فن اللامبالاة لعيش حياة تخالف المألوف هو كتاب رائع في التنمية البشرية للمؤلف العالمي الشهير مارك مانسون والذي يتحدّث فيهِ على أنّ الإنسان لا يجب بالضرورة أن يكونَ إيجابيّاً طوال الوقت، وأنّ المفتاح إلى بشر أكثر قوة وسعادة كامن في التعامل مع الشدائد تعاملاً أفضل، فيما يلي سنقوم بتلخيص مجموعة من أهم الأفكار الواردة في كتاب فن اللامبالاة.

أولاً: لا تُحاول

في هذا الفصل يتحدث الكاتب عن قصة بطل مُكافح يعمل وبكل جهد للوصول إلى أحلامه وطموحاته، وينجح بالفعل في تحقيقها، لكنه وبعد وفاته كتب على قبرهِ عبارة (لا تحاول)، هذهِ العبارة الغريبة التي لم يتوقع أحد أن تكتب على قبر هذا الشخص الطموح والذي سعى لتحقيق النجاح الساحق بعد سنين من الفشل، إلّا أنّ البطل لم يتنازل عن عرش فشله، ورأى بأنّ نجاحه ليس فوزاً، بل إنّه شخص فاشل وهو يتقبل هذهِ الحقيقة بالرغم من كل شيئ، ويحس بالراحة تجاه نفسه فهو بالنهاية لم يصبح شهيراً عن طريق تحوله لشخص أفضل، بل نجح من شدة فشله.

وهذا ما عبر عنه الكاتب من خلال كتاب فن اللامبالاة عندما قال (كثيراً ما يأتي النجاح والتطور الذاتي مترافقين معاً، ولكن هذا لا يعني بالضرورة أنه شيء واحد). أي أنّ جميع الأحلام التي نحلمها والنصائح التي نتزوّد بها ترتكز دائماً على ما نفتقر إليهِ، مثل أن نتعلّم أفضل الطرق لكسب المال وهذا لقناعتكَ بأنّ راتبك قليل، وأنت تجرب تمرينات غبيّة حمقاء تتصور نفسك من خلالها شخصاً أكثر نجاحاً، لأنّك لا ترى نفسك ناجحاً بما فيهِ الكفاية.

لهذا فإنّ الكاتب ينصحنا بأن نتوقف عن التفكير السيئ، وأن نتقبل أحساسنا السيئ لكل شيئ، وكأن أحد رش علينا مسحوق اللامبالاة السحري، وأن نوقف الحلقة الجحيميّة التي تكرر نفسها، أن نوقف أنفسنا بأن نشعر بهذا السوء.

ثانيّاً: السعادة مشكلة

يروي لنا الكاتب من خلال هذه الفقرة قصة ابن الملك الذي عاش عزيزاً مكرماً، ولا ينقصه أي شيئ من ملذات الحياة، ولكن عندما يكبر ويقرر الخروج من وراء أسوار القصر الذي بناه والدهُ، يرى شعباً يملؤه الفقر والمرض، وينصدم من هول ما رآه، ويستنتج كم أنّ حياته سخيقة، وهنا يُقرر أن يهرب خلسةً ليعيش تلك الحياة ويكتشف جوهرها، فيُصبحُ متشرداً ويذوق طعم العذاب، ولكن في النهاية لا يصل إلى مبتغاه، وأن الألم لم يعلّمه الشيء الذي يريد، بل بقي مشرداً فقيراً يجوب البلاد.

وهذا ما جلعه يصل إلى حكمةٍ معينة وهي: أنّ الحياة نفسها نوع من أنواع المعاناة، يُعاني منها الأثرياء بسبب ثرائهم، والفقراء بسبب فقرهم، ليس معنى هذا أن أنواع المعاناة جميعها متساوية كلها، حيثُ أن هناك معاناة أشد ألماً من معاناة أخرى.

فنحن مركبون بحيث لا نكون راضيين مهما حققنا، ولكنّ الغياب الدائم للرضا هو ما يجعل جنسنا البشري يُقاوم للبقاء، فألمنا ليس عيباً، بل هو من يُعلمنا الأشياء التي يجب أن ننتبه إليها عندما نكون صغاراً، يُساعدنا في رؤية ماهو الجيد لنا وما هو العكس، ويُساعدنا في فهم حدودنا، وفي النهاية فإنّ السعادة تأتي من حل المشكلات، وحل المشكلة هو ما يخلق السعادة.

ثالثاً: لستَ شخصاً خاصاً مُميزاً

يروي لنا الكاتب من خلال هذه الفصل، قصة لشخص نشيط ويُقدر ذاته إلى أبعد الحدود، وأنّه شخص مهم بمنظورهِ وكل الناس بحاجةٍ إليهِ، وفي جعبته قائمة بأسماء الأشخاص الهامين حول العالم قد تعاملوا معه وطلبوا مشورته، ولا يتوقف في الحديث عن نفسهِ، ولكنّه في الحقيقة ليس بهذا القدر وأقل من ذلك بكثير، ومازال يمتص نقود والديهِ من أجل المرح، والحفلات، والمعيشة، ودائماً ما يُحاول إقناع أصحاب الأعمال ليُشاركوه معهم، وحين تنتقدهُ يصفك بالجاهل الغبي الذي تغار منه.

هذا ما يُمكن تسميته بالتقدير العالي للذات، وقد أشارات العديد من الدراسات بأنّ الأشخاص الذين يُقيّمون أنفسهم تقييماً عالياً هم أصحاب أداء أفضل ومشاكل أقل، لذا أصبح تقدير الذات في عقر السبعينيات موضوعاً  يشد عليهِ المعالجون النفسيون والمدرسون كجزأ من السياسة التعليميّة.

وبالنسبة لبطل الرواية فإنّ هذا الموضوع سيئ أكثر مما هو جيد، فتقدير الذات ليس كافيّاً فحسب، حيث كان عليهِ أن يُضحي بجانب من تقدير الذات، وذلك لكي لا يُواجه المشاكل في حياتهِ.

رابعاً: قيمة المعاناة

وهنا يتحدث الكاتب عن قصة الملازم الياباني الذي أخبره الأمبراطور أيّام حرب أمريكا على اليابان أن يُقاتل لآخر نفس ولا يستسلم، وهذا ما جعلهُ لا يُصدق أي أمر له علاقة بانتهاء الحرب، وبأن يخرجوا من الأدغال ليعودوا إلى بلادهم، حيث بقي ثلاثين سنة من بعدها مُختبئاً في الأدغال من أجل لا شيئ سوى العيش على الحشرات والقوارض، والنوم على التراب، في حياة مليئة بالمعاناة، وبالمقابل فإنّ هذا الشاب يعيش حياة حرة، ويُضيّع وقته ويُعرض حياته للخطر، فقط للوصول لأمر من المستحيل الوصول إليهِ ألا وهي أسطورة، وهنا يُشير الكاتب إلى حياة الملازم وصديقهِ التي أضاعاها على أشياء لم تكن ذات نفع وضارة للنفس، ليقعا فيما بعد بالندم.

ولكن في الوقت الذي اعتبر فيهِ قسم من الشعب الياباني أنّ هذا الملازم هو أيقونة للوفاء، اعتبره القسم الآخر أيقونة للغباء، وهنا نستنتج بأنّ ليس المقياس الذي تستخدمهُ لقياس نجاحك أو فشلك هو ما يستخدمهُ الجميع، لهذا عليك ألّا تفكر كثيراً بالآخرين، لأنّك عندما تبحثُ عن رضاهم عن هذا الأمر فأنت تبحثُ عن المستحيل.

خامساً: أنت في حالة اختيار دائم

ويُناقش الكاتب هذهِ الفقرة ثلاث قصص لأشخاص مشهورين يتعرضون لظروفٍ خارجة عن إرادتهم وكل منهم استثمرها بطريقته الخاصة، فمنهم مثلاً من كان يُريد الإنتحار في نهاية المطاف ليتراجع عن هذا ويُصبح أيقونة من أيقونات علم النفس في أمريكا، ومنهم من بدأ من جديد لينتقم بنجاتهِ إلّا أنّهُ ظلّ تعيساً لأنّه لم ينسى الماضي بالرغم من نجاحاتهِ الجديدة، ومنهم من كان مثل قصة البطل الثاني ولكنهُ كتب نهاية أكثر سعادة له، وكل ذلك لأنّهم قرروا التحكّم بالألم وكل منهم على طريقته.

فكل ما فعلوه هؤلاء الرجال هو أنّهم أدركوا أنّ عليهم أن يكونوا مسؤولين عن كل شيئ بحياتهم بغض النظر عن الظروف الخارجيّة، ويجب أن يُحاربوا من أجل تحسين وضعهم لا وضع اللوم على القدر، فالحياة مليئة بالأشياء التي تجعلنا تعساء ولكنّ من يهمهُ الأمر بما يخص سعادتنا فنحن المسؤولين عن ذلك، ونحن من يجب عليهِ السعي لسعادتنا، وبالمقابل ليس كل شيئ من صنع الحياة، بل هناك العديد من الأشياء من صنع أيدينا، لسنا دوماً الطرف البريئ، علينا أن نعلم أنّ جزء من مأساتنا نحنُ سببها بشكلٍ أو بآخر.

سادساً: أنت مخطئ بكل شيئ وأنا أيضاً   

ويتحدّث الكاتب في هذهِ الفقرة عن بطل قضى حياته وهو يعتقدُ أنّ كل الأفكار التي تراودهُ صحيحة ومؤكدة، من حين كان طفلاً ومراهقاً حتى مرحلة البلوغ، إلّا أنّ أفكار كل مرحلة ما تبدلت في المرحلة الأخرى، وهو من الشيء المتوقع الحدوث بكل تأكيد، إلا أننا وبمرحلتنا الحالية نحمل من العناد ما يجعلنا نفكر أننا توصلنا للنهاية لم يبق شيء غائب عنا وأفكارنا هي الصحيحة والتي سنستمر عليها إلى الأبد، إلّا أنّ أفكار كل مرحلة ما قد تبدلت في المرحلة الأخرى، وهذا ما جعل البطل حائراً لتعرضهِ للتغيُّر المستمر.

لقد عدّ الكاتب أن اليقين عدو التطور، فبدلاً من الجري وراء اليقين، علينا أن نكون بحالة شك دائمين، شك بمعتقداتنا، في أحاسيسنا، وما قد يحملهُ المستقبل لنا، فبدلاً من السعي وراء أن نكون دوماً على صواب، يجب أن نبحث على الخطأ الموجود في حياتنا، لأنّنا مُخطئون دوماً، وهذا هو روح الانفتاح والتغير، كما ضحكنا على أفكار من قبلنا، سيأتي من هم في جيل بعدنا ويضحكون على أفكارنا الحمقاء، فالخطأ أعطاهم فرصة للنمو والتطور، وبالتالي فإنّ الخطأ ليس بالسوء الذي تتوقعهُ.

سابعاً: الفشل طريق التقدم

(حجم نجاحك في شيء ما معتمد على عدد مرات فشلك في فعل ذلك الشيء).

إذا كان شخص ما أفضل منك في أمر ما، فمن المحتمل أنّهُ فشل فيهِ أكثر مما فشلت أنت، وإذا كان شخص ما أسوأ منك، فمن المُحتمل أنّ السبب في ذلك كامن في آلام عمليّة التعلّم الطويل التي مررت بها، هذا ما أوضحهُ الكاتب الذي أعطى مثالاً الطفل الصغير عندما يتعلّم المشي كم سيقع في النهاية.

وبالتالي عليك أن تتذكر جيداً وأن تقتنع جيداً، بأنّك لا يُمكن أن تكون ناجحاً في الأشياء التي لا تريد الفشل بها، فعندما تتجنب الفشل فأنت تتجنب النجاح أيضاً، فبكل الأحوال مقياس الفشل يمكنك التحكم به وتحديده، إنه أمر هام بالطبع بربط الفشل بشيء ما لا تخشاه، عندها يمكنك التقدم، تتناسى الفشل وتمضي بطريقك.

ثامناً: أهميّة قول لا

(إن السفر أداة رائعة لتطوير الذات لأنها تنتزعك من قيم ثقافاتك وتجعلك ترى أن هناك مجتمعاً أخر يستطيع العيش بقيم مختلفة تمام الاختلاف وينجح في ذلك من غير أن يكره الأفراد أنفسهم).

يجب عليك أن ترفض شيئاً ما، لكي تغدو بمعنى، فإذا لم تصادف شيئاً أفضل من شيئ آخر، أو مرغوباً بالنسبة لك أكثر من الآخر، فأنت إنسان فارغ تعيش حياة بلا معنى، تعيش حياة من غير قيم وغاية.

أما الرغبة في تجنب الرفض مهما تكن التكلفة، أو رغبتك في تجنب المواجهات، أو رغبتك أن يكون كل شيء منسجماً ومنسقاُ فهو شكل من أشكال الشعور الزائد بالاستحقاق، يهتمُ صاحبهُ بأنّ يكون ممتازاً طيلة الوقت، ولا يشعر بأي سوء ولا يُريد لأحد أن يشعرهُ بسوء، بالتالي يعيشون حياة تسوقها المتعة والاستغراق في الذات، يتجنبون الفشل وأي نوع من أنواع المعاناة.

يقع الأشخاص الذين لديهم شعور زائد بالاستحقاق في واحد من فخين اثنين خلال علاقاتهم، أما أن يتوقعوا من الطرف الأخر تحمل المسؤولية عن مشاكلهم، أو أنهم يتحملون قدراً زائداً عن مشكلات الطرف الآخر، لأن ذلك يساعدهم في تجنب قبول المسؤولية عن مشكلاتهم، ونتيجة ذلك تكون علاقاتهم هشة زائفة ناتجة عن محاولة تجنب الألم الداخلي بدلاً من التقدير الحقيقي للذات.

تاسعاً: وبعد ذلك تموت

ففي مواجهة حتمية للموت، لا مبرر أبداً لأن يستسلم المرء أمام خوفه أو حرجه أو شعوره بالخجل لأن الأمر كله أكثر من قبضة اللاشيء، إذا أمضيت القسم الأكبر من حياتي القصيرة تجنباً ما هو مؤلم ومزعج، فهذا يعني أنني أتجنب أن أكون حيّاً.

الموت يخيفنا، ولأنه يخيفنا نتجنب التفكير به، حتى لو أصاب شخصاً قريباً لنا، ولكن الأمر في النهاية لولا وجود الموت، لبدا لنا كل شيء معدوم الأهمية ولصارت القيم والمقاييس كلها صفراً.

العبرة أن حياتنا ليست محض صدفة، قد خُلقنا لغاية ما، غاية لم نعرفها، غاية سنعرفها بمنتصف الطريق أو في نهايته، أو يمكن أن لا نعرفها، إلا أنها بكل تأكيد توجد غاية ما من وجودنا، ولكن بإمكانك أن تعزز ذلك أكثر، بيدك تستطيع أن تخلق تلك الغاية، فمع موتك ستعتقد أن كل شيء سينتهي، ولكن قصة خلودك بإمكانك أن تكتبها، بإمكانك أن تجعل غيرك يتذكرك، بعمل ما، بتطوير شيء ما يدخلك الموسوعات العلمية، بفعل إنساني ما يجعلك بذاكرة الكثير من الأشخاص الذين غيرت حياتهم.


المقالات المرتبطة