نعتمد في هذا المقال نموذج الحجة والدحض لتحليل دور العاطفة في اتخاذ القرار، ونناقش الحالات التي تكون فيها مفيدة، وتلك التي تصبح فيها مدمرة، لنصل إلى إجابة متوازنة ومنطقية.
لماذا تبدو "القرارات العاطفية" غير عقلانية؟
"يُنظر إلى القرارات العاطفية بوصفها خيارات غير عقلانية؛ لأنها غالباً ما تُتخذ تحت تأثير الانفعالات، وتكون سريعة وغير محسوبة، ممَّا يزيد من احتمال ارتكاب الأخطاء أو تجاهل الحقائق."
هل القرارات العاطفية غير عقلانية دائماً؟ هذا ما تدَّعيه المدرسة التقليدية؛ إذ يرى النقَّاد، وغالباً المدرسة الاقتصادية الكلاسيكية، أنَّ العقل هو الحاسوب الذي يحلل المدخلات ليخرج بالناتج الأمثل، فأي تدخل للعاطفة هو مجرد ضوضاء تشوِّش على العملية الحسابية. تُشبَّه العواطف هنا بعاصفة مفاجئة تجعل القبطان يغيِّر مسار سفينته تغييراً غير مدروس، وأنت شخصياً، ألا تشعر أحياناً بعد اتخاذ قرار اندفاعي أنَّك كنت تحت سيطرة "شيء آخر" غير تفكيرك الواعي؟
دعونا نستعرض الأسباب الرئيسة التي تجعل كثيرين يجزمون بأنَّ الجواب عن هل القرارات العاطفية غير عقلانية، هو نعم.
1. تأثير الانفعال في التفكير
عندما تطغى علينا انفعالات قوية، مثل الغضب أو الخوف الشديد، يحدث ما يُعرف بالاختطاف اللوزي (Amygdala Hijack) في الدماغ. وفقاً لدراسة في علم النفس العصبي، توقِّف هذه الحالة وصول الموارد العصبية إلى قشرة الفص الجبهي، وهي منطقة الدماغ المسؤولة عن التفكير المنطقي والتخطيط.
2. التسرُّع
إنَّ العواطف مصممة للتفاعل السريع مع التهديدات والفرص، مما يدفعنا إلى اتخاذ القرار في جزء من الثانية دون جمع بيانات كافية. هذا التسرع يعني أننا لا نمنح أنفسنا وقتاً كافياً لوزن الإيجابيات والسلبيات، الأمر الذي يزيد من احتمالية أن تكون القرارات العاطفية غير عقلانية.
3. الانحيازات الإدراكية
تقوِّي العاطفة الانحيازات الموجودة مسبقاً، فإذا كنَّا نحب شخصاً، فإنَّ العاطفة، تجعلنا نتجاهل كل إشارات الخطر، وهذا ما يسميه عالما النفس "دانيال كانيمان" (Daniel Kahneman) وزميله "آموس تفيرسكي" (Amos Tversky) في كتابهما الرائد التفكير، سريعاً وببطء (Thinking, Fast and Slow) بالاستدلال بالوجدانيات (Affect Heuristic). باختصار، تمنعنا العاطفة من رؤية الحقيقة كما هي، فهل القرارات العاطفية غير عقلانية؟ الإجابة السائدة هنا هي نعم.
شاهد بالفيديو: 7 نصائح لتحسين ذكائك العاطفي
ما الذي يجعل القرارات العاطفية تبدو محفوفة بالخطأ؟
بعد أن رأينا كيف أنَّ التسرع والانحياز، يصوِّرا القرارات العاطفية غير العقلانية، يجب أن نغوص في الأمثلة الملموسة. إنَّ هذه المشاعر السلبية، تحديداً، هي التي توفر أقوى الأدلة التي يعتمد عليها منتقدو العاطفة لإثبات جواب نعم عن تساؤل: هل القرارات العاطفية غير عقلانية. إليك أبرز الشواهد.
1. القرارات في الغضب غالباً ما تكون اندفاعية
"يقلل الغضب التفكير المنطقي ويزيد احتمالية اتخاذ قرار مؤذٍ أو متهور."
في لحظات الغضب، ينصبُّ تركيزنا على العقاب أو الانتقام الفوري بدلاً من البحث عن حلول مستدامة. وفقاً لدراسة "تأثير الغضب في استراتيجيات اتخاذ القرار" المنشورة في (Journal of Personality and Social Psychology)، يؤدي الغضب إلى تقليل الوعي الإدراكي، مما يجعل الشخص يبالغ في تقدير سيطرته وقوته، وبالتالي يتخذ قرارات متهورة.
2. الخوف يجعل العقل يركز على النجاة بدل التحليل
"قرارات الخوف قد تبالغ في تقدير المخاطر وتتجاهل الحلول الواقعية."
الخوف هو آلية بقاء أساسية، لكنه في بيئة صنع القرار الحديثة قد يصبح عائقاً. يقول عالِم الأعصاب "أنطونيو داماسيو" (Antonio Damasio) في كتابه خطأ ديكارت (Descartes' Error) أنَّ الخوف، يؤدي إلى "رؤية نفقية"؛ إذ نبالغ في تقدير المخاطر السلبية المحتملة. هذا يفسر لماذا قد يرفض شخص ما فرصة استثمارية رائعة بسبب خوف غير مبرر من الفشل، مما يرسخ فكرة نعم على سؤال هل القرارات العاطفية غير عقلانية.
3. القرارات المبنية على التعلق أو الحب قد تُحجب فيها الحقائق
"العلاقات العاطفية قد تجعل الشخص يتجاهل مؤشرات الخطر أو سوء التقدير."
عندما يتعلق الأمر بالتعلق العاطفي أو الحب، فإنَّ جزءاً كبيراً من قشرة الفص الجبهي المرتبطة بالحكم النقدي، تُعطَّل مؤقتاً تحت تأثير الدوبامين والأوكسيتوسين. تدفعنا هذه الحالة الوجدانية إلى تجاهل مؤشرات الخطر الواضحة أو التضحية بالمصالح الشخصية والمالية على مذبح العاطفة، مما يثبت أنَّ القرارات العاطفية، تكون أحياناً غير عقلانية بامتياز.

لماذا لا تكون "القرارات العاطفية" غير عقلانية بالضرورة؟
"يرى علماء النفس أنَّ العاطفة، ليست نقيضاً للعقل؛ بل قد تعمل بوصفها وسيلة سريعة لاتخاذ قرارات مبنية على خبرات سابقة، وتساهم في القرارات الأخلاقية والاجتماعية."
بعد أن استعرضنا الشواهد التي تجعل القرارات العاطفية غير عقلانية في ظاهرها، حان الوقت لنقف على الجانب الآخر من العملة. فهل يمكن حقاً أن نتخيل حياة يُتَّخَذ فيها كل قرار بحسابات باردة مجردة؟ يؤكد علماء الأعصاب أنه حتى أكثر القرارات "المنطقية" تستند إلى أسس عاطفية خفية، وإنَّ محاولة فصل العقل عن القلب، قد تكون التصرف غير العقلاني بحد ذاته. دعونا نكتشف متى تصبح العاطفة بوصلتنا الأدق.
1. العاطفة مصدر للحدس
الحدس، الذي يُنظر إليه غالباً بوصفه شعوراً غامضاً، هو في الحقيقة ناتج عن عمليات معقدة يقوم بها العقل لاستخلاص النتائج من الخبرات المتراكمة بسرعة هائلة. إنَّه الذكاء العاطفي في أنقى صوره، يحسم التردد في مواقف معيَّنة من خلال إحساس داخلي يخبرنا بالطريق الصحيح قبل أن يبدأ التفكير المنطقي في تحليل البيانات.
2. الخبرة الداخلية
يؤكد عالِم الأعصاب "أنطونيو داماسيو" (Antonio Damasio) في نظريته المعروفة باسم "فرضية العلامة الجسدية" (Somatic Marker Hypothesis) أنَّ العواطف تضع "علامات جسدية" على نتائج القرارات السابقة. هذه العلامات تجعلنا نميل تجاه الخيارات المرتبطة بشعور جيد ونبتعد عن تلك التي تذكِّرنا بالفشل، مما يثبت أنَّ العاطفة، تحوِّل التجربة إلى معلومة مفيدة لاتخاذ القرار.
3. القرارات الأخلاقية
بخلاف القرارات المالية أو الإجرائية، فإنَّ القرارات المتعلقة بالعدالة والأخلاق، تتطلب حساً إنسانياً عميقاً وليس تحليلاً جامداً، فهل القرارات العاطفية غير عقلانية هنا؟ الإجابة هي لا. وفقاً لأعمال الفيلسوفة "مارثا نوسباوم" (Martha Nussbaum) في كتتابها (Upheavals of Thought: The Intelligence of Emotions)، فإنَّ الشفقة والتعاطف، هما المحرك الأساسي لقراراتنا الاجتماعية والقانونية العادلة.

لماذا ليست القرارات العاطفية مشكلة؛ بل طريقة اتخاذها؟
بعد أن تبيَّن لنا أنَّ العاطفة ضرورية وليست مجرد ضوضاء، يجب أن نصل إلى النتيجة الوسطى. السؤال الحقيقي ليس هل القرارات العاطفية غير عقلانية؛ بل كيف نوازن بينهما؟ إنَّ المشكلة، لا تكمن في وجود العاطفة؛ بل في غياب الذكاء العاطفي الذي يحوِّلها من محرك أعمى إلى مرشد بصير. إليك كيف نصل إلى الرؤية المتوازنة.
1. القرارات العاطفية تكون دقيقة عندما تمرُّ من خلال "فلترة عقلية"
"أفضل القرارات هي التي تبدأ بالعاطفة وتُراجع بالمنطق—not خلاف ذلك."
الحدس هو انطباع أولي قوي، ولكنَّ اتخاذ القرار الحكيم، يتطلب مراجعة هذا الحدس من خلال التفكير المنطقي لضمان عدم وجود انحيازات. فمثلاً، قرار إنهاء شراكة عمل قد يبدأ بشعور عميق بعدم الثقة (عاطفة)، لكن لا يُنفَّذ إلَّا بعد تحليل العقود والأرقام (منطق).
2. الدمج بين التحليل والشعور يخلق قراراً أكثر إنسانية وفعالية
"تحتاج القرارات الهامة — كالوظائف والعلاقات — العقل والعاطفة معاً."
لا يمكن لنموذج التحليل الجامد (المنطق) أن يقيِّم تعقيدات القرارات الشخصية والمهنية، فالوظائف والعلاقات تحتاج إلى القرارات العاطفية والعقلانية معاً. إنَّ دمج البيانات مع "العاطفة الواعية" أو الحس الإنساني، هو ما يخلق قراراً فعالاً يخدم المصلحة على الأمد الطويل ويحافظ على القيم، وهذا ما يؤكد أنَّ القرارات العاطفية غير عقلانية فقط عندما تكون منفصلة عن العقل.
3. الوعي الذاتي يحول العاطفة إلى مؤشر—not محرك
"عندما يفهم الشخص مشاعره، تصبح العاطفة دليلاً لا عبئاً."
يكمن مفتاح النجاح في الذكاء العاطفي، الذي يتمثل في الوعي الذاتي للمشاعر وفهم تأثيرها في الحكم. وفقاً لدراسة "الوعي الذاتي ودوره في تعزيز اتخاذ القرار" المنشورة في مجلة علم النفس التطبيقي ووفقاً لأعمال "دانيال جولمان" (Daniel Goleman) في كتابه الذكاء العاطفي (Emotional Intelligence)، فإنَّ قدرة القائد على قراءة مشاعره وتحديد مصدرها، هي التي تحوِّل العاطفة من محرك اندفاعي إلى مؤشر دقيق، مما ينفي نفياً قاطعاً أن تكون القرارات العاطفية غير عقلانية دائماً.
ختاماً — هل القرارات العاطفية دائما غير عقلانية؟
"القرارات العاطفية ليست غير عقلانية بطبيعتها؛ بل تصبح خاطئة عندما تُتخذ دون وعي أو تحت انفعال قوي. لكنها تكون مفيدة عندما تستند إلى حدس وخبرة ويجري وزنها بالعقل."
ينتهي الجدل حول "هل القرارات العاطفية غير عقلانية" عند ضرورة التكامل، فالعاطفة تمنحنا الدافع والحدس، بينما يمنحنا المنطق الانضباط والتحليل لضمان دقة اتخاذ القرار. النتيجة النهائية هي أنَّ القرارات العظيمة، تولد من قلبٍ يشعر وعقلٍ يحلل، مما يجعل التوازن بين القرارات العاطفية والعقلانية هو قمة الحكمة البشرية؛ لذلك، قبل اتخاذ قرار هام، اكتب: ما الذي أشعر به؟ ما الذي أعرفه؟ وما الذي يحدث لو انتظرت 24 ساعة؟ هذه الخطوات ستساعدك على اتخاذ قرار متوازن يجمع بين العقل والعاطفة.
الأسئلة الشائعة
1. هل العاطفة تجعل القرار غير منطقي؟
ليس دائماً. العاطفة قد تكشف قيمك الحقيقية، بينما الخوف أو الغضب قد يضللانك إذا لم تكن واعياً بهما.
2. هل يُعتمَد على الحدس في القرارات؟
نعم، إذا بُني الحدس على خبرة سابقة، وليس على انفعال عابر.
3. هل القرارات العقلانية أفضل دائماً؟
القرارات العقلانية جيدة للتحليل، لكنَّ القرارات الإنسانية، مثل الزواج والاختيار المهني، تحتاج للعاطفة أيضاً.
4. هل يمكن تدريب النفس على اتخاذ قرارات متوازنة؟
نعم، من خلال الوعي الذاتي، ومراقبة المشاعر، واستخدام تقنيات التفكير البطيء.
5. متى يجب تجنب القرارات العاطفية؟
عندما تكون غاضباً، أو خائفاً، أو متوتراً بشدة، فهذه الحالات تشوِّه التقدير وتُضعف الحكم.
أضف تعليقاً