دعنا نتأمل بداية بعض العجائب والغرائب الشائعة في مجتمعاتنا:

·   يقول أحدهم لآخر: ميعادنا الساعة السابعة، وأستأذنك في التأخر إلى الثامنة، وإن لم أحضر في التاسعة انتظرني في العاشرة، وإن كنت سأحضر في الحادية عشرة سأتصل بك وأنا في الطريق.

·   ويقول أحدهم ينتظر شخصاً لصديقه: إن ميعادنا بعد العشاء، وقد اقترب الوقت من الفجر، ولعله سيحضر (إن شاء الله) فما زالت أمامه فرصة حتى الفجر.

·        انتظرك منذ ساعة ونصف، ولم يبقَ على مغادرة القطار سوى عشر دقائق، وتدعوني للتريث والصبر.

·        ذهبت للبنك حسب الميعاد المُتفق عليه ووجدت الرصيد صفراً، والآن تفاجئني بطلب السماح لفترة سماح أخرى للسداد.

 

وتأمل بعض الشعارات والكلمات والمواقف الشائعة في حياة الأفراد والمجتمعات المتخلفة (النامية):

·        أسف تأخرت عنك قليلاً (ربما كان القليل نصفَ ساعة أو ساعةً).

·        التخلف عن الوفاء بالوعد والتخلف أيضاً عن الاعتذار المُسبق، أو مُجرد الاعتذار اللاحق فيصبح الأمر مألوفاً وعادة.

·   الوعد بأن العمل سينتهي خلال أسبوعين، وفي نهاية الأسبوعين يبدأ تبرير التأخير بالعديد من الأعذار الوهميَّة، ثم يطلب مهلة أخرى أسبوعين أخريين.

·        عند التنويه بضرورة الالتزام الدقيق بالميعاد تُثارُ العديد من الكلمات والاتهامات الآتية:

§        أنت حاد وجاد ومُتزمت.

§        مطلوب مزيد من المرونة.

§        تذرع بالصبر فالدنيا لم تُخلق في يوم.

·   الأول يقول للثاني: أأنتظرك في الميعاد وقد تأخرت علي ساعة كاملة؟.... فيرد الثاني مستخفاً: أنت الذي حضرت في الموعد مبكراً.

·   آفة وظاهرة تعمد التأخر عن الحضور في الموعد (خاصة في الاجتماعات الهامة أو الجماهيرية)، وذلك لإشباع الحاجة النفسية إلى الإحساس بالاهتمام والتقدير بالمكانة المرموقة بين الناس.

 

مُقاطعات الزوار بدون موعد

 

عندما يأتي زائر بلا موعد، فإنه من الممكن (في حال استقباله) أن يضيّع وقتك، وفي حال صدّه فإنه من المُمكن أن ينزعج. وهنا أبدأ بأنه لا بد أن تكون ثقتك في نفسك قويَّة من الداخل، بمعنى أنك إذا كنت تخاف الحَرج من الناس، بمعنى أن نظرة الآخرين لنفسك أهم من نظرتك لنفسك، فقد يكون من المُفيد لك أن تقوم بتغذية نفسك يومياً بعبارات إيجابية مثل "أنا ثقتي في نفسي في تزايد مستمر" لأنك إذا كنت تخاف مما سيقوله عنك الناس فأنت 100% لن تستطيع معالجة "زوار بلا موعد"، ولن تستطيع أن تقول "لا" ولن تستطيع أن ترفض زيارة أحد!! تخيّل معي أنك لا تستطيع أن تقول "لا" لهذه الزيارات، فما ستكون النتيجة؟ سيأخذ الناس وقتك وجهدك ومالك، وقد يتكلمون عنك بالسوء أيضاً!!!

 

فكّر معي، هل هناك أشخاص في حياتك، حاولت أنت ـ ومن قلبك ـ مساعدتهم وسمحت لزياراتهم ومكالماتهم الكثيرة أن تتم، وفي النتيجة كانوا معك غير جيدين؟ هذا يعني أنك إذا حاولت أن تُعطي الآخرين وقتك ولو كله لن يكون هذا حلاً!! وأكبر دليل أنه في معظم الأحيان يبيعك الناس الذين أعطيتهم وقتك وجهدك بغلطة صغيرة منك، وقد تصبح أسوأ إنسان في نظرهم، وتذكَّر "عدو الإحراج من الناس هو الثقة في النفس".

 

وقبل أن نتكلم عن مُقاطعات الزوار، دعونا نتكلم عن آداب الموعد، فعندما تكون على موعد مع شخص أو أكثر لغرض ما، فلا بد من مراعاة ما يلي:

1.     حدّد وقتاً لبداية ونهاية اللقاء، وتذكَّر أن اللقاء قد يمتد ليأكل الوقت كُلَّه.

2.     احسب المسافة بين مكانك وبين مكان الميعاد (وحدّد وقت أمان).

3.  احترم الموعد مع هذا الشخص ولا تضطره للانتظار، وإذا أردت إلغاء الموعد، فلابد من أن يتم إبلاغه قبل فترة كافية من موعد اللقاء، وليس قبله بدقائق.

4.  حضّر نفسك جيداً، واجعل الموضوع على شكل نقاط مُحدّدة مُرتبة مُنظمة لكي لا تخلط بين الأمور، ويُستحسن أن تُخبر الآخر بالموضوع المُراد اللقاء من أجله، لكي يُحَضِّر نفسه أيضاً، فيكون استثمار الوقت أفضل.

5.  وإذا كنت أنت الداعي، فعليك أن تشرح سبب دعوتك، أو الموضوع الذي ترغب في نقاشه، وتبدأ بشرحه بشكل واضح ومنظم.

6.  وإذا كنت أنت المدعو، فعليك إعطاء فرصة للآخر، حتى تعرف ما هو الموضوع، وأن تُحسِن الإنصات أولاً، وألا تقاطعه إلا عند تَوَقُفِه، حتى تفهم جوانب الموضوع كُلَّه، ثم تُبدي رأيك إذا استطعت، وإذا لم تتمكن بسبب نقص في المعلومات، أو لأن الموضوع  يحتاج إلى تفكير أعمق، فتستطيع  إخباره بأنك ستأخذ فترة "مُحَّددة" لتتدبَّر الأمر وتُفيده بالنتيجة.

7.  احترم وقتك ووقت الآخرين، فلا تنشغل عنهم بهاتف أو بلقاء آخر، والأفضل أن تكون معك ورقة لتسجِّل أهم النقاط التي سيتم البحث فيها.

8.  وفي كل الأحوال لا تتأثر بالبيئة المحيطة بك، وذلك بتقليد الآخرين أو معاملتهم بالمثل في الاستمرار في التخلف عن المواعيد.

بمراعاتك لما سبق ستحصل على تواصل فعّال، وعلى استثمار أفضل لوقتك وللقاءاتك.

 

دقة الالتزام بالمواعيد شعار الإنسان المُتحضّر، الصالح والمُصلح لنفسه ولمجتمعه ولأمته وللإنسانية جميعاً من حوله. والدقة تعني الالتزام بالدقيقة قبل الساعة واليوم. ودقة الالتزام بالميعاد تعني الانضباط بالميعاد المُحدّد، لا تسبقه ولا تتأخر عنه... ولنراجع سوية قيمة الالتزام بالمواعيد:

         [أوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤولاً] الآية (الإسراء34) جاء الالتزام بصيغة الأمر، والتكليف بدرجة الوجوب.

    [واذكر في الكتاب إسماعيل إنه كان صادق الوعد] الآية (مريم54) الندب من خلال إعلاء وتكريم نموذج بشري نبوي حضاري.

         [إن الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتاً] الآية (النساء103) نظام حياة للمسلم يتسم بالدقة والالتزام.

    قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (آية المنافق ثلاث ومنها إذا وعد أخلف) والخلف يعني التخلف عن الزمان والمكان والوفاء بمضمون الوعد، وفي الحديث كشف وفضح لسلوك يومي قد اعتاده الناس وألفوه وربما لا يدركون عاقبته.

 

حاول التقليل من مُقاطعات الزوار بلا موعد بتطبيق ما يلي:

1.    إجهاض المُقاطعات.

2.    رفض المُقاطعات.

3.    التعامل مع المُقاطعات.

 

1- إجهاض المُقاطعات: حاول إجهاض المُقاطعات قبل أن تحدث فالوقاية خير من ألف علاج، حاول الاستفادة من الإرشادات التالية:

         اجعل الوصول إليك صعباً. 

         جد مانعاً مرئياً (الستائر مثلاً) في مكان عملك للتقليل من حدوث الزيارات "غير المتوقعة".

         لا تحتفظ بكراسي إضافية في مكتبك لأن الزوار لن يظلّوا طويلاً إذا ما اضطروا إلى الوقوف.

         غلّق الأبواب، وركّز على ما لديك من عمل، وأخبر الناس أنك غير متوفر.

    عوّد الناس على رؤيتك من خلال مواعيد مُسبقة، مما سيؤدي إلى أن الناس سيقولون أن فلاناً لا يمكن رؤيته دون موعد، حتى المُقربين إليك أو أصدقائك (إن كانوا أصدقاءك) سيقدّرون وقتك، لأنه ما الفرق بين شخص يسرق منك مبلغاً من المال، وبين شخص يسرق منك ساعتين من وقتك كان المفروض أن تنتج فيها،... فلا بد أن تكتسب سمعة بين الناس تقول بأنه لا بد من الاتصال بك قبل وقت حتى يمكن رؤيتك (باستثناء بعض المواقف والمهن مثل موظف الاستقبال أو خدمة الزبائن أو ما شابه).

وبدون ذلك ستهبُّ العواصف عليك دون أن يكون هناك ما يردعها، وكيف تتوقع أن تكون العواصف سهلة أو لذيذة، وأنت لا تستطيع التحكُّم فيها؟.... ولكنك تستطيع التحكُّم في الشراع،... ومكان عملك هو الشراع الذي تستطيع التحكُّم فيه، وهو الطريقة التي تلعب دوراً كبيراً.

 

2- رفض المُقاطعات: بالرغم من أنك قد تقوم بكل ما تستطيعه لإجهاض المُقاطعات ولكن هذا لا يمنع من أنك قد تتعرض لها، حاول الاستفادة من الإرشادات التالية:

·   للأعمال الهامة انتقل إلى مكان آخر (حجرة اجتماع خالية،... أو أي غرفة فارغة أخرى) بحيث تَقلُّ إمكانية العثور عليك من قبل المُقَاطعين.

·   أخبر الناس أنك مشغول؛ وضِّح ذلك، ورتّب للقائهم في وقت أكثر ملاءمة، وأصدر إرشادات واضحة لمن يمكنه مقاطعتك، ومتى؟ ولماذا؟ وإلا دع أحد الزملاء يتولى الأمر عنك (فوّض).

·   كن فعّالاً وواثقاً من نفسك، وكُن على استعداد لقول "لا" وكُن ودوداً حازماً، وأخبر متى ستكون متفرغاً، و"لتجنب الانشغال بالمُقاطعات، ابحث عن طرق لجمعها معاً، فإذا ما فرغت منها، فَعُد على الفور إلى المهمة الرئيسية لهذا اليوم".

 

3- التعامل مع المُقاطعات: في حال لم تنجح في إجهاض ورفض المُقاطعات فلابد من التعامل معها، حاول الاستفادة من الإرشادات التالية:

    إذا تم ممارسة الضغط عليك في وقت ما، فلتظل واقفاً، ولا تقدم أو تقبل دعوة للجلوس،... فمثلاً: إن حمل الأوراق يُشير إلى أنه لديك موعد آخر.

    عندما تشعر بأن الزائر قد أخذ الكثير من وقتك اسأل نفسك: من أهم: الزائر وما يُحدِّثك به من مواضيع، أم ما يجب أن تقوم به أو تحققه تجاه المؤسسة أو تجاه نفسك هذا يساعدك على اتخاذ قرار لمتابعة الموقف.

    إذا كان زميلٌ لك في نفس الشركة يستنفذ وقتك قل له: "سآتي إليك لاحقاً"، فعندما تكون أنت الزائر فأنت ببساطة تتحكّم في الوقت الذي تترك فيه الزيارة، بينما عندما يكون الزوار عندك سيكون هناك صعوبة في قول "لا" أو في إنهاء الزيارة. وتذكّر أنه في التعامل مع البشر "ليس هناك منطق"، فمن المُمكن أن تكون مُحقاً وأن تقول للأعور "أعور بعينك"، ولكن لن يحبك أي أعور أو يشعر بأنك إنسان جيد أو لطيف أو أنك تقدّر الآخرين.

    إذا طالت مدة الزائر يُمكنك أن تقول له: "الموضوع الذي تتكلم فيه مُهم جداً، وأنا مُهتم به وبمناقشته معك، وأتمنى أن نتكلم فيه، ما رأيك أن نناقشه سوية يوم الثلاثاء الساعة العاشرة صباحاً؟ ستكون بطريقة ما قد جعلته يأخذ موعداً بشكل غير مباشر، وإذا كنت فعلاً لا تريد أن تتكلم في الموضوع نهائياً فهنا لا بد لك من أن تقول "لا".

    ويمكنك أن تُظهر للطرف الآخر أنك مشغول بأن تقول: "بعد إذنك، أنتظر إيميلاً مُهماً..." أو "لا تؤاخذني، أنتظر مكالمة مُهمة..." أو ... انظر إلى الساعة. هذه البدايات تُرطب الجملة وتجعلها أكثر قبولاً لدى الطرف الآخر، أكثر من كون الجملة فقط "أنا مشغول"، وستجد أن معظم الناس لطفاء وسيشعرون بأنه يجب أن يتركوك وشأنك.

    يمكنك استخدام شيفرة معينة مع موظفيك، فعندما يكون لديك زوار مثلاً، ويدخل عليك أحد موظفيك ليُخبرك أنه يوجد من يطلبك، فأنت تستطيع أن تعطيه شيفرة لا يفهمها زوّارك، كأن تمسك القلم بطريقة معينة يفهم منها الموظف أنك لا تستطيع استقباله، وهذا أفضل من أن ترد عليه بأنه يوجد لديك اجتماع (كما هي العادة) لأن هذا سيترك لدى زوّارك انطباعاً بأنك كاذب.

    قلّل التواصل العيني (التواصل عن طريق العيون)، فكلما قمت بزيادة التواصل العيني كلما ارتاح الشخص المقابل أكثر سيكولوجياً واستمر في الزيارة، وعندما لا تنظر في عينيه كثيراً فهذا يعني أنك تكسر التواصل معه، وسيشعر سيكولوجياً ونفسياً بأنه يجب أن يتركك ويمشي.

 

طريقة جيدة لتلافي أحدهم دَخَل عليك فجأة: إذا دَخَل عليك أحدهم  من الباب، فأساله: لِمَ أتى لمقابلتك، ولا تدعه للجلوس، ولا تقدم أو تقبل دعوة للجلوس (إن حمل بعض الأوراق يُشير إلى أن لديك موعداً آخر)، وتستطيع أن تُخيّر الشخص الزائر بين  أن تُعطيه وقتاً قصيراً الآن (بسبب انشغالك)، أو وقتاً أطول فيما بعد (أعشر دقائق الآن كافية أم تريد ساعة فيما بعد؟)، ماذا سيختار؟ أثبتت الدراسات أن أغلب الناس سيختار الوقت القصير الآني، وسيتركك بعد خمس دقائق، وفي كل الأحوال بعد انتهاء الخمس أو العشر الدقائق، تستطيع تذكيره بانتهاء المدة التي اتفقت معه عليها، (انتهت الخمس دقائق، ما رأيك أن نكمل فيما بعد؟!)، ولكل قاعدة استثناء، فمن الممكن ألا تنجح هذه الطريقة دائماً، ولكنه وُجد أنها طريقة ترفع الحرج بشكل كبير، وتنجح في أغلب الأحيان.

 

تذكّر: إن ردود أفعالك الجادة تجاه مُقاطعات الآخرين ينبغي أن تنطوي على الأمانة والإنصاف، فكما عبّرت عن ردود أفعالك الداخلية ومشاعرك ومطالبك، فتقبل أن يكون للآخرين نفس الحق تجاه مشاعرهم وحاجاتهم، وليكن حكمك على كل موقف وفق ما يستحق.

برنامج المستشار الإداري

د. كفاح فياض

قرطبة للإنتاج الفني

2004

إدارة الوقت

د. طارق سويدان

قرطبة للإنتاج الفني

2004