Top
مدة القراءة: 6 دقيقة

كيف أنجح في التعامل مع غضب المريض - الجزء (1)

كيف أنجح في التعامل مع غضب المريض - الجزء (1)
مشاركة 
الرابط المختصر

من الطبيعي جداً أن يخرج المريض من المشفى وهو راضٍ عن مستوى الخدمة التي قُدّمت إليه؛ فهو يدخل إليها كي يتلقى العلاج المناسب. ولكن هذا لا يحدث دوماً في حقيقة الأمر، إذ قد تمرّ تجربة المريض بأوقات غير مستحبّة؛ فأحياناً يحدث تأخيرٌ في الخدمة، أو صعوبةٌ في الحصول عليها. كما قد يَصْعبُ أحياناً التواصل مع مقدّمي الخدمة، أو يحدث بطءٌ في الاستجابة. إضافةً إلى عوامل أخرى متعلّقة بالمريض نفسه، والتي قد تؤثر على تجربته. أيّاً تكن العوامل المحفزة، فالنتيجة واحدة: وهي غضب المريض.



مرحلة التحضير لمواجهة الغضب:

لكلّ لعبةٍ قواعد، لذا يجب على الشخص الذي سيتعامل مع غضب المريض أن يعلم أنَّه أمام فرصةٍ متخفيةٍ تحت ستار الغضب، والتي قد تكون لبنة أولى لبناء علاقةٍ تدوم طويلاً. لعلك قد تذكر عزيزي القارئ بعض الأصدقاء الذين بدأت علاقتك بهم بعد مواجهةٍ اتسمت ببعض الحدّة فيما بينكم، لتتحوّل تلك المواجهة إلى علاقةٍ فريدةٍ في حياتك.

عند النجاح في حلّ مشكلات المريض، يرتفع مستوى الرضا لديه، ويرتفع معه مستوى الارتباط والوفاء تجاهك، يحدث هذا بشكلٍ ملحوظٍ ومُقارَنٍ مع مرضى آخرين لم تواجههم أيّ مشاكل. لذا يجب على الشخص الذي سيتعامل مع غضب المريض، أن يقوم بخطواتٍ فوريّةٍ لتصحيح الموقف. بمعنى آخر، يتطلّب هذا مواجهة الموقف لا التهرّب منه، ممّا يعني أيضاً ضرورة الحصول على المعرفة اللازمة، وإتقان المهارات التي تؤدي إلى اكتساب الثقة في المواقف الصعبة، وتحسين تجربة المريض.

تتضمّن بعض المعارف المُتعلّقة بالتعامل مع غضب المريض وتحسين تجربته، معرفة أسباب الغضب ودرجاته، وامتلاك مهارات التواصل ومهارات حلّ المشكلات ومهارات البرمجة اللغوية العصبية، ومهارات الذكاء العاطفي ومهارات القيادة.

إقرأ أيضاً: كيف يمكن للذّكاء العاطفي أن يُحَسِّن من أدائك في العمل؟

الوقاية خيرٌ من العلاج:

إنَّ أفضل طريقةٍ للتعامل مع المريض الغاضب هي تلافي إغضابه، والتعامل مع المُنغّصات قبل أن يأخذ الغضب مجراه، اشتكى لي أحد أصدقائي من أنَّ زوجته دائماً ما تتعمَّد إغضابه، وأنَّه لا يدري كيف يتعامل مع هذا الموقف. فسألته إن كان هو أيضاً يتعمّد إغاظتها، فنفى ذلك. فسألته عن الأشياء التي تُغضب زوجته إن فعلها عمداً، فأخذ يعدّد لي أشياءً كثيرةً من ضمنها بعض الأفعال اللاإرادية التي تفتح باب غضبها عن غير قصدٍ منه؛ مثل الانشغال بهاتفه المحمول بعد عودته من العمل، أو ترك باب خزانة الملابس مفتوحاً بعد أن يأخذ ملابسه.

وبعد كتابة قائمة لا بأس بها من الطرائق المؤدية لإغضاب زوجته، وجد صديقي أنَّه يُسهم لا إرادياً؛ في خلق بيئةٍ تساعد على وجود الغضب. وبعد أن عمل على التقليل من المنغصات في المنزل، قلَّت المواقف المزعجة إلى حدٍّ كبير.

إنَّ بيئة المستشفيات في وقتنا الحالي مليئة بالكثير من المنغصات. فمثلاً؛ عندما تقف في بوابة الطوارئ، ترى المرضى مصطفين للتسجيل، والممرضات يركضن بين المرضى، مع وجود عددٍ قليلٍ من الأطباء لخدمتهم. كما تسمع أصوات بكاء الأطفال وأنين المتألمين. وقد تسمع شجار أحدهم مع الموظفين بسبب طول الإنتظار.

إن حدث ذلك، سينتابك إحساسٌ بعدم الأهميّة، وقد تفكر في الرجوع من حيث أتيت. وقد ينتابك الفضول أحياناً في أن تمتحن صبرك؛ وذلك لتقديرك للضغط الحاصل على الموظفين، مع حرصهم على أنْ تلقَ أفضل خدمةٍ في أسرعٍ وقتٍ ممكن. لهذا السبب تحديداً، استُحدثت وظيفة "الخبير في تجربة المريض" والتي تهدف إلى تحسين جودة التجربة التي يحصل عليها المريض.

هناك استراتيجيةٌ للوقاية من غضب المرضى، والتي تتمثّل في التعامل مع آلامهم؛ فغالباً ما يكون الألم هو الدافع الأساس وراء حضور المريض للمستشفى. لذا عندما يواجه المنغصات، ستظهر عليه علامات المرحلة الأولى من الغضب؛ وهي الانزعاج.

لذا نوصي في هذا المقال باتباع استراتيجيةٍ تُقصي الألم والانزعاج، قبل أن يتطوّر إلى مرحلةٍ أخرى قد تكون أصعب في العلاج. تَحْمِلُ كلمة "ألم" حروف تلك الاستراتيجية، وهي:

  1. حرف "ا": الانفصال عن الغرور.
  2. حرف "ل": لا للمشاعر السلبية، نعم للمشاعر الإيجابية.
  3. حرف "م": مبادرة.

1. حرف الألف "ا"، الانفصال عن الغرور:

الغرور هو ذلك الشعور بالاعتزاز بالنفس وحبّ الإنسان لنفسه، وقد ينتج عنه الكراهية والحقد وقلّة التواضع. والتعامل مع بعض المُنغصات يحتاج إلى التواضع. فمثلاً؛ قد تجد طبيباً ذو مكانةٍ مرموقة يُساعد في تنظيف مكان جلوس المرضى، أو مديراً يقدم الطعام لبعضهم ويقف على راحتهم.

يساعد الوصول إلى ثقافة التواضع في المجتمع الصحي كثيراً في التعامل مع تعدد الأجناس واختلاف الثقافات، كما إنَّه لمن المعلوم أنَّ التواضع هو أحد الأساليب المتبعة في التحكم في غضب أو حدة الطرف الآخر.

يحدث الانفصال عن الغرور بالتخلّي عن كلمة "أنا"، مثل: "أنا" مدير، أو "أنا" طبيب، أو "أنا" أعلم منه، أو "أنا" من الجنسية الفلانية. ويبقى السؤال: ماذا كنت ستفعل في هذا الموقف إذا لم تكن مديراً أو طبيباً أو أعلم منه أو من نفس جنسيته؟

عندما يتجرّد الإنسان من مسماه، تتفتح له آفاق كثيرة للمساعدة وإيجاد الحلول. لهذا كان الانفصال عن الغرور ركيزةً أساسيّةً في التعامل مع المريض الغاضب وتحسين تجربته. يتطلّب الدخول في لعبة الغضب منك أن تترك مسماك -أياً كان- خارجاً.

2. حرف اللام "ل"، لا للمشاعر السلبية، نعم للمشاعر الإيجابية:

تسلُبُكَ المشاعر السلبية القوّة في التركيز بحكمة وعقلانية، حيث تتعدّد مصادر هذه المشاعر، فمنها ما يكون منبعه خارجياً، مثل تصرّف المريض المزعج، أو المدير الذي يضغط على موظفيه، أو منظومة العمل غير المحفزة. وقد يكون منبعها داخلياً يتأثر بنظرة الشخص تجاه الحياة وتفسيره لواقعه.

تتكوّن المشاعر السلبية من خليطٍ بين مشاعر أساسيّة هي: الغضب والخوف والحزن والاشمئزاز. إنَّ دخولك في لعبة الغضب حاملاً معك هذه المشاعر قد يفاقم من حدة الموقف ويزيد من درجة الإنزعاج والغضب.

إنَّه لمن الطبيعي أن تتدخل لعلاج الغضب بروحٍ إيجابيّةٍ عالية، وأن تفرح بمساعدة وتحسين تجربة المريض، لكن يُحتِّم علينا الواقع أحياناً أن نحيد عن ما هو طبيعي. يمكن لصقل مهاراتك في الذكاء العاطفي، أن يساعدك في تخطي هذا النوع من التحديات؛ إذ يُعلّمك كيف تكون واعياً بذاتك، وكيف تتحكم بمشاعرك وتحفز نفسك وتتعاطف مع الآخرين وتؤثر فيهم.

3. حرف الميم "م"، مبادرة:

قامت الممرضة "كيت جرانجر Kate Granger" بمبادرة كبيرة. فقد كانت تعمل في دار للعناية بكبار السن، وتحظى بمحبة الجميع وإخلاصهم. فهي متواضعة دائماً، وسعيدةٌ بعملها مع المرضى. وكلما رأت شخصاً بحاجةٍ إلى مساعدةٍ ما؛ هرعت إليه تمُدُّ يد العون. ولا تخرج من فمها كلمات الشكر والثناء.

حتى جاء ذلك اليوم الذي اكتشفت فيه أنَّها تحمل داءً يستعصي علاجه على الأطباء. فتحولت "كيت" بين يوم وليلة من مقدم خدمة إلى مستقبل لها. حينها، رأت العالم من منظور المرضى وعاشت تجربتهم. فلاحظت أنَّ الكادر الطبي يدخل عليها ويتحدث بلغةٍ يَصعُبُ فهمها. ثم يخرج لتأتي الممرضة بأدوات لسحب الدم من غير تفسير لما يجري.

لتُحقنَ بعد ذلك بدواء قد يكون ضرره أكثر من نفعه. لذا حاولت "كيت" الحصول على عطف الكادر الطبي دون جدوى. فقررت أن تبدأ حملة مبادرة (هاشتاغ) بعنوان: "#مرحباً_أنا_أدعى" (hellomynameis#) والتي انتشرت على نطاقٍ واسع. ارتكزت الحملة على أربعة محاور:

  • ضرورة التواصل الفعال بين الكادر الطبي والمريض.
  • ضرورة فهم أنّ أشياء صغيرة، تحدث فارقاً كبيراً في تجربة المريض؛ مثل أن تعرّف عن نفسك بعبارة: "مرحبا أنا اسمي .... " والابتسامة تعلو مُحيَّاك.
  • ضرورة إشراك المريض في الخطة العلاجية.
  • ضرورة أن يُعاملَ المريض كإنسان.

تساعد المبادرة في التعامل مع المنغصات في القطاع الصحي على تلافي الإزعاج ومنع تطوره ليصل إلى مرحلة الغضب؛ فمبادرات صغيرة قد تحدث فرقاً كبيراً كما ذكرت "كيت"، إذ تخفف هذه المبادرات الكثير من الألم النفسي الذي قد يواجهه المريض. إنَّ المجال الصحي هو أكثر الأماكن التي يمكن الحصول فيها على حسنات؛ فإذا كان ابتسامك في وجه أخيك صدقة، فكيف بها في وجه المريض!!

إقرأ أيضاً: 3 مهارات يتقنها الأشخاص الذين يتمتعون بالذكاء العاطفي

ختاماً:

توجد عوامل كثيرة قد ينتج عنها غضب المريض، وتضطر العاملين في المجال الصحي إلى دخول لعبة الغضب وإنقاذ ما يمكن إنقاذه. ولعبة الغضب -مثلها مثل أيّ لعبةٍ أخرى- لها أساسيات وقواعد ومعارف وعلوم ومهارات وطرائق تفكير.

إنَّ أفضل طريقةٍ للتعامل مع غضب المريض هي تلافي إغضابه، والتعامل مع المنغصات التي قد يواجهها. وتتمثل استراتيجية التلافي تلك في التعامل مع ألمه الذي يتسبب في إزعاجه. أساس هذه الاستراتيجية هو الإنفصال عن الغرور وتبنّي التواضع في التعامل، وقول لا للمشاعر السلبية ونعم للمشاعر الإيجابية.

كان هذا الجزء الأول من سلسلة "كيف أنجح في التعامل مع غضب المريض"، لذا تابعنا عزيزي القارئ في الجزء الثاني من هذه السلسلة.

 

المراجع: 1 2 3


تنويه: يمنع نقل هذا المقال كما هو أو استخدامه في أي مكان آخر تحت طائلة المساءلة القانونية، ويمكن استخدام فقرات أو أجزاء منه بعد الحصول على موافقة رسمية من إدارة النجاح نت.

المقالات المرتبطة بــ: كيف أنجح في التعامل مع غضب المريض - الجزء (1)






تعليقات الموقع