مفهوم التعاطف:
يُشيرُ ميل الطفلِ باستمرارٍ إلى التصرُّف بطرائق تؤذي الآخرين، مثل: العنف الجسدي أو اللفظي، إلى أنَّ مفهومه عن التعاطف لم يتطوَّر بعد، ولم يمتلك القدرة على فهم تأثير أفعاله في الآخرين.
يمكنُ ملاحظة تطوُّر التعاطف لدى الطفل من خلال مراقبته في أثناء مشاهدة الأفلام، فهنالك دلائل تشير إلى أنَّ الطفل يكافح لتطوير التعاطف لديه؛ كعدم قدرته على التفاعل مع مشاعر الشخصيَّات، فمثلاً: لا يخاف عندما تخاف الشخصيَّة، ولا يبدي ردَّ فعلٍ عندما تشعر الشخصيَّة بالألم.
كما لا يمكننا إغفال حقيقة أنَّنا لا نشعر بالتعاطف بنفس القدر مع جميع الأشخاص، فنحن نميل للتعاطف مع أولئك الذين نعدُّهم جزءاً من "مجموعتنا" بينما نميل إلى افتراض الأشياء السلبيَّة تجاه الأفراد في "المجموعة الأخرى"، بمعنى أوضح؛ يجب محاربة الانحياز عند تكوين الانتماءات القوية لـ "مجموعاتنا" وعدم حصر التَّعاطف بالأشخاص الذين نعتقد أنَّهم مماثلون لنا؛ لكي نتمكَّن من تقديم أنموذجٍ صالحٍ لأطفالنا.
ما هو التعاطف؟
التعاطفُ هو القدرة على فهم وتقدير مشاعر وخبرات شخص آخر، فهو مهارةٌ يمكن تعلُّمها وتحسينها بالممارسة، ويساعد التعاطف على تحسين العلاقات والتَّواصل والتَّعاون والتَّفاهم مع الآخرين.
ينقسم التعاطف إلى أنواع مختلفة، مثل: التعاطف المعرفي، والعاطفي، والجسدي، والروحي، ويعبِّر كلُّ نوعٍ عن مستوى مختلف من الاندماج مع الشخص الآخر.
علامات التعاطف:
التعاطف هو القدرة على فهم شعور الآخرين والإحساس بمشاعرهم، وله العديد من الفوائد على الصِّحة الاجتماعيَّة والعاطفيَّة.
بعض علامات التعاطف هي:
- أنتَ جيِّدٌ في الاستماع بشكل حقيقي لما يقوله الآخرون.
- أنتَ جيِّدٌ في التعرُّف إلى مشاعر الآخرين.
- تفكِّرُ كثيراً في مشاعر الآخرين.
- تهتمُّ بشدَّة بالآخرين.
- تحاولُ مساعدة الآخرين الذين يعانون.
- تؤثِّر الأحداث المأساوية فيك بشدَّة.
- أنتَ جيِّدٌ في الملاحظة عندما لا يكون الناس صادقين.
كيف تُعلِّم أطفالك التعاطف؟
التعاطفُ هو القدرة على فهم وتقدير أفكار ومشاعر وتجارب شخص آخر، فهو مهارةٌ يمكن تعلُّمها وتحسينها من خلال الممارسة. فيما يأتي بعض النصائح عن كيفيَّة تعليم التعاطف لأطفالك:
1. أظهر التعاطف مع الأطفال عندما يغضبون:
يمكنك إذا كنتَ حسَّاساً لمشاعر الأطفال، أنْ تساعدَهم على فهم كيفيَّة تعامل الناس مع الآخرين عندما يظهرون التعاطف، إليك كيف يمكن أن يبدو ذلك:
على سبيل المثال، عندما تُحَضِّر العشاء ويطالب طفلك بـ "الآيس كريم" فبدلاً من الغضب، حاول إخباره أنَّك تفهم ذلك الشعور، قد تقول: "أعلمُ أنَّك تريد "الآيس كريم" الآن، ولكنَّ القاعدة هي العشاء أولاً، ثمَّ الحلوى، دعنا نكتب على السبُّورة بالضبط متى يمكنك أنْ تتناولَ "الآيس كريم".
شاهد بالفيديو: كيف يمكن للآباء أن يتعاملوا مع نوبات غضب أطفالهم؟
2. ناقش استراتيجيات بديلة:
افعلْ ذلك عندما يكون طفلك هادئاً، وليس في لحظة الغضب، قد تقول: "لقد قمتَ بعملٍ جيِّد بالانتظار حتى بعد العشاء لتتناول "الآيس كريم" ولكن ماذا يمكننا أن نقول أو نفعل بدلاً من ذلك لجعل محادثتنا عنها أكثر متعة؟".
3. ارفع الوعي بالإشارات غير اللَّفظية:
يواجه الأطفال الذين لديهم مشكلات في المهارات الاجتماعية - غالباً - صعوبةً في التعرُّف إلى الدلائل الاجتماعية، على سبيل المثال: قد لا يفهمون إشارة العيون المنخفضة، والوضعيَّة المنحنية كـ "إشارة للحزن".
قد يحتاجون إلى مساعدةٍ للتعرُّف إلى الرسائل من أنواع مختلفة من لغة الجسد، وتعبيرات الوجه، وأنماط الصوت، ومعرفة معنى كل منها.
جرِّبْ جعلَهم ينظرون إلى الصور أو يشاهدون برامج تلفزيونية من دون صوت، ويمكنك مساعدة طفلك على تحديد ووصف مشاعر الأشخاص على التلفاز، هذا تمرينٌ جيِّد للتعرُّف إلى علامات المشاعر المختلفة في الحياة الواقعية.
4. العب ألعاباً:
يجب ألا يكون تعلُّم التعاطف مهمَّة مملَّة لطفلك، إذ يجب جعله ممتعاً، فاجلُسْ على مقعد في الملعب أو في المركز التجاري مع طفلك، ثمَّ حاول تخمين مزاج الناس الذين يمرُّون بجوارك، واشرحْ العلامات التي جعلتك تعتقدُ أنَّ الشخص كان سعيداً، أو حزيناً، أو غاضباً.
5. مثل سيناريوهات مختلفة:
يواجه بعض الأطفال الذين لديهم مشكلات في المهارات الاجتماعية، أو مشكلات في الانتباه صعوبةً في تخيُّل كيف يشعر شخصٌ آخر، ويمكن أن يكون ذلك صحيحاً في الحالات اليومية أو في حالات أكثر جديَّة، مثل: عندما يتعامل صديقك أو أحد أفراد العائلة مع الحزن، مَثِّلْ عدم دعوته إلى حفلة عيد ميلاد، يمكن لهذا الأمر أن يجعل الأمر أسهل على طفلك عنما يعلم وجهة نظر شخص آخر.
6. قدِّم أنموذجاً للتعاطف في اللحظة:
عندما يظهر طفلك نقصاً في التعاطف في موقف اجتماعي، قَدِّمْ أنموذجاً للتعاطف، على سبيل المثال: قد يُسقِط طفلٌ ما مشروعه الفنِّي في أثناء المشي إلى المدرسة، فيضحك طفلك عليه، فتشعر بالرغبة في تصحيح ما اقترفه طفلك على الفور.
بدلاً من ذلك، تدخَّلْ لمساعدة الطفل الآخر، قد تقول: "هل يمكنني مساعدتك في إصلاحه؟ دعنا نساعدك في حمل كتبك".
7. قدِّم الحيوانات الأليفة في المناقشات المتعلقة بالمشاعر:
يمكن أنْ تخفِّفَ هذه الاستراتيجية من النقاش، على سبيل المثال: عندما تكون قطَّتك عند النافذة، مستغرقةً في مشاهدة طائر، يمكنك أن تسأل: "ما الذي تعتقد أنَّها تفكِّر فيه؟ هل هو وقت جيد لمداعبتها؟" إذا كان الكلب يتراقص فرحاً عندما يمرُّ طفلك عبر الباب، فاسأله: "هل سيشعر بالحزن إذا تجاهلته؟".
8. كن مستعداً لتغيير التكتيكات قليلاً:
إذا لم تكن الاستراتيجية "كيف ستشعر..." مناسبة، فانتقل إلى نفسك، فالتحدُّث عن كيف شعرتَ - بدلاً من جعل طفلك محور الأحداث - يمكن أن يكون تغييراً دقيقاً ومفيداً، فهو يساعد طفلك على التركيز على مشاعر شخص آخر، ويمكن أنْ يجعلَ النِّقاش يبدو أقلَّ توتراً لطفلٍ متعب من "الحديث" عن المهارات الاجتماعية.
أنواع التعاطف:
التعاطف له ثلاثة أنواع: المعرفي، والعاطفي، والرحيم، وفيما يأتي شرحٌ مُختصَرٌ عن كلِّ نوع:
1. التعاطف المعرفي:
القدرة على وضع نفسك في مكان شخصٍ آخر ورؤية وجهة نظره، فهو عمليَّة عقلانيَّة ومنطقيَّة لا تنطوي بالضرورة على الشعور بأي انفعال، ويمكن أنْ يكونَ مفيداً للمفاوضات، والإدارة، وحلِّ المشكلات.
2. التعاطف العاطفي:
القدرة على مشاركة مشاعر شخصٍ آخر والشعور بها، فهو عمليَّة عاطفيَّة وغريزيَّة يمكن أنْ تؤدِّي إلى ضيقٍ شخصي، أو قلق على الآخرين، ويمكن أنْ يكون مفيداً في رعاية الآخرين، ودعمهم، والتواصل معهم.
3. التعاطف الرَّحيم:
القدرة على الفهم والشعور والاستجابة لاحتياجات شخصٍ آخر، فهو عمليَّة متوازنة واستباقيَّة تتضمَّن التفكير والشعور، ويمكنُ أنْ يحفِّزك على مساعدة الآخرين، وإراحتهم، وتحسين وضعهم.
ما هي فوائد التعاطف؟
التعاطف هو القدرة على فهم شعور الآخرين والإحساس بمشاعرهم، ويمكن أنْ يكون له العديد من الفوائد على صحتك الاجتماعية والعاطفية.
بعض فوائد التعاطف هي:
- يمكن أنْ يحسِّنَ العلاقات الخاصة بجعلِك أكثر توجُّهاً لاحتياجات وتفضيلات وآراء الآخرين.
- يمكن أنْ يقلِّلَ التوتر والصراع من خلال مساعدتك على التواصُل بشكل أكثر فاعليَّة، وحلِّ الخلافات بشكلٍ أسلَم.
- يمكن أنْ يعزِّز إبداعك، ويطوِّر مهارات حلِّ المشكلات لديك من خلال تمكينك من النظر من زوايا مختلفة، وتوليد أفكار جديدة.
- يمكن أنْ يعزِّزَ ثقتك بنفسك من خلال جعلك أكثر وعياً بقيَمك ونقاط قوَّتك.
- يمكن أنْ يعزِّز الرأفة والإيثار من خلال تحفيزك على مساعدة الآخرين الذين يعانون أو يحتاجون إلى المساعدة.
- يمكن أنْ يزيدَ من سعادتك ورضاك عن طريق جعلك أكثر امتناناً لما تملك، وأكثر تعاطفاً مع ما يفتقر إليه الآخرون.
- يمكن أن يعزِّز العدالة الاجتماعية والوئام من خلال تقليل التحيُّز، والتَّمييز، والعنف ضد الفئات المهمشة.
تأثير التعاطف:
يمكن أن تؤثِّر قدرتك على تجربة التعاطف في علاقاتك، فقد وجدت الدراسات التي أُجريَت على الأشقَّاء أنَّه عندما يكون التعاطف مرتفعاً، يكون لدى الأشقَّاء صراعٌ أقل وتقديرٌ أكثر لبعضهم بعضاً، وفي العلاقات الرومانسية، يزيد التعاطف من قدرتك على التسامُح.
لا يشعر الجميع بالتعاطف في كُلِّ موقف، فقد يكون بعض الأشخاص أكثر تعاطفاً بشكل عام، ولكن يميل الناس أيضاً إلى الشُّعور بتعاطفٍ أكبر تجاه بعض الأشخاص، وأقلَّ تجاه الآخرين.
من العوامل التي تؤدي دوراً في هذا الجانب ما يأتي:
- كيف تتصوَّر الشَّخص الآخر؟
- كيف تنسبُ سلوكات الفرد الآخر؟
- من الذي تلومه على مأزق الشخص الآخر؟
- تجاربك وتوقُّعاتك السابقة.
بشكلٍ عام، يوجد عاملان رئيسان يساهمان في القدرة على تجربة التعاطف: الوراثة، والتنشئة الاجتماعية، فالأمر يتلخَّصُ في المساهمات النسبيَّة القديمة للطبيعة والتنشئة.
يُمرِّر الآباء الجينات التي تساهم في الشخصية الشاملة، ومن ذلك الميل نحو التعاطف والرحمة، من ناحية أخرى، ينشأ الأشخاص اجتماعياً من خلال والديهم وأقرانهم ومجتمعاتهم.
إنَّ الطريقة التي يُعامل فيها الناس الآخرين، وكذلك ما يشعرون به تجاههم، غالباً ما تكون انعكاساً للمعتقدات والقيَم التي غُرِسَت في سنٍّ مبكرة جدَّاً.
في الختام:
عَرضنا في مقالنا بعض المعلومات والنصائح عن مفهوم التعاطف، وأنواعه، وفوائده، وكيفية تعليمه للأطفال، ونأمل أنْ نكون قد أفدناكم، وأثرينا معرفتكم بهذا الموضوع الهام والمفيد.
إنَّ التعاطف هو مهارة حياتيَّة تساعد على بناء علاقات إيجابيَّة وسلميَّة مع الذات والآخرين، وتنمية القيم الأخلاقية والإنسانية، وتحقيق السعادة والرضى؛ لذلك علينا أنْ نحرصَ على تنمية التعاطف لدينا، ولدى أطفالنا من خلال التعلُّم والتَّدريب والممارسة، وأن نستفيدَ من الوسائل والأدوات المتاحة لتحقيق ذلك، مثل القصص القصيرة والنشاطات التفاعليَّة والأمثلة الحية.
أضف تعليقاً