يُعتبر كتاب مئة سر بسيط من أسرار السُعداء من الكتب المُميّزة التي حرص الكاتب من خلالهِ أن يُقدم لنا بحثاً علمياً مفصّلاً عن السعادة، مُسبّباتها، وأهم أسرار الحصول عليها في الحياة، فيما يلي سنقوم بتلخيص العديد من الأفكار المهمة الواردة فيه للمؤلف ديفيد بيفن.

مقدّمة:

لا أحد يستطيع أن يجعل شخصاً ما سعيداً بمجرد فرقعة الأصابع، إنّ ما يُمكنك أن تفعله هو أن تساعد الناس في رؤية ماهو مفيد لهم، إنّ ما تستطيع أن تفعله هو أن تشير إلى الأشياء وأن تأمل أن يَروا ما تشير إليهِ.

وأحبُّ أن أشير إلى أنّ هذا الكتاب ليس تنظيراً لفكر شخص واحد، إنّما يعكسُ خلاصة أبحاث علماء بارزين درسوا حياة الناس العاديين. إنّ تفسيري وتأويلي لهذه الأبحاث يُساعد أولئك الذين يُريدون أن يعرفوا المزيد عن الفرق بين السعداء وغير السعداء. أن تساعد الذين يُريدون أن يعرفوا ما الذي يستطيعون أن يفعلوه للاستمتاع بالحياة أكثر. إنّني أقدم هنا إشارة إلى هذهِ الأمور، وأملي أن تنظروا إليها باهتمام.

إنّ لحياتك هدف ومعنى:

أنت لم توجد في هذهِ الحياة لمُجرد ملئ فراغ، أو لتكون ظلًا في فيلم لشخص آخر، لنُفكّر فيما يلي: لاشيء يُمكن أن يكون هو ذاتهُ لو أنّك لم توجد في هذهِ الحياة. فكلّ مكان ذهبت إليهِ، وكل شخص تحدّثت إليهِ سيكون مختلفاً في حال عدم وجودك.

فنحن كُلّنا مترابطون، وكلّنا نتأثّر بالقرارات وحتّى بوجود من هم حولنا.

تشير دراسات كبار السن الأمريكيين أنّ من أفضل أدوات التنبؤ بالسعادة فيما إذا كان الإنسان يعتقد أنّ هناك هدف في حياتهِ، فبلا هدف محدد واضح نجد أن سبعة أشخاص من بين عشرة يشعرون بعدم الاستقرار في حياتهم. أمّا إذا كان هناك هدف فإنّ سبعة من بين عشرة أشخاص يشعرون بالرضا.

استعمل خطّة للسعادة:

نحن نظنّ أنّ الأشخاص السعداء وغير السعداء قد وُلدوا على هذه الشاكلة، لكن كلتا الفئتين من الأشخاص يفعلون أموراً تُوجد وتُعزّز حالتهم النفسيّة، فالأشخاص السُعداء يجعلون أنفسهم سُعداء، والأشخاص غير السُعداء يُواصلون فعل أمر يُزعجهم.

إنّ الأشخاص السعداء لا يعيشون نجاحاً تلو الآخر، ولا يعيش غير السعداء إخفاقاً تلو الآخر، وحقيقة الأمر أنّ كلًّا من السعداء وغير السعداء يعيشون تجارب حياتيّة متماثلة، كما تُبيّن الدراسات. والفارق هو أنّ الشخص غير السعيد يقضي أكثر من ضعف الوقت يُفكّر في الأحداث غير السارة في حياتهِ، في حين أنّ الشخص السعيد يَميل إلى البحث ويعتمد على معلومات تضيء نظرته الشخصيّة.


اقرأ أيضاً:
السعادة: مفهومها، تعريفها، وطرق الوصول لها


ليس من الضروري أن تفوز في كل مرة:

إنّ الأشخاص شديدي المنافسة الذين يودّون أن يفوزوا دائماً يحصلون على أمور أقل، فإن خسروا تخب آمالهم بدرجة كبيرة، وإن ربحوا فإنّ ذلك هو ما توقّعوا حصوله.

يُمكن أن يكون التنافس عائقاً أمام القناعة في الحياة، لأنّه لا يُمكن أن يكون الإنجاز كاف، والإخفاق مدمرٌ بوجه خاص، والمنافسون غير العاديون يُقيّمون نجاحهم بدرجات أقل مما يُقيّم بعض الناس إخفاقهم.

يجب أن تكون أهدافك مُنسجمة بعضها مع بعض:

يجب أن تكون الإطارات الأربعة لسيارتك متراصة بشكلٍ سليم، وإلّا فإنّ الإطارين الأيسرين سيتّجهان اتجاهاً مختلفاً عن الإطارين الآخرين. وفي هذهِ الحالة لن تسير السيارة، كذلك الأهداف، فمن الضروري أن تكون كُلها في الاتجاه نفسهِ. فإذا تضاربت الأهداف فإنّ حياتك لن تسير على ما يُرام.

في دراسة طويلة للموضوعات على مدى أكثر من عقد من الزمن، كانت القناعة الحياتيّة مرتبطة بانسجام أهداف الحياة، فالأهداف المتعلّقة بالحياة العمليّة والتعليم والأسرة والجغرافيا كلها مهمة وهي تمثل في مجموعها 80% من الرضا، ولا بدّ من تناسق هذهِ الأهداف كي تؤدي إلى استنتاجيات إيجابيّة أي إلى تحقيق الأهداف.

كُن حكيماً في عقدك للمقارنات:

كثيراً من حالات شعورنا بالرضا، أو عدم الرضا، تعودُ إلى كيفيّة مقارنة أنفسنا بالآخرين، فعندما نُقارن أنفسنا بمن هم أفضل منّا فإنّنا نشعر بالاستياء، وعندما نقارن أنفسنا بمن هم أقل منّا نشعر بالرضا. وعلى الرغم من حقيقة أنّ حياتنا هي ذاتها في كلتا الحالتين، إلّا أنّ شعورنا حول حياتنا يُمكن أن يتغيّر بشكلٍ هائل بناء على المقارنة التي نعقّدها. لذلك عليك أن تقارن نفسك بأمثلة ذات معنى، وتجعلك تشعر بالراحة مع من تعيش معهم وفي ما تملك.

استغل الصداقة:

عليك أن تُعيد الدفئ والحماسة لعلاقاتك القديمة وتستفيد من الفرص في العمل، أو مع جيرانك لتوسيع قاعدة صداقاتك، فالناس بحاجة إلى أن يشعروا بأنّهم جزء من شيء أكبر، وأنّهم يهتمون بالآخرين، وأنّ الأخرين يهتمون بهم أيضاً.

إنّ العلاقة الدافئة، أجدى من الرضا الشخصي، وبعبارة أخرى، إنّ نظرة الإنسان إلى العالم بشكلٍ عام، هي أكثر العناصر أهميّة في السعادة، فإذا شعرت بالقرب من الآخرين، فإنّك ستشعر بالرضا عن نفسك أربعة أضعاف مما تشعرهُ فيما لو لم تكن قريباً من أحد.

أغلِق جهاز التلفاز:

إنّ التلفاز هو حشوة الكريمة التي تبعدنا عن جوهر حياتنا، لقد وجد النفسانيون أنّ بعضاً ممن يُشاهدون التلفاز بكثرة غير قادرون على متابعة حديث ما، بمعنى آخر، وكما قال أحد النفسانيين: (إنّ التلفاز يسرق وقتنا ولا يرجعهُ أبدًا).

لا تفتح التلفاز لمجرد أنّه موجود، ولأنّ هذا ما تفعله عادة، افتحهُ فقط عندما يكون هناك شيء ما تريد أن تشاهده. فالساعات التي تكسبها من جديد يُمكن أن تُستغل في عمل شيء ما مع أسرتك أو أصدقائك أو في إيجاد لحظة هدوء نادرة لنفسك. وبعيداً عن التلفاز يُمكنك أن تفعل شيئًا ما مرحاً بدلًا من إضاعة الوقت بلا معنى.

إنّ كثرة مشاهدة التلفاز يُمكن أن تضاعف تشوقنا لمزيد من الامتلاك، وتُقلل قناعتنا الشخصيّة بنسبة 5% لكل ساعة نشاهد التلفاز فيها يومياً.

الصداقة تهزم المال:

إذا أردت أن تعرف إذا كان شخص ما سعيداً فلا تسأله عن رصيدهِ في البنك، بل اسأله عن أصدقائهِ.

وعلى عكس الاعتقاد السائد بأنّ السعادة أمر يصعب تفسيره، أو أنّها تعتمد على امتلاك ثروة كبيرة. فقد حدّد الباحثون العناصر الأساسيّة في الحياة السعيدة، وتكمن في تعاطف الأصدقاء ودفء الأسرة المتلاحمة، والعلاقة الطيبة مع زملاء العمل والجيران، فهذه العناصر مجتمعة تشكل 70% من السعادة الشخصيّة.

كُن واقعي في توقعاتك:

إنّ الأشخاص السعداء لا يحصلون على كل ما يُريدون، لكنّهم يرغبون في معظم ما يحصلون عليهِ، بمعنى آخر: أنّهم يُريدون اللعبة لصالحهم وذلك لتقويم الأشياء التي يمتلكونها.

فالناس الذين يجدون أنفسهم غير راضين عن الحياة، غالباً ما يضعون نُصب أعينهم أهدافاً صعبة المنال، ويُعرّضون أنفسهم للإخفاق، ومن ناحيةٍ أخرى، فإنّ الأشخاص الذين يضعون أهدافاً عُليا نُصب أعينهم ويبلغونها ليسوا أكثر سعادة من أولئك الذين يضعون نُصب أعينهم أهدافا متواضعة ويبلغونها.

وسواء أكنت تُقيّم وضعك في العمل أم علاقتك مع أسرتك، لا تبدأ بصور خياليّة لأغنى رجل في العالم، أو بصور زاهية للأسرة المثاليّة في العالم، بل عليك أن تبقى مع الشيء الحقيقي وتعمل جاهداً لتحسين الأمور، وليس مهماً أن تجعلها كاملة.

إنّ أهداف الأشخاص تتطابق بقوة مع إمكاناتهم وسعادتهم، بمعنى آخر: كلّما كانت أهداف الأشخاص واقعيّة أكثر ومُمكنة التحقيق كان شعورهم بالرضا عن أنفسهم أكثر، والناس الذين يُخلصون بنتيجة أنّ تحقيق أهدافهم أمر بعيد المنال، لا يشعرون بالرضا عن أنفسهم بنسبة 10%.


اقرأ أيضاً: 7 عادات يُمارسها السعداء في حياتهم اليوميّة


لا تُواجه مشكلاتك منفرداً:

يُمكن أن تظهر المشكلات وكأنّها غير قابلة للحل، ونحنُ مخلوقات اجتماعيّة بحاجة لمناقشة مشكلاتنا مع الآخرين، سواء ممن يولوننا عناية قصوى، أو ممن صادفتهم مشكلات مماثلة، فعندما نكون وحيدون، فإنّ المشكلات تكبر، ولكن بتقاسمها يُمكن أن نحصل على منظور آخر وأن نجد الحلول.

أُجريت تجربة على مجموعة من النساء لهن درجة مُتدنيّة من الرضا في الحياة، وتمّ تعريف بعض هؤلاء النساء على نساء مررن بالوضع نفسهُ، وتُرِكت بعضهنّ منفردات ليُعالجن همومهن. ومع مرور الزمن تبيّن أنّ أولئك اللواتي تفاعلن مع النساء الأخريات قلّت نسبة همومهن 55%، بينما لم يظهر أي تحسّن على النساء اللواتي تُركنَ وحيدات.

طوِّر الرتابة المنزليّة:

إنّنا نشعر في غالب الأحيان أنّ الواجبات المنزليّة التي يجب أن تُنجز بشكلٍ منتظم مرهقة لنا، فنحنُ ننظف المطبخ، ثُمّ يأتي دور كنس غرفة الجلوس، وننظّف ساحة المنزل، ثُمّ عشرات الواجبات التي تنتظر الإنجاز. ضع جدولًا معقولًا لإتمام عملك، وبدلًا من مواجهة سيل لا ينتهي من الأعمال، فإنّك ستجد أمامك قائمة بالمهام التي عليك عملها في كل يوم، فإنّك بهذا النظام لن تجد نفسك تائهًا تتساءَل ما الذي ستفعله.

في الدراسات حول الأُسر نجد أنّ الرتابة في العمل المنزلي تُحسّن من الرضا الشخصي اليومي بنسبة 5%.

لا تكن مُفرطاً في الوقاية:

لا أحد منّا يُريد أن يُصاب أي ممن نحب بأذى، ولكن علينا أن ندعهم يعيشون حياتهم. إنّ قضاء وقتنا في القلق ومحاولة أن نمنعهم من عمل ما يُريدون هو الخطر الحقيقي بحد ذاتهِ وسيتركنا في قلق دائم.

لقد أصبح الناس أكثر خوفاً على الرغم من أنّه لا يوجد ما يدعو إلى القلق، فالخطر كما قال فرانكلين روزفلت ذات مرة، هو أن يُصبح الخوف أسوأ من الشيء الذي نخاف منه.

إنّ عدم مغادرة المنزل، أو منع الأطفال من ممارسة الرياضة، أو تلافي أشياء أخرى لأننا خائفون ليس حلًا لمنع خطر محتمل، بل هو خطر من نوع مختلف، وفي الوقت الذي نحنُ فيهِ بحاجة لاتخاذ قرارت عقلانيّة فإنّ علينا أن ننظر في محاذير تلافي الأشياء التي تجعل الحياة ذات قيمة.

بيّنت الدراسات عن آلاف الآباء وجود سلبيات مصاحبة للإفراط في الوقاية بما في ذلك الزمن المتزايد للعيش في القلق والكبت. وبإيجاز فإنّ كونك مفرطاً في الوقاية لا يُقدم حياة ذات رضا أوقناعة أفضل.

لا تكن عدوانياً مع أصدقائك وأسرتكَ:

حتّى وإن كنت على حق فإنّك لن تكسب شيئاً من مخاصمتك لمن تحب، وعليك أن تتذكّر أنّ هؤلاء الأشخاص أهم بكثير من القضيّة التي تتحدّث عنها، إنّ النقد الذي يسود العلاقات يُقلّل من السعادة بنسبة الثلث.

تأسيس فريق رياضي محلّي:

إنّ معايشة الانتصارات والخسارة لفريق الألعاب الرياضيّة المُحبّبة يُساعدك على الشعور بأنّك جزء من المجتمع، ويظهر مقدار ما تشترك فيهِ وتتقاسمهُ مع جيرانك.

وبالإضافة إلى الاهتمام المشترك، فإنّ الفريق يمنح المجتمع فرصة الإلتقاء في يوم المباراة. وعندما يلعب الفريق في الخارج فإنّهُ من الطبيعي أن ترى البيت تلو الآخر مشغولًا بالمباراة.

وإذا نزلت إلى الشارع، فإنّك تسمع الحوار حول الفريق، وتشعر على الفور بأنّك جزء من المجتمع، وأنّ شيئاً ما يربط بينك وبين جيرانك وبقيّة المدينة كلها.

إنّ تأسيس فريق كرة رياضي محلي ذو آثار إيجابيّة بتوفير اهتمام مشترك مع الآخرين في المجتمع، ويزيد من السعادة بنسبة4 %.

لا تُفكر وفقاً لمبدأ ماذا لو:

إنّ قضاء وقتك في التفكير فيما يُمكن أن يكون قد حصل لو أنّك استطعت أن تغيّر شيئاً بسيطاً، قراراً بسيطاً في حياتك، أمر غير مُجدٍ ويدعك غير مسرور، فكّر في كيفيّة التحسُّن في المستقبل، ولكن لا تجعل تفكيرك الحالي يدور حول إمكان تغييرك للماضي.

أثبتت الدراسات حول الرياضيين الذين شارفوا على الفوز، ولكنّهم خسروا في نهائيات الأولمبياد، أنّ أولئك الذين قضوا أقل وقت ممكن في الفِكَر غير المُجدية، والذين يُفكرون في كيفية إمكان انتهاء الأمور بشكلٍ مختلف، هم الأكثر قناعة بتجاربهم.

تطوّع:

هناك فرص لا تنتهي في كل مجتمع لمشاركتك التطوعيّة سواء أكان ذلك في مجال تعليم القراءة أو في تسخيرك لوقتك في مساعدة مخزن خيري، فأي شيء يُمكن أن تفعله لن يُساعد العالم فقط بل سيُساعدك أنت أيضاً.. فالمُتطوعون يشعرون بشيء جيد في أنفسهم، إنّ لديهم شعوراً بسبب وجودهم، ويشعرون بالتقدير، وهم أقل احتمالًا لأن يُصابوا بالملل في حياتهم. والمتطوعون يشعرون بالمكافأة التي لا يُمكن الحصول عليها بأي طريقة أخرى، حتّى وإن لم يكن لديك الكثير من الوقت أو المهارات فعليك أن توفّر ساعة في الشهر تنذر فيها نفسك لقضيّة جيدة.


اقرأ أيضاً:
فوائد العمل التطوعي في حياة الفرد والمجتمع

 

يُظهر تحليل عدد كبير من الأبحاث حول هذا الموضوع إجماعاً قوياً أنّ التطوع يُساهم في السعادة، وذلك بتخفيف الملل وإيجاد إحساس متزايد بالهدف في الحياة، فالمتطوعون يشعرون بسعادة مع أنفسهم تعادل الضعف مما يشعره غير المتطوعين.

كانت هذهِ مقتطفات من كتاب مئة سر بسيط من أسرار السعداء للمؤلف الشهير ديفيد بيفن.

 

المصادر:


المقالات المرتبطة