السلوكيات العدائية والمعارضة وتحدي القوانين والقواعد ومن أنواعه:
1. اضطراب التصرف
غالباً ما يشخص لدى الأطفال ما قبل سن 13 عام، ويشمل الأفراد الذين يخرجون عن القانون (الأحداث) ويمارسون بسلوكيات عدوانية تشمل:
- التهديد.
- إيذاء الآخرين.
- إيذاء الحيوانات.
- تخريب الممتلكات.
- الاحتيال.
- الخديعة.
- السرقة.
- التحرش بالآخرين.
يحدث بنسبة أكبر لدى الذكور من الإناث وبنسبة تصل إلى 16% بينما تتراوح نسبته عند الإناث بين 2 إلى 9%.
2. اضطراب التحدي والمعارضة
هو اضطراب نفسي شائع لدى الأطفال لاسيما ما قبل المدرسة وتتشابه أعراضه عند الذكور والإناث، يتسم بنمط مزاجي معارض وعدائي للغاية، ويشمل عدم الامتثال للقواعد والمعايير الاجتماعية بشكل مستمر وعدم الانصياع للقواعد والتوجيهات والعناد بشكل مستمر في مواقف مختلفة، حتى عندما تكون المطالب عادلة أو ضرورية بالإضافة إلى الغضب والتعامل السلبي مع الآخرين وتجاهل الطلبات العاطفية والاجتماعية.
شاهد بالفديو: الأمراض النفسية: ماهي، وكيف نتعامل معها؟
اضطرابات الأكل
الاضطرابات الغذائية عند الأطفال هي حالات تتعلق بالتغذية والأكل، وتتسم بتأثير سلبي على الصحة النفسية والجسدية للطفل، ويمكن أن تظهر هذه الاضطرابات بأشكال متنوعة منها:
1. اضطراب فرط الشهية
يتسم هذا الاضطراب بتناول كميات كبيرة من الطعام في وقت قصير.
2. اضطراب تناول الطعام العصبي
يتميز بفترات من تناول كميات كبيرة من الطعام (نوبات الشراهة).
3. اضطراب تناول الطعام الانفصالي
يتسم بتجنب أنواع محددة من الطعام.
4. اضطراب النشوة الغذائية
يتمثل في تناول مواد غير صالحة للأكل ولا تحتوي على قيمة غذائية، مثل الطين أو الحصى.
5. اضطراب اجترار الأكل
هو إعادة الطعام من المعدة إلى الفم وإعادة مضغه مجدداً.
اضطرابات اللوازم
تتمثل اضطرابات اللوازم في حركات أو صوتيات لا إرادية، سريعة ومتكررة، يصعب مقاومتها ولكن يمكن كبحها لفترة محددة، ويتسارع تكرار اللوازم تحت الضغوط، وتقل عادة خلال النوم والانشغال بأنشطة أخرى، وتنقسم اللوازم إلى نوعين:
1. لوزام بسيطة (حركية وصوتية)
حيث تشمل الحركية رمش العين وهز الكتفين، بينما تتضمن الصوتية الكحة والشخير،
2. اللوازم المركبة (حركية وصوتية)
حركية مثل ضرب الطفل لجسده أو الوثب على قدم واحدة، أما الصوتية فهناك تكرار آخر مقطع من الكلمة (الترديد) وتقليد الأصوات وغيرها، وغالباً ما تتسبب في خلل في المواقف الاجتماعية، مما قد يؤدي إلى إعاقة وظيفية أو اجتماعية.
إضطرابات الإخراج
تشمل اضطرابات (التبول أو التبرز اللاإرادي)، حيث يصعب على الطفل التحكم بهذه العمليات نتيجة لأسباب نفسية مختلفة مثل الخوف أو التوتر.
اضطرابات القلق
اضطرابات القلق عند الأطفال هي حالات تتسم بوجود قلقٍ شديدٍ أو خوفٍ يؤثر سلباً على حياتهم اليومية والتفاعلات الاجتماعية، ويمكن أن تظهر هذه الاضطرابات بأشكال مختلفة وتؤثر على الأطفال في مراحل مختلفة من نموهم، إليك بعض أبرز أنواع اضطرابات القلق عند الأطفال:
1. اضطراب القلق الانفصالي
يظهر عندما يخشى الطفل فقدان الشخص الذي يرتبط به، كالوالدين.
2. اضطراب القلق الاجتماعي
يرتبط بالقلق من التفاعل مع الآخرين والأوضاع الاجتماعية.
3. اضطراب الهلع
يتسم بنوبات مفاجئة من الخوف الشديد، مصحوبة بأعراض جسدية مثل زيادة في ضربات القلب وصعوبة التنفس.
4. اضطراب القلق العام
تمثل في القلق والتوتر المستمر حيال مجموعة متنوعة من الأمور، دون وجود سبب واضح.
5. اضطراب القلق الناجم عن الصدمة
يظهر بعد تجارب صدمة أو أحداث مروعة، ويمكن أن يتضمن القلق المستمر والفزع.
6. اضطراب الخوف (الرهاب)
يتميز بخوف شديد وغير مبرر من موقف أو شيء معين، يمكن أن يكون هذا الخوف مرتبطاً بمجموعة متنوعة من الأشياء، مثل الأماكن أو الحيوانات أو الأحداث الاجتماعية.
اضطرابات النوم
اضطرابات النوم عند الأطفال تشمل مجموعة من الحالات التي تؤثر على نمط نومهم الطبيعي وقد تتسبب في صعوبة في النوم أو استمراريته، ومن أنواع اضطرابات النوم التي تصيب الأطفال:
1. اضطراب مقاومة النوم (الأرق)
يعاني الطفل من صعوبة في الغفوة أو النوم في الليل، حتى وإن كان متعباً.
2. اضطراب خطل النوم
اضطراب يمر به كل شخص تقريباً حيث يقوم بحركات أثناء النوم مثل الصراخ أو المشي أو الكوابيس.
3. الكوابيس
عادة ما يحدث بعد منتصف الليل، فهو يحدث في الفترة الثانية من النوم ويزيد عند الأطفال الذين يختارون الألعاب القتالية أو مشاهدة برامج العنف.
4. الخوف من النوم
شائع عند الأطفال عموماً لاسيما بين سن 10 و15 عام، فقد يستيقظ الطفل بعد فترة من نومه وهو يصرخ أو يبكي ويتسمر في مكانه في السرير نتيجة الخوف.
5. اضطراب الهمس أو اللعب أثناء النوم
تميز بالهمس أو اللعب أثناء النوم، مما يؤثر على جودة النوم.
6. اضطراب الخدار النومي
ينام المرضى فجأة أثناء الحديث أو الأكل.
اضطرابات الأداء الاجتماعي
1. اضطراب الصمت الانتقائي
يتمثل في امتناع الطفل أو التوقف عن الكلام في مواقف معينة على الرغم من قدرته على ذلك ويتحدث مع أشخاص آخرين في مواقف أخرى.
2. اضطراب التعلق التفاعلي
سببه الأساسي الرعاية غير السليمة للطفل في سن ما قبل المدرسة ويسبب خلل في علاقات الطفل الاجتماعية على الرغم من سلامة صحته العضوية والعقلية.
اضطراب العادة النمطي
هو عبارة عن سلوك حركي متكرر دون هدف، يحاول الطفل من خلاله تجنب إيذاء نفسه عبر وضع اليدين في الجيوب أو تحت القميص وعندما يعجز عن ذلك قد يلجأ إلى جرح نفسه أو قضم أظافره أو ضرب رأسه بعنف وهذا النوع غالباً ما يتطلب التدخل الطبي العاجل.
اضطراب الاكتئاب
الاكتئاب هو اضطراب نفسي يتسم بانخفاض مزاج الطفل وفقدان الاهتمام أو السعادة في الأنشطة التي كان يستمتع بها سابقاً، ويمكن أن يؤثر الاكتئاب على الأطفال بشكل مشابه لكيفية تأثيره على البالغين، ولكن قد يكون التعبير عنه مختلفاً في هذه الفئة العمرية، من أنواعه:
1. اضطراب الاكتئاب الكبير
يتسم بفترات طويلة من الحزن والاستسلام وفقدان الفرح.
2. اضطراب الاكتئاب الشديد
يمتد لفترات أطول من الوقت مقارنة بالاكتئاب الكبير ويشمل فقدان الاهتمام والتوازن العاطفي.
3. اضطراب ثنائي القطب
يتسم بتقلبات في المزاج بين فترات من الاكتئاب والهوس.
اضطراب ما بعد الصدمة
اضطراب نفسي ينشأ عند الأطفال نتيجة التعرض لتجارب مؤلمة أو قاسية مثل التعرض للعنف الجسدي أو التعرض للكوارث الطبيعية كالبراكين أو الزلازل أو خسارة أفراد من المحيط الاجتماعي أو التعرض لحادث خطير وغير ذلك.
طرق التعامل مع الاضطرابات النفسية عند الأطفال وعلاجها؟
علاج الاضطرابات النفسية عند الأطفال يتطلب نهجاً متعدد التخصصات ويتضمن تعاوناً بين الأسرة والمختصين الصحيين، تعتمد طرق العلاج على نوع الاضطراب وشدته، من الطرق الشائعة لعلاج الاضطرابات النفسية عند الأطفال:
1. العلاج السلوكي التطبيقي ABA
يستخدم في علاج اضطرابات التوحد ويركز على تعزيز السلوكيات الإيجابية وتقليل السلوكيات الضارة.
2. العلاج السلوكي المعرفي CBT
يستخدم لعلاج مجموعة متنوعة من الاضطرابات ويساعد الطفل في فهم وتغيير الأنماط السلوكية والتفكيرية السلبية.
3. جلسات العلاج النفسي الفردي
تتيح للطفل فرصة التحدث والتعبير عن مشاعره تحت إشراف مختص نفسي.
4. العلاج بالأدوية
في بعض الحالات، يمكن أن يوصي الأطباء بالأدوية للأطفال للتحكم في الأعراض، يجب أن يتم ذلك تحت إشراف طبي وتقييم دقيق للفوائد والمخاطر.
5. العلاج الأسري
يستهدف تحسين التفاعلات داخل الأسرة وتقديم الدعم للأطفال وأولياء الأمور.
6. برامج التعليم الخاص
يمكن تطبيق برامج تعليم خاصة لتلبية احتياجات الأطفال ذوي الاضطرابات النفسية.
شاهد بالفديو: أهم النصائح لحماية الطفل من المشاكل النفسية
في الختام
الصحة النفسية للطفل تمثل أساساً لبناء قواعد نموه السليمة، لذا فإن الاضطرابات النفسية عند الأطفال تمثل تحديات حساسة تتطلب اهتماماً فورياً وفعّالاً من جميع أفراد المجتمع، فالتفهم العميق لهذه الاضطرابات واكتشافها في وقت مبكر يساعد في توجيه الأطفال نحو طريق الشفاء، ويعتبر العلاج مفتاحاً أساسياً في هذا السياق، حيث يجمع بين جهود المختصين الصحيين ودور الأسرة في تقديم الدعم الضروري، من خلال التدخل المبكر والتعاون بين مختلف التخصصات، يمكن تحقيق تحسن في حياة الأطفال المتأثرين وتعزيز مكانتهم في المجتمع.
المصادر +
- عبد الله عسكر، الاضطرابات النفسية للأطفال، مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة، مصر، 2005
- عبد المجيد الخليدي وكمال حسن وهبة، الاضطرابات النفسية و العقلية عند الأطفال ، دار الفكر العربي، بيروت، لبنان، 2018.

أضف تعليقاً