تخيل أنَّك تمتلك فكرة مشروع هامة جداً، ولكن تحتاج إلى مموِّلين يؤمنوا بمشروعك ويقدِّموا الدعم المادي والمعنوي اللازم، وتُقنِع عدداً من الجهات بتبنِّي مشروعك دون جدوى، فكيف تُقنِعهم؟
يعد إقناع الآخرين أمراً بسيطاً جداً بالنسبة لبعض من الأشخاص ولا يحتاج جهداً كبيراً، فالإقناع مهارة يتميز فيها بعضهم، ولكنَّها مكتسبة وليست حكراً على أحد، فالجميع قادر على تعلمها، والجميع بحاجة لزيادة قدرته عليها من أجل النجاح في علاقاته الشخصية وحياته المهنية ومختلف جوانب الحياة، وأساس الإقناع هو القدرة على بناء حجج منطقية ليبدو رأيك هاماً، ولا يُقاوَم. سيعلِّمك مقالنا اليوم كيفية بناء الحجج المنطقية التي تقنع الآخرين.
ما هي الحجج المنطقية وما أهميتها؟
هي الحجج المبنية على مبادئ صحيحة وواضحة ومنطقية تقدَّم بطريقة متسلسلة ومنتظمة ومدعومة بالأدلة المترابطة والقوية بخلاف الحجج غير المقنعة المبنية على مغالطات وافتراضات وأمثلة بسيطة وكلام لا دليل على صحته، وتعتمد فيه على عواطف المتلقي فقط، فيندفع جرَّاء الكلام لاتخاذ قرارات غير صائبة، وتكمن أهمية الحجج المنطقية في تحقيق ما يأتي:
1. حل المشكلات
تحل الحجج المنطقية المشكلات المعقدة؛ لأنَّها تحلل المعلومات وتربط الأدلة والبراهين للوصول إلى القرار الصحيح.
2. بناء علاقات متينة
تجعلك الحجج المنطقية شخصاً موثوقاً في أعين الجميع؛ لأنَّها حوار متناسق ومنطقي وواقعي، فالإنسان بحاجة لأن يُنظر إليه بوصفه شخصاً موثوقاً في حياته المهنية والشخصية.
كيفية بناء حجج منطقية تقنع الآخرين
يمكن بناء الحجج المنطقية المقنعة وتحسين التواصل مع الآخرين والابتعاد عن المغالطات وسوء الفهم من خلال اتِّباع الاستراتيجيات التالية:
1. فهم الجمهور
يجب معرفة الجمهور الذي تحاوره وتُقنعه جيداً، وذلك بتحديد ما يأتي:
1.1. تحديد القيم
لا تتجاوز قيم ومعتقدات كل فئة ولا تغيِّرها تغييراً مفاجئاً؛ لذلك يساعدك فهم تلك الخطوط الحمراء على تجنب الاعتراضات المحتملة وتوقُّع ردود الأفعال.
2.1. فهم الاحتياجات والاهتمامات
فكِّرْ جيداً بالموضوعات الهامة والرغبات والاهتمامات الرئيسة للجمهور قبل الدخول بحوار معه.
3.1. تحديد مستويات المعرفة
يختلف الحوار باختلاف ثقافة الجمهور، فلكل فئة مستوى معرفة معيَّن يُحدَّد بناءً على العمر أو الجنس، بالإضافة إلى تحديد المستوى التعليمي والخلفية الثقافية ويُحدَّد مستوى المعرفة بناءً على المهنة، فمثلاً إن أقنعت المزارعين باستخدام تقنية جديدة في الزراعة، يجب أن تقدِّم حججاً مبينة على الفوائد الاقتصادية لهذه التقنية بالدرجة الأولى.
2. صياغة الأفكار الرئيسة
لا تدخل حواراً قبل صياغة الجمل الرئيسة التي تعبِّر عن الأفكار الأساسية التي تقدم الحجج وتدافع عنها، فتلك الجمل تجعلها سهلة الفهم وهي بمنزلة الجسر الذي تصل من خلاله إلى عقل المستمع، ولصياغة الأفكار الرئيسة ركِّزْ على النقاط التالية:
1.2. اللغة الواضحة
تجنَّبْ الغموض والعبارات المبهمة، فمن الأفضل اختيار عبارات واضحة وسهلة الفهم بالنسبة للجميع، والأفضل أن تكون الجمل مبينة على كلمات مألوفة ومصطلحات تناسب المستوى المعرفي للجمهور.
2.2. تجنُّب الشمولية
اختَرْ أفكاراً أساسية تغطي جوانب الموضوع الأساسية، فلا تقل "التدخين ضار بالصحة"؛ بل قل "يزيد التدخين احتمال الإصابة بسرطان الرئة"، ولا تقل "الرياضة مفيدة" بل قل "تعزز الرياضة الصحة الجسدية والنفسية والاجتماعية".
3.2. تقديم أفكار قابلة للإثبات
جرِّب أفكاراً رئيسة وقابلة للإثبات من خلال كثير من البراهين والأدلة، فلا يجد المستمع فيما بعد صعوبة في البحث عن صحة الأدلة للأفكار التي قدمتها.
4.2. التركيز
لا تبتعد عن الموضوع الأساسي ولا تقدِّم كثيراً من الأفكار الفرعية البعيدة عن الموضوع.
شاهد بالفيديو: كيف تمتلك مهارة الإقناع والتأثير في الآخرين
3. تقديم الأدلة
يجب عدم انتظار المستمع ليبحث بنفسه عن أدلة تثبت صحة الأفكار التي قدَّمتها؛ بل قدِّمها بنفسك لأنَّها تعطي أفكارك قوة ومنطقية ومصداقية عالية، فتبتعد عن الشك، والأدلة لها عدة أشكال كالتالي:
1.3. الأدلة الحقيقية
عبارة عن الأرقام والإحصائيات ونتائج الدراسات العلمية التي أثبتت صحة أفكارك، بالإضافة إلى الأحداث التاريخية الواقعية التي أكدت منذ زمن طويل صحة كلامك، وكذلك يدعم الشهود والخبراء حجتك.
2.3. الأدلة المنطقية
التشبيهات والمقارنات كأن تقارن بين شخص مدخِّن وآخر غير مدخِّن، وتقديم أمثلة عن حالات متعددة.
3.3. الأدلة البصرية
عبارة عن صور وفيديوهات تشرح الأفكار وتثبِت صحتها، بالإضافة إلى الرسوم البيانية.
يمكنك اختيار الأدلة الملائمة للموضوع والتي يمكن للجمهور فهمها، فمثلاً إن تحدَّثت عن أضرار التدخين، قدِّرْ إحصائيات وتقارير طبية، أمَّا إن كنت تتحدث عن تقنية زراعية جديدة، فاستخدِمْ صوراً وفيديوهات، ولكن تذكَّرْ ضرورة تقديمها بتنظيم وإيجاز لتضمن تركيز المستمع.
4. التسلسل المنطقي
يمنع حدوث أي لبس ويجعل الحجة أكثر مصداقية ومقاومة للانتقادات، ويعتمد التسلسل المنطقي على التالي:
1.4. البدء بالأساسيات
هي المفاهيم والعبارات الرئيسة التي يحتاج المستمع معرفتها جيداً ليفهم موضوع الحوار والحجة التي تقدِّمها.
2.4. الانتقال تدريجياً
لا تبدأ بأفكار معقدة؛ بل ابدأ بالأفكار البسيطة أولاً، ثم انتقِلْ تدريجياً للمعقَّد منها.
3.4. الربط بين الجمل
يجب أن يشعر المستمع أنَّ حديثك متكامل ومتسلسل من خلال كلمات تربط بين الجمل، مثل كلمة "بالتالي"، "لذلك"، "كمثال على ذلك".
4.4. الاستنتاج المنطقي
يجب أن تصل إلى استنتاج منطقي في النهاية تستند عليه في حجتك، وهي المرحلة التي يقتنع فيها المستمع.
5. التعامل الصحيح مع الاعتراضات
الأمر الطبيعي عند طرح أية فكرة سواءً كانت جديدة أم قديمة أن تجد أمامك بعض المعترضين عليها نتيجة معتقدات شخصية أو مستوى الثقافة أو وجهات نظر خاصة؛ إذ يدل تعاملك مع الاعتراضات تعامُلاً طبيعياً على احترامك للمستمع، مما يبني الثقة بينكما ويوطد العلاقات، ويمكن ذلك من خلال:
1.5. التعاطف
أظهِرْ احترامك لمشاعر المستمع وافهم رأيه بطريقة تحدثك واستماعك له ولغة جسدك أيضاً، فلا تعبس ولا تغضب؛ بل اهدأ وابتسِمْ.
2.5. التوضيح الكافي
اشرَحْ للمستمع في حال لم يكن قد فهم فكرتك جيداً واعتراضه نتج عن ذلك، واستخدِمْ أسلوباً أبسط ليفهم جيداً.
3.5. تقديم مزيد من الأدلة
اذكر أمثلة إضافية وتحدَّث عن تجارب أكثر لتصل أفكارك بدقة.
4.5. الاعتراف بالاختلاف
اعترِفْ بوجود اختلافات بالآراء وباحترامك لذلك إن لم يقتنع المستمع.
6. الاستماع الفعال
هو مفتاح بناء الثقة والاحترام في العلاقات المختلفة، بالتالي هو مفتاح إقناع الآخرين بحجتك المنطقية وتفهُّم وجهات نظرك وتجنب الانتقادات وسوء الفهم، ولكي تستمع بفعالية ركز على النقاط التالية:
1.6. التركيز مع المتحدث
لا تهتم بأي شيء آخر غير المتحدث، فلا تنظر لهاتفك مثلاً أو تنشغل بأوراقك وما شابه؛ لأنَّ الانتباه الكامل يجب أن يكون للحديث.
2.6. فهم الكلام
لا تنظر للمتحدث فقط؛ بل افهَم المعاني والكلمات التي يقولها وافهَم المعاني وراء الكلمات أيضاً.
3.6. عدم مقاطعة المتحدث
امنحه الوقت الكافي ليشرح كلامه ويعبِّر تعبيراً صحيحاً عن مشاعره وشكوكه، حتى إن كنت تريد الرد وتوضيح فكرة معيَّنة، فيجب أن تنتظره لينتهي من كلامه.
4.6. طرح الأسئلة
يشعر المتحدث برغبتك في فهم كلامه عندما تطرح أسئلة وتحاول أن تتعمق بالحديث وتفهم وجهة النظر بدقة.
5.6. تلخيص ما قاله
تذكَّرْ الفكرة الأساسية وبعض الكلمات التي قالها بعد انتهاء الحديث ليشعر أنَّ كلامه وصلَ إليك وفهمته.
6.6. فهم الموقف
ضَعْ نفسك مكانه قبل أن تحكم على المتحدث وترد عليه وافهم مشاعره وإيمانه بالفكرة التي طرحها وشكوكه تجاه حجتك المنطقية.
7.6. احترام الاختلافات
لا تُشعِر المتحدث بكرهك له؛ لأنَّه خالفك بالرأي أو طلب مزيداً من الأدلة؛ بل كن منفتحاً وتقبَّل احتمالية أن تكون مخطئاً في نقطة معيَّنة واحترِم الاختلافات.
في الختام
يعدُّ بناء الحجج المنطقية أمراً ضرورياً عند طرح مشروع أو فكرة جديدة أو توضيح موقف في الحياة الشخصية، فهو يُقنِع الآخرين ويُجنِّب سوء الفهم ويحل المشكلات ويبني العلاقات المتينة، ولتقنع الآخرين يجب أن تتعامل مع اعتراضات بعضهم بأسلوب صحيح وأن تكون مستمعاً فعالاً لتركز على أفكار المتحدث، فتُقنِعه بأسهل طريقة.
أضف تعليقاً