السيرة الذاتية لفاطمة الفهرية
فاطمة الفهرية هي فاطمة بنت محمد الفهرية القرشية عربية مسلمة تنتمي إلى ذرية عقبة بن نافع الفهري القرشي الفاتح لتونس والمؤسس لمدينة القيروان أيضاً، شخصية حظت باهتمام واحترام كبير وأصبحت رمزاً للإسهام الحضاري للإنسان عامة وللمرأة المسلمة خاصة لذلك خلد التاريخ اسمها كواحدة من أهم الشخصيات التي نشرت المعرفة في التاريخ في الوقت الذي لم يتجرأ فيه كثيرون على فعل ذلك. في ما يلي لمحة شاملة عنها:
النشأة والطفولة
ولدت فاطمة الفهرية في القيروان في تونس؛ حيث كانت العاصمة لتونس حينها ولك في عام 800م ضمن بيئة عربية مسلمة وفي عائلة تمتلك مكانة مرموقة في التاريخ الإسلامي وبما أنّ الجد الأكبر للعائلة هو عقبة بن نافع، فيعني هذا أنّها نشأت في بيئة تمتلك النفوذ الاجتماعي كما أن والدها كان تاجراً ثرياً، وتلقّت فاطمة الفهرية مع اختها مريم تربية مبينة على الإيمان بالله والتقوى والزَّهد في الدنيا.
الحياة الشخصية
هاجرت فاطمة مع عائلتها إلى مدينة فاس واستقروا فيها. كانت تشهد فاس ازدهاراً، ولكن اقتصر مستوى التعليم حينها على الكتّاب والمساجد؛ حيث يُعلّم الطلاب القراءة، والكتابة، وحفظ القرآن الكريم.
حصلت فاطمة على تلك المعارف من فاس، ولأنّ هذه المدينة مركز حضاري يستقطب الفقهاء والعلماء، يمكن أن نستنتج أنّ فاطمة الفهرية أدركت أهمية العلم لجميع الناس، وتأثرت بتلك البيئة الثقافية التي شاركت مع تربيتها وبناء تلك المرأة المميزة.
تزوجت فاطمة من رجل ثري، ولكن استمر زواجها عدة سنوات؛ إذ توفي زوجها ووالدها في الفترة ذاتها، وورثت فاطمة واختها مريم ثروةً كبيرة، ولم تترددا في توزيع جزء منها على المحتاجين وطلاب العلم لذلك لقبت بأم البنين.
المسيرة المهنية لفاطمة الفهرية
عاشت فاطمة الفهرية واختها في حالة من الزهد. قررت إعادة بناء المسجد الذي يصلّي فيه الناس؛ إذ إنّه كان صغيراً ولا يتّسع للمصلّين جميعهم، فكان ذلك من خلال شراء فاطمة لحقل يحيط بالمسجد وضمّه إليه، وأصبح جامع القرويين المعروف.
أما أختها، فبنت مسجداً آخر وهو جامع الأندلس في فاس. إنّ ما ميّز فاطمة الفهرية أنّها عزمت على إعادة بناء جامع القرويين في 858 م، فاشترت المواد المستخدمة كافةً بمالها الخاص، وطلبت من العمال حفر كهوف في أعماق الأرض لاستخراج الرمل والأحجار الجيدة منها، كما طلبت أن يحفروا بئراً ليرتوي الناس منه.
بحسب ما ذَكر المؤرخون، فقد صامت فاطمة طوال فترة بناء الجامع، واستمر ذلك تقريباً 18 عام حتى انتهت أعمال البناء، وصلّت في المسجد وحمدت الله كثيراً.
في ما بعد، بدأ العلماء بإعطاء دورس ضمن جامع القرويين؛ إذ تسبب ذلك بشهرة كبيرة جعلت من مدينة فاس مركزاً علمياً نافس أهم المراكز العلمية في بغداد وقرطبة، وذلك ما تسبب بتحوُّل الجامع إلى جامعة القرويين في 877 م، أقدم جامعة في العالم، فقد سبقت إنشاء الجامعات الأوروبية بقرون.
إنجازات فاطمة الفهرية
أهم إنجازات فاطمة الفهرية أنّها مؤسسة أقدم جامعة في العالم ضمت المواد الأدبية كالنحو والتاريخ الإسلامي والمواد العلمية مثل الرياضيات والطب والفلك، فجذبت جامعة القرويين الطلاب من كافة أنحاء المغرب ومن خارجه أيضاً وأبرز العلماء الذين درسوا فيها عبد الرحمن بن خلدون مؤسس علم الاجتماع وصاحب المقدمة الشهيرة ومن الأجانب بابا الفاتيكان سيلفستر الثاني الذي قام بنقل علم الأرقام لأوروبا ومؤسس علم الجغرافيا الشريف الإدريسي وعالم الرياضيات الفلكي الشهير ابن البناء المراكشي.
بالإضافة إلى دورها السياسي الكبير، فقد كان دورها هامّاً أيضاً في المعاهدات، والحروب، والاتفاقيات المختلفة. تُعد حاميةً للثقافة الإسلامية؛ لأنّها حافظت على مبادئ الدين الإسلامي. كما أنشأت إحدى أقدم المكتبات في جامعة القرويين أيضاً، التي تحتوي على 4000 مخطوطة منها مخطوطات للقرآن الكريم ومخطوطات كتب الأحاديث النبوية أيضاً.
كما تشير المعالم الحضارية لذلك الصرح إلى اهتمام فاطمة الفهرية بعلوم البناء والهندسة؛ إذ قال عنها المؤرخون أنّها تابعت إنشاء التفاصيل الموجودة كافةً بنفسها من الزخارف الإسلامية والأندلسية على الجبص والخشب، إلى الأبواب المقوّسة الهلالية، ليكون المكان حاملاً للهوية الإسلامية التي تحضن القيم الحميدة كافةً، والذي جعل جامعة القرويين إرثاً حضارياً يجذب السائحين من أنحاء العالم المختلفة.

التحديات التي واجهت فاطمة الفهرية
تشير الفترة الزمنية التي عاشت فيها فاطمة الفهرية، القرن التاسع الميلادي، إلى أنّها واجهت تحديات خلال مسيرتها. على الرغم من عدم تسليط الضوء على ذلك، إلّا أنّ المرأة في ذلك الوقت كانت محدودة الدور في الحياة العامة، وبالتالي إنشاء فاطمة الفهرية مبادرةً غير تقليدية كبناء الجامع، أمر لا بدّ أن يواجه الاستغراب في المجتمع.
بالإضافة إلى ذلك، استغرق مشروع إعادة بناء الجامع تقريباً 18 عام كما ذكرنا. بالتالي، تحمّلت فاطمة مسؤوليةً كبيرةً وخططت بدقة للموارد لتضمن تأمين تمويل المشروع طوال فترة البناء.
كانت تمتلك رؤيةً مستقبليةً عظيمةً؛ فلم تجعل المسجد مكاناً للعبادة فحسب، بل حوّلته لمركزٍ تعليمي لتشجيع الطلاب والعلماء على طلب العلم. كما لا يمكن أن ننسى أنّها عانت من تحديات في حياتها الشخصية، أبرزها فقدان زوجها ووالدها؛ فتحملت مسؤولية نفسها، وأموالها، ومشروعها دون الاستعانة بأحد عزيز عليها، فكان العبء أكبر.
إقرأ أيضاً: قصص نجاح ملهمة لشخصيات مشهورة
تأثير فاطمة الفهرية
فاطمة الفهرية كان لها تأثير عميق على العالم فهي مؤسسة أقدم جامعة في العالم فتأسيس الجامع الذي تحول إلى جامعة القرويين ساهم بنشر العلم والمعرفة والأخلاق الحميدة ليس في المغرب بل في العالم الإسلامي كله، ولتلك الجامعة فضل كبير على أهم العلماء والمفكرين الذين تركوا بصمة في الفكر الإنساني، لذلك فاطمة الفهرية مثال للمرأة المبادرة لفعل الخير والمساهمة في تقدم المجتمع، كما ألهمت قصتها الأجيال القادمة من نساء ورجال؛ إذ تظهر أهمية الكرم، والعطاء، والإيمان، والمساهمة بنشر التعليم.
كما ساهم المشروع العظيم الذي أنشأته فاطمة في تحويل مدينة فاس إلى عاصمة علمية وروحية للمغرب، وحافظت تلك المدينة على دورها الهامّ لقرون طويلة.
من الهامّ أن نتذكر أيضاً أنّ فاطمة الفهرية لم تسعَ لتحقيق مكاسب مالية أو شخصية من مشروعها، بل كانت تسعى دائماً لتقديم الخير للجميع وخدمة المجتمع؛ إذ يرسّخ ذلك قيم العطاء والإيثار التي يؤكد عليها الدين الإسلامي.
أهم الأقوال والاقتباسات المأثورة لفاطمة الفهرية
لا يوجد أقوال مأثورة تعود إلى فاطمة الفهرية، ولكن أهم ما قيل عنها هو ما ورد عن ابن خلدون؛ إذ قال في كتاب "العِبَر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر"، عنها: "كأنّما نبّهت عزائم الملوك بعدها، وهذا فضل الله يؤتيه لمن يشاء من عباده الصالحين".

الجوائز والتكريمات التي حازت عليها فاطمة الفهرية
حظيت فاطمة الفهرية على احترام وتقدير كبير في المغرب والعالم الإسلامي عامةً، فكان ذلك بمنزلة تكريم لها وكانت بنظر الجميع أم البنين رمز العطاء، أما جوائز مادية أو غيرها فلم تكن شائعة في ذلك الوقت، ويمكن اعتبار استمرار جامعة القرويين كصرح علمي وأقدم جامعة في العالم باعتراف اليونسكو وموسوعة غينيس للأرقام القياسية بهذه الحقيقية أهم تكريم عالمي للإرث الذي تركتها فاطمة الفهرية.
كما أن عديداً من مؤسسات عصرنا الحالي أو المنظمات، تطلق مبادرات لتحفيز النساء وتكريم الرائدات منهنّ في مجالات التعليم باسم فاطمة الفهرية، مثل جائزة فاطمة الفهرية لتكريم المرأة في مدينة فاس وجائزة فاطمة الفهرية في الدراسات الإسلامية في جامعة ألبرتا في كندا، ويُعد كل ما سبق أسمى التكريمات التي يمكن أن يحصل عليها إنسان مساهِم في نشر العلم.
حقائق غير معروفة عن فاطمة الفهرية
نظراً لكوننا نتحدث عن مشروع حدث في القرن التاسع الميلادي بالتالي يوجد حقائق غير معروفة عن فاطمة الفهرية، أو ربما غير مؤكدة عن مستوى ثقافتها، وكيف أشرفت على بناء الجامع، ومن ساعدها في ذلك المشروع.
ربما يعود السبب في التقصير في توثيق سيرة حياة فاطمة الفهرية لحرمة المرأة وتوخّي الحذر في التحدُّث عن حياتها الشخصية، وخاصةً في ذلك الوقت، حتى أنّ التاريخ لم يذكر شيئاً عن أبناء فاطمة الفهرية؛ فاسم أم البنين، يعود لكرمها وإنفاقها على الفقراء.
ولا يوجد رابط رسمية تتبع لها مباشرةً فهي شخصية تاريخية وللحصول على معلومات موثوقة يمكن الرجوع للمراجع التي تناولت حياة فاطمة الفهرية وإنجازاتها مثل كتب التاريخ الإسلامي والمغربي الذي ذُكر فيه قصة تأسيس أقدم جامعة في العالم كما يمكن زيارة المواقع الإلكترونية للمؤسسات التي تعنى بالتراث مثل مواقع اليونسكو.
إقرأ أيضاً: من سجين إلى مليونير شهير : قصة نجاح كلايد بيزلي
في الختام
فاطمة الفهرية هي امرأة عربية من القرن التاسع الميلادي أنشأت مشروعاً ساهم في تخليد اسمها في أهم السجلات التاريخية؛ إذ كان لها الفضل في تأسيس أقدم جامعة في العالم، وهي جامعة القرويين.
تحدثنا في مقالنا عن السيرة الذاتية لفاطمة من طفولتها وتلقّيها للتربية الصالحة، إلى امتلاكها المال الوفير وكرمها على المساكين وطلاب العلم، ثم تأسيسها وبنائها جامع القرويين الذي تحوّل لجامعة نشرت العلم والمعرفة في ظل كثيرٍ من التحديات. لذلك، كانت ولا تزال فاطمة الفهرية ملهمةً للنساء والرجال.
أضف تعليقاً