Top
مدة القراءة: 6 دقيقة

كيف أنجح في التعامل مع غضب المريض - الجزء (3)

كيف أنجح في التعامل مع غضب المريض - الجزء (3)
مشاركة 
الرابط المختصر

من الطبيعيّ جداً أن يخرج المريض من المستشفى وهو راضٍ عن مستوى الخدمة التي قُدّمت إليه؛ فهو يدخل إليها كي يتلقّى العلاج المناسب. ولكنّ هذا لا يحدث دوماً في حقيقة الأمر، إذ قد تمرّ تجربة المريض بأوقاتٍ غير مستحبّة؛ فأحياناً يحدث تأخيرٌ في الخدمة، أو صعوبةٌ في الحصول عليها. كما قد يَصعب أحياناً التواصل مع مقدّمي الخدمة، أو يحدث بطءٌ في الاستجابة. إضافةً إلى عوامل أخرى متعلّقةٌ بالمريض نفسه، والتي قد تؤثّر على تجربته. أيّاً تكن العوامل المحفزة، فالنتيجة واحدة: وهي غضب المريض.



جرثومة الغضب:

تطوّرت حالة الأستاذ "أبو حفيظة" في عمرِ الثانية والتسعين إلى ما هو أكثر من ارتفاع السكر في الدم. فقد أصبح يعاني أيضاً من قصورٍ في وظائفِ الكلى، وقد بُتِرَت قدمه اليسرى جراء ذلك. ونتيجةً ذلك فهو يُراجِع مركز غسيل الكلى بانتظام. وفي إحدى تلك المراجعات جرى تحويله من قسم غسيل الكلى إلى قسم الطوارئ؛ حيث جرى اكتشاف أنَّه يعاني من التهاب رئويٍّ حادٍ سبَبُهُ نوعٌ من البكتيريا مقاومٌ للمضادّات الحيويّة، وتقرَّرَ إبقاؤه في المستشفى وإعطاؤه أدويةً وريدية. وعند إخبار الأستاذ "أبي حفيظة" بضرورة النوم فيها، احْمَرَّ وجهه وغضب غضباً شديداً. لقد كان مؤمناً بأنَّ ذلك مُجرَّد محاولة من الطاقم الصّحّيّ للحصول على المال، لا لمعافاته من مرضه. لقد كان على يقينٍ تامٍّ بأنَّ تلك العلاجات الوريدية يمكنه أخذها ضمن جلسات غسيل الكلى. وعندما أراد الطبيب فحص قدمه المبتورة، ابتعد الأستاذ "أبو حفيظة" قائلاً: "أنت طبيبٌ سيّء، المرض الذي يتحدّثون عنه هو جرثومةٌ في الدّم لا في قدمي، لذا لا داعي لأن تكشف على قدمي أيُّها الأحمق".

والسؤال هنا: كيف يمكنك التعامل مع هذا النّوع من الغضب متصاعد الحِدّة؟ هذا ما سنناقشه في هذه المقالة.

لعبة الغضب (المرحلة الثالثة):

تحدثنا في الجزء الأول والثاني من سلسلة مقالات: "كيف أنجح في التعامل مع غضب المريض؟" عن أنَّ أفضل طريقةٍ للتعامل مع تلك المواقف هي تلافي إغضابه بادئ ذي بدء. وتعلّمنا أيضاً استراتيجيّة التلافي هذه. كما شرحنا في المرحلة الثانية كيفيّة التعامل مع الغضب من الدرجتين الأولى والثانية. وسنتحدّث في هذه المقالة بالتفصيل عن الغضب من النوع الثالث والرابع. وفي حين تبقى القواعد الأساسيّة ثابتة، تتغيّر الاستراتيجيّات ذات الصلة بها؛ وذلك كما ستكتشف لاحقاً في قادم سطورِ هذا المقال.

يجب على الشخص المهتمّ بتحسين تجربة المريض أن يتعلّم مهارات التعرّف على علامات غضب المريض؛ فهنالك مرضى لا يُبدونَ غضبهم ويُظْهِرُونَ الحِلْمَ والأناة، في حين قد تظهر على مرضى آخرينَ علامات الغضب على شكل أقوالٍ لا أفعال؛ إذ يختلف الناس من حيث إبرازُ علامات الغضب، وهنالك 6 مستويات يظهر بها غضب المريض، والتي تحدثنا عنها في مقالنا الثاني من هذه السلسلة، فتكلمنا عن المُستويين الأول والثاني؛ لذا سنتناولُ في هذا المقال خطوات التعامل مع المستويين الثالث والرابع؛ وذلك بغرض تحسين تجربة المريض والموظَّف (أي أنّنا سنعالج غضب المريض الذي يعتدي أو يهدّد بالقول).

إقرأ أيضاً: الأخطاء الطبيّة وكيفيّة تجنّبها

الرفق في مواجهة غضب المريض:

إنَّ الرفقَ أفضل طريقةٍ للتعامل مع غضب المريض من الدرجة الثالثة والرابعة وتحسين تجربته العلاجيّة. تتمحور استراتيجيّة الرفق حول تنفيس احتقان وحَنَق المريض، وإيجاد أرضيَّةٍ مشتركة معه. يُعرَّف الرفق في المعاجم بأنّه لينُ الجانبِ وهو ضدّ العنف.

يُعدُّ الرفق ثاني التقنيات التي تُستَخدَمُ لعلاج ومنع تصاعد حالة الغضب. وتُمَثّل حروف كلمة الرفق استراتيجيّة التعامل مع المريض الغاضب من الدرجة الثالثة والرابعة، والتي تتلخّص خطواتها على الشكل الآتي:

  1. حرف "ا": انفصل عن الغرور.
  2. حرف "ل": لا للمشاعر السلبيّة.
  3. حرف "ر": ركِّز على أساس المشكلة.
  4. حرف "ف": فرِّغ احتقان المريض وحَنَقَه.
  5. حرف "ق": أوجد "قاعدة" مشتركة مع المريض.

1. حرف الألف، الانفصال عن الغرور:

ويُعرَّف الغرور بأنَّه: "حُبُّ الإنسان لنفسه، والشعور المبالغ فيه بالاعتزاز بالنفس". 

وقد ينتج عنه الكراهية والحقد ونقصان التواضع. يتطلّب التعامل مع بعض المنغّصات بعضاً من التواضع؛ فقد تجد طبيباً ذو مكانةٍ مرموقةٍ يُساعدُ في تنظيف أماكن جلوس المرضى مثلاً، أو مديراً يُقدِّمُ الطعام إليهم ويقف على راحتهم.

يُساعدُ خلق ثقافة التواضع في المجتمع الصحيّ كثيراً في التعامل مع تعدد الأجناس واختلاف الثقافات. كما أنَّه من المعروف أيضاً أنَّ التواضع هو أحد الأساليب المتبعة في التحكم في غضب أو حدة الطرف الآخر. لذا يُحفِّزُ التواضع والانفصال عن الغرور في أثناء العمل المودةَ بين الناس. 

مهما يكن غضب المريض شديداً، إلا أنَّه في أغلب الأحيان لا يكون منبعه مشكلةً شخصيةً مع أفراد المؤسسة الصحيّة؛ وإنَّما يكون بسبب بعض القوانين واللوائح الناظمة لعمل المؤسسة في التعامل مع احتياجات ذلك المريض. فإذا أقحمت غرورك في هذه المشكلة، ستتحوّل إلى مشكلةٍ شخصيّة.

يحصل مثل هذا الانفصال عن الغرور عبر التخلّي عن كلمة "أنا"، مثل: "أنا" مدير، أو "أنا" طبيب، أو "أنا" أعلم منه، أو "أنا" من الجنسيّة الفلانية. ويبقى السؤال هو: ماذا كنت ستفعل في هذا الموقف إذا لم تكن "مديراً" أو "طبيباً" أو "أعلم منه" أو كنتَ "من نفس جنسيته"؟ 

عندما يتجرّد الإنسان من مسماه تتفتّح في وجهه آفاقٌ كثيرةٌ للمساعدة وإيجاد الحلول؛ لهذا كان الانفصال عن الغرور ركيزةً أساسيّةً في التعامل مع "المريض الغاضب" وتحسين تجربته. إنَّ التعامل مع لعبة الغضب يتطلّب منك أن تترك مسمَّاك خارج المكان الذي تمارس فيه مهنة الطِّب.

2. حرف اللام، لا للمشاعر السلبيَّة:

تسلُبُكَ المشاعر السلبيَّة القدرةَ على التركيز بحكمة وعقلانيّة، وتتعدّد مصادرها لتشمل عوامل خارجيَّة مثل التصرفات المزعجة التي تصدر عن المريض، أو المدير الذي يضغط على موظفيه، أو منظومة العمل غير المحفزة؛ وعوامل داخليَّة تتأثر بنظرة الشخص تجاه حياته وتفسيره لواقعه. 

تتكوّن المشاعر السلبيَّة من خليطِ مشاعرَ أساسيَّة هي: الغضب والخوف والحزن والاشمئزاز. وحين تدخل إلى لعبة الغضب حاملاً معك هذه المشاعر، فإنَّك تخاطر في الوقوع في أخطاء قد تزيد من درجة الغضب وتُفَاقِمُ من حِدّةِ الموقف. 

وفي حين يكون من الطبيعيّ أن تُعالِجَ مثل تلك المواقف بروحٍ إيجابيّةٍ عالية، بُغيةَ المساعدة على تحسين تجربة المريض؛ بيد أنَّ الواقع يُحتِّمُ علينا أحياناً أن نحيد عمَّا هو طبيعيٌّ ومألوف. وأفضلُ ما يمكن أن يساعدك على تخطي هذا النوع من التحديات هو صقل مهاراتك في الذّكاء العاطفيّ؛ والذي من شأنه أن يُعلِّمك كيف تكون واعياً بذاتك، وكيف تتحكّم بمشاعرك وتحفِّزَ نفسك وتتعاطف مع الآخرين وتؤثّر فيهم؛ وذلك من خلال اكتساب مهارات التعامل مع جميع أطياف المجتمع.

إقرأ أيضاً: 30 قول وحكمة عن أهمية التواضع

3. حرف الراء، ركّز على أساس المشكلة:

لقد ذكرنا في خطوة الانفصال عن الغرور أنَّ الغضب لا يكون أمراً شخصياً في أغلب الأحيان. ولكن في حالة الغضب من النوع الثالث والرابع، يكون من السهل جداً نسيان ذلك الأمر لأنَّ الاعتداء على الآخرين "يُشخصِنُ" الأمور (إن صح التعبير). فإذا أصابك الخوف أو الغضب بسبب تعدّي المريض عليك بالقول، فمن السهل أن تستجيب لذلك بسرعةٍ بهدف استرداد كرامتك. ولكن تذَكَّر، يجب عليك أن تتأنّى في استجابتك وأن تَرفِقَ بالمريض، وتُرَكِّزَ على أساس المشكلة التي جعلته يغضب، وليس على الكرامة.

4. حرف الفاء، فرِّغ احتقان المريض وحَنَقَه:

تكون مهارات التواصل مفيدةً جداً في هذه المرحلة. حيث أنَّك تريد هنا أن تستمِعَ إلى المريض وتُرَدّدَ ما يقوله بذكاءٍ وحكمةٍ تُشعِرُه بأنَّك مهتمٌّ لأمره وتريد الوصول إلى أساس المشكلة. فتقوم في هذه الحالة بإشعاره بأنَّ كلامه "صحيح"، وأنَّ هنالك مشكلة؛ لأنَّك إن لم تفعل، فستزيد من غضبه.

المهارة الثانية التي تساعد في مثل هذه الحالة هي أن تُغيِّر البيئة التي أحدثت هذا النوع من الغضب؛ فالغضب يُفْقِدُ الإنسان قدرته على التفكير السَوِي. ولعلَّكَ قد تتذكر شخصاً قال الكثير من الكلام المُسيء حينما كان غاضباً، ثمّ أتى ليعتذر فيما بعد عمّا قد قاله. هذهِ المهارة أشبه بعمل حارس الشاطئ الذي يُخرِجُ الشخص من الماءِ عندما يراه يغرق.

كما إنَّه لمن الضروري جداً إعطاء وقتٍ كافٍ للمريض لكي يتحدّث ويُرَوِّحَ عن نفسه؛ فلا يجب استعجالُهُ أبداً، ولا يتعيَّنُ عليك الدفاع عن نفسك ولا عن مؤسستك في هذه اللحظة. وتذكّر أنَّ هذا المريض يظنّ أنَّه "مُصيبٌ" بما يقوله. وكما تظلّ طَنْجَرَة الضغط تصدر صفيراً إلى أن ينخفض الضغط بداخلها، تُسرِّعُ مهارات الاستماع الفعال وطرح الأسئلة الاستيضاحية في تسريع عمليّة تفريغ الغضب الذي "يغلي ويفورُ" في نفس المريض.

5. حرف القاف، أوجد "قاعدةً مشتركةً" مع المريض:

القاعدة المشتركة التي تريد أن تصل إليها مع المريض هي الاتفاق على بعض الأمور الصغيرة في أثناء استماعك إليهِ أثناء عملية تفريغِهِ من الغضب. حيثُ تساعدك هذه الاتفاقات الصغيرة في بناء الثقة مجدداً بينك وبينه؛ وذلك لأَّنه سيشعرُ أنَّ هنالك من يفهمهُ ويكون أهلاً لثقته. لذا يتعيَّن عليك ألا تُضَيِّعَ أيَّ فرصةٍ تُمكِّنُكَ من التوافق مع المريض. وذلك يكون بأن تحصل منه في أثناء استماعك إليه على عبارة "نعم، نحن متوافقين".

مثال: عندما تتحدث إلى المريض سائلاً إيَّاه: "لقد فهمت منك سيد....... أنَّه لم تَجْرِ خدمتك بالشكل المطلوب، وفي الوقت المحدد. هل فهمتك بشكلٍ صحيح؟"، فيُجيبك قائلاً: "نعم، لقد فهمتني، وأضِف إلى ذلك............". وتكون بهذا قد حَصَلْتَ على نقطة توافق تؤهّلك لتبني عليها مستقبلاً. وكذلك فإنَّك بقيامك بهذا تُقَرِّبُ المسافة وتزيل الشعور بالاختلاف بينك وبين المريض.

إقرأ أيضاً: الذكاء العاطفي وأهميته في العلاقات مع الآخرين

ماذا بعد الرفق؟

تذكَّر أنَّ الغاية الرئيسة من الرفق هي تفريغ غضب المريض والوصول إلى أرضيةٍ مشتركة فيما بينكما، والتي تكون المدخل الأساسَ لاستراتيجية الإحسان التي ذُكِرَت في الجزء الثاني من سلسلة هذه المقالة: "كيف أنجحُ في التعامل مع غضب المريض - الجزء (2)". لذا يكون من المفيد جداً الاستجابة لهذا المريض والتعاطف معه؛ وذلكَ بُغيةَ إيجاد حلٍّ لمشكلته ومن ثم تنفيذه.

ختاماً:

إن عدم ثقة السيد "أبو حفيظة" في نوايا الكادر الطبي في غرفة الطوارئ كانت بمثابة أرضيَّةٍ خصبة ليَنْبُتَ عليها الغضب. فقد كان موقناً بأنَّ الغرض من إدخاله إلى المستشفى هو الحصول على مالِهْ، وليس علاجه. لهذا لم يقتنع بأنَّ عدم علاج هذا النوع من البكتيريا الذي يستعصي على بعض المضادات الحيوية قد يوثر على صحته سلباً وبصورةٍ سريعة. ولم يتفهّم كذلك لماذا يريد طبيب غرفة الطوارئ الكشف على قدمِهِ المبتورة، ولم يعلم أنَّ الطبيبَ يبحث عن مصدر ذلك الدَّاء ومُضَاعفاته. تطوّر غضب ذلك المريض ليصعد درجاتٍ أعلى في سُلّمِ الغضب إلى درجةِ الاعتداء بالقول على الطبيب.

بإمكان هذا الطبيب استخدام إحدى تقنيات عدم مفاقمة الغضب؛ والتي تتمثّل في استراتيجيّة "الرفق" بهذا المريض. ثم يمكنه بعدئذٍ استخدام استراتيجية "الإحسان" إليه. فمن المُرَجّح جداً أنّه بعد شرحِ وتوضيحِ السَّبب الذي يَستدعي الدخول إلى المُستشفى أن تكون استجابة السيد "أبو حفيظة" مختلفةً عن الغضب. وبالتالي سيستجيب إلى العلاج ويعتذر إلى الطبيب عَمّا بدر منه في حالة غضب.

لكن ماذا لو سيطر الغضب على السيد أبو حفيظة ودفعَهُ إلى الاعتداء الجسدي أو تخريب ممتلكات المؤسسة الطبيّة؟ وماذا لو ارتقى في سُلَّمِ الغضب إلى المستويَين الخامس والسادس؟ ماذا كنت لتفعل عزيزي القارئ؟ هذا ما سَنَتَنَاولُه في المقالة الأخيرة القادمة.

 

المراجع: 1، 2، 3، 4، 5


تنويه: يمنع نقل هذا المقال كما هو أو استخدامه في أي مكان آخر تحت طائلة المساءلة القانونية، ويمكن استخدام فقرات أو أجزاء منه بعد الحصول على موافقة رسمية من إدارة النجاح نت.

المقالات المرتبطة بــ: كيف أنجح في التعامل مع غضب المريض - الجزء (3)






تعليقات الموقع