ومن الجميل أن نطلع سوية على نظرية تدعى نظرية القرود، ولهذه النظرية قصة تمت مع مؤلفها عندما حاول نشرها، فلقد نشرها للمرة الأولى كبحث علمي في جامعة هاربل، حاول بعدها أن ينشر نظريته في كتاب عن طريق دور النشر، فلم تقبله أية دار لأنه لم يكن شخصا معروفا، فذهب إلى شخص معروف اسمه بلانتر، وعنده نظرية مشهورة جداً ومؤلفات بالملايين (صاحب نظرية المدير والدقيقة الواحدة: ملخصها أنك كمدير لايوجد لديك إلا دقيقة واحدة تعطيها لكل موظف لديك، فماذا تفعل في هذه الدقيقة حتى تحفزه وتوجهه؟) والحقيقة أن صاحب نظرية القرود عندما كان يريد أن يطبع كتابه ولم تقبله دور النشر ذهب لبلانتر وعرض عليه الاشتراك معه في كتاب، وعندما قرأ بلانتر الكتاب أعجبته النظرية، واتفقا سوية على إنتاج كتاب أسموه "المدير صاحب الدقيقة الواحدة يقابل القرد"

"The One Minute Manager meets The monkey"

 

 

النظرية جميلة جداً تقول: أي عمل نريد القيام به يجب أن نحضّر له، مثلاً نريد أن نقوم بعمل من الأعمال كمعرض مثلا فلابد من تشكيل لجنة تدير المعرض، لابد من اختيار المكان، تحديد الرسوم، تجهيز حفل الافتتاح، وأي عمل سنقوم به سيكون على خطوات، الآن: إما أن يكون العمل قد بدأ للتو، أو أنه بدأ منذ فترة وهو مستمر، ووصل إلى نقطة معينة والخطوة القادمة لم تتم بعد، إذا تعريف القرد: هو الخطوة التالية من العمل، إذا بدأنا بعمل مؤلف من عشرين خطوة، ووصلنا للخطوة الخامسة فالقرد هو الخطوة السادسة، إذاً فأي خطوة لم تتم بعد تعتبر قرداً.

 

فما هو التفويض؟ التفويض هو ألا تضيع الخطوة القادمة، فإذا كان هناك مهمة قادمة فأقوم بتسليمها لشخص آخر كي يقوم بها بدل أن أقوم بها أنا، فمن هو هذا الشخص؟ وهل هو مناسب لهذه المهمة أم لا؟ النظرية تعطيك المبادىء الرئيسية في التعامل مع هذه الأسئلة. إذا المبدأ الأول أن القرد هو الخطوة التالية من خطوات العمل.

 

المبدأ الثاني إذا لم تنجح بمفردك حاول أن تنجح مع غيرك، وبالتالي فالإنسان الواعي إذا كان لديه أعمال كثيرة، أي قرود كثيرة، وكلما كثرت هذه القرود التي على رأسه وكلما وجد أناسا يعطيها هذه القرود، كلما وجد وقتا أكبر، وكلما نجح أكثر، إذاً لا تحاول أن تتكاسل، ولا تقم بشق طريقك بمفردك، حاول أن تجد أناسا يتحملون أعباء الحياة معك، كي تستطيع أن تنجح أكثر، وكي تستطيع أن تحقق أرباحا جيدة في حياتك المادية والمعنوية.

 

المبدأ التالي: كل قرد له صاحب واحد، أي لا يجوز أن يتسلم شخصان عملا واحدا، حتى ولو كان هناك شخصان يعملون نفس العمل، فشخص واحد يجب أن يكون مسؤولا عن العمل، فكل قرد له صاحب واحد، وبالتالي فأي عمل تخطط له حدده، وأي عمل تفوضه حدده، فإذا كنت في بيتك وأردت من أولادك إطفاء التلفاز، فلا تقل لهم: يا أولاد لا تنسوا إطفاء التلفاز قبل أن تناموا، بل حدد أحدهم لإطفائه، إذاً لكل قرد صاحب واحد، وإذا لم يكن له صاحب واحد قد يضيع، فمن هو صاحب القرد؟ صاحب القرد هو الشخص الذي يمكن أن ينفذه وموجود في أقل مستوى إداري، فمثلا إذا كان لدينا عمل ممكن أن يقوم به وكيل الوزارة المساعد، وممكن أن يقوم به المدير، وممكن أن يقوم به رئيس القسم، وممكن أن يقوم به الموظف، فمن صاحب هذا العمل؟ حسب هذه النظرية سيكون الموظف. فإذا كان هناك عمل ممكن أن تقوم به أنت، ولديك موظف ممكن أن يقوم به، فمن هو المسؤول عنه؟ الموظف.... من صاحب القرد؟ هو صاحب أقل مستوى إداري ممكن أن يرعاه، ومثال آخر: هناك عمل ممكن أن تقوم به أنت، ولديك سكرتير ممكن أن يقوم به، فماذا تفعل؟ تقوم بإعطائه للسكرتير ولا تنفذه أنت، المشكلة أن هناك أشخاصا يقومون بأداء أعمال غيرهم، وأحيانا المدير يقوم بأعمال موظفيه، ويقوم بأعمال سكرتيره، وهذا خطأ، فإذا لم يكن لديه عمل فليس من الضروري أن يقوم بعمل غيره، فهو عليه أن يخطط ويبني العلاقات ويفتح آفاقا جديدة في العمل.

 

قانون آخر من قوانين القرود: لدى الناس هواية توزيع قرود، وهو يصور نظريته بفيلم سينمائي، ويبدأ الفيلم بممر كبير، يذهب الناس فيه ويأتون، فيدخل شخص ومعه مجموعة قرود، طبعا هناك قرود صغيرة وهناك قرود شمبانزي، غوريلا، وهناك عائلات من القرود، وطبعاً القرود لديهم أطفال، وهو يمشي والقرود تقف على رأسه، يمشي والقرود بجانبه يمسكون به، وأربعة قرود أو خمسة يمسكون بيديه، ومجموعة تُمسِك بملابسه، فوقف يتكلم مع أحدهم، وأثناء الحديث قفز قرد من كتفه إلى يد الشخص الذي أمامه، فهناك أشخاص لديها هواية توزيع قرود، وأشخاص لديها هواية تجميع قرود، فيدخل إلى مكتب شخص ما، فيجد القرود وقد ملأت المكتب، على الطاولات والكراسي، ووجد شخصا آخر في الغرفة نفسها جالسا يكتب، ولديه قرود فوق المكتب وعلى الكرسي (هذا النوع من الموظفين لا يقول لا، يقول دائماً حاضر، ومهما أعطوه من مهام لا يجد مشكلة)، فجلس عنده قليلاً وأفلت عنده كل ما معه من قرود ، وخرج من عنده بدون أي قرد. إذاً هناك أشخاص لديهم هواية تجميع قرود، فمن أي نوع أنت؟ فإذا كنت من الناس الذين يحبون تجميع القرود، احذر؟! فهناك مبدأ يجب الحذر منه، فكلما فتح أحدهم الباب عليك، فهناك قرد يريد أن يعطيك إياه، وكلما رن الهاتف فهناك قرد سيأتي إليك عبر الأسلاك.

 

أيضا هناك قاعدة أطعم القرد أو سلمه لمن يطعمه أو اقتله، فكيف نتعامل مع القرد؟هناك خيار من ثلاثة خيارات: فإما أن أطعمه أو أعطيه لمن يطعمه أو اقتله، دعونا نتخيل التالي؟ أنا في شركة كبيرة وأتاني شخص يريد أن يتوظف فيها ولكن ليس لديه المؤهلات المطلوبة وهو صديق عزيز علي، وقال لي: أنهِ معاملتي من فضلك، فقلت له: لا أستطيع ممنوع، لا يمكن، وأصر وألح، فماذا يحصل عادة؟ مع إلحاحه أقول له اذهب وراجع فلان، ومع إلحاحه يقول له الآخر اذهب وراجع فلان، ماذا يفعل هذا الصديق؟ إنه يُضيع الوقت على الجميع، فإذا لم نقتل القرد الذي يضيع الوقت، فإنه سوف يضيع أوقات كل الناس. فهناك خيارات: إذا كان العمل المطلوب يمكنني إنجازه، فالمفروض أن أقوم به أنا وليس أحد غيري، فإذا كنت أنت المسؤول عن العمل قم به، ولا تعطه لأحد غيرك، هذا هو مفهوم أطعم القرد.

 

أما إذا لم تكن أنت المسؤول فحوله إلى أحد غيرك (المسؤول عنه)، إذاً أحوله لمن يستطيع أن يطعمه، أو أقول له هذا العمل لا يمكن لي إنجازه، الوحيد القادر على إنجازه فلان، ولا أحوله إلى شخص آخر، لأنه سوف يضيع وقتي ووقت الجميع، وأقوم بتحويله إلى الشخص القادر على إنجاز العمل. وهكذا أكون وفرت وقتا على الزبون المراجع ووفرت وقتا على الموظفين لديّ، ولاحظ إذا لم يتم التفويض بطريقة سليمة وقمت بتحويل العمل إلى شخص لا يستطيع إنجازه، فسوف يضيّع وقته ووقت الآخرين.

 

الخيار الثالث: إذا كان هناك عملا لا يمكنني إنجازه، حتى المدير لا يستطيع إنجازه، فماذا أفعل؟ هل أحوله إلى أحد آخر؟ بعض الناس لا يهمه الموضوع، ومن الممكن كي يريح نفسه يقول له: اذهب وراجع فلاناً فمن يمكن أن يساعدك، لماذا أضيع الوقت؟ لماذا؟ وهذا هو مفهوم (اقتله)، إذا إما أن أقوم بالعمل أو أعطيه لمن يقوم به أو أنهيه، وبمعنى آخر، أطعم القرد أو سلمه لمن يطعمه أو أقتله.

إدارة الوقت

د. طارق سويدان

قرطبة للإنتاج الفني

2004