انظر إلى الغرب؛ مهد هذه الثقافة الإنتاجية؛ حيث تُقاس القيمة بالإنتاجية وقوة الشركة بناءً على بطاقة العمل. وهناك، وتجد ملايين المهنيين الناجحين مادياً، لكنّهم يعانون من فراغ داخلي مريع يتمثّل بنجاحهم في أفعالهم على حساب شخصياتهم. وعليه، أصبح الأب يقدِّم نفسه بوظيفته قبل أدواره الأخرى، يُعرِّف عن نفسه بأنَّه "مدير تنفيذي"، وكأنَّ دور "الزوج" أو "الأب" هو مجرد هامش يُذكر في نهاية اللقاء.
هذه ليست مجرد مشكلةً اجتماعيةً؛ بل أزمة رسالة. فعندما تُعلِّق كل قيمة وجودك على حبل واحد هو العمل، ماذا يحدث عندما ينقطع هذا الحبل؟ عندما يتغير السوق، أو تخسر وظيفتك، أو تدرك أنَّ هذا الإنجاز المادي، لم يملأ الفجوة الروحية؟ عندئذٍ تنهار هويتك بأكملها.
يمثّل هذا المقال دعوةً لإيقاظ العملاق داخلك، ليس العملاق الوظيفي؛ بل العملاق الروحي الذي خُلق لرسالة أوسع من مجرد الراتب أو المنصب، فهل أنت مستعدٌّ لتوسيع خريطتك الوجودية؟
عرض التحدي: الهوية الأحادية (Single-Point Identity) - نقطة الضعف القاتلة
"لا تضع كل البيض في سلة واحدة".
يصرُّ غالبية المهنيين الناجحين على وضع قيمتهم الذاتية كلّها في سلة واحدة، وهي المهنة؛ وهو ما يُعرف بـ "ظاهرة الهوية الأحادية" (Single-Point Identity).
كيف يؤدي تعريف الذات الأحادي إلى فراغ داخلي؟
عندما تُعرِّف ذاتك بالكامل بوظيفتك، فإنك تمنح مؤسسة خارجية (الشركة، واللقب، والراتب) مفتاح التحكم في قيمتك الداخلية، ويخلق هذا فراغاً داخلياً خطيراً، لعدة أسباب:
- الرضى المشروط: يرتبط شعورك بالرضى بأداء العمل فقط، فإذا نجحت الصفقة وحصلت على ترقية، تشعر بالروعة، وإذا فشلت، تنهار نفسيتك، وكأنَّ الفشل المهني، هو فشل وجودي.
- هشاشة العلاقات: يؤدي التركيز الأحادي إلى هشاشة في العلاقات الأسرية والاجتماعية، فيصبح دور العائلة مجرد بند في قائمة المهام يُنجز بسرعة، وليس هدفاً روحياً بحد ذاته.
- العزلة عند التقاعد: يكتشف كثير من الناجحين بعد التقاعد أنهم لا يعرفون من هم خارج المكتب، فقد قضوا عقوداً في بناء كيان خارجي، وأهملوا تنمية الذات.
شاهد بالفيديو: 7 نصائح للتطوير الشخصي وتحقيق النمو المستمر
أمثلة عالمية تكشف الفجوة
1. أب يُعرِّف عن نفسه بوظيفته (المدير)
في اليابان حيث تنتشر ظاهرة "كاروشي" (الوفاة بسبب الإجهاد في العمل)، وهي مثال صارخ على أزمة الهوية، فالأب هنا يُسمى أحياناً "الساراري مان"، قد يقضي 14 ساعة يومياً في الشركة، عندما يعود للمنزل، لا يستطيع أن يتحول من "مدير في شركة " إلى مجرد "أب يحكي قصة لابنه".
يعيش هوية وظيفية صلبة لا تسمح له بالمرونة في تبنِّي دور الأبوة، مما يخلق فجوة عاطفية عميقة مع الأبناء الذين يفتقدون القدوة الأبوية لا القدوة المهنية، وهذه النماذج تكشف كيف أنَّ النجاح المهني الهائل، يمكن أن يكون فشلاً إنسانياً ذريعاً، وهو ما يجب علينا تجاوزه بالتركيز على الاستثمار العائلي بوصفه جزءاً من الرسالة الروحية.
2. الأم العاملة بين الذنب والضياع (الإنتاجية بدلاً من المعنى)
يوجد في الولايات المتحدة، وخصيصاً بين النساء ذوات الدخل العالي في "وول ستريت" أو "سليكون فالي"، إحساس دائم بذنب الأم العاملة؛ إذ يتشعرن بالذنب لغياب التوازن بين العمل والحياة الأسرية. ولكنَّ تظهر المفارقة الكبرى في شعور هذه الأم العاملة بالضياع وانعدام القيمة إذا لم تكن تعمل، وتنجز، وتحقق الإيرادات.
تكمن المشكلة في تعلُّق القيمة الذاتية لهذه الأم العاملة على "الإنتاجية المادية"، لا على "الأثر الروحي والتربوي" لدورها بوصفها أماً. بالتالي، تظهر لدينا فجوة إنسانية عميقة تتمثل بالاعتقاد الخاطئ بأنَّ قيمتها تكمن في ما تُنتجه بالعمل، لا في ما هي عليه في بيتها وأسرتها.
الخلاصة: عندما تُبنى الهوية الشخصية عل نقطة واحدة، فأنت مهدَّد بالكسر عند أول عاصفة.

الحل: توسيع دوائر الهوية (Identity Diversification) - الاستثمار في الذات الروحانية
"أعظم عمل فني لن تراه عيناك أبداً هو أنت نفسك".
إذا كنت تشعر بتهديد هويتك الشخصية الأحادية، فالحلّ في انتقالك من حصر تعريف الذات بما تفعله لكسب المال إلى تعريفها بمن أنت وما أثرك الحقيقي في هذه الحياة.
هذا جوهر توسيع دوائر الهوية، فتُتبنَّى أدوار مختلفة كالزوج والأب، بالجدية الروحانية نفسها التي نتبنَّى بها دور الموظف.
كيف تكتشف شغفك الروحي والإنساني؟
لا يُعد التوسع في الهوية مجرد توزيعٍ للوقت؛ بل توزيع للقيمة والرسالة؛ فكل دور هو باب لرسالة مختلفة تكتمل بها خريطتك الوجودية:
1. إحياء الشغف المنسي (البستنة بدلاً من الاجتماعات)
يخصص كثيرٌ من رجال الأعمال الناجحين في سن مبكرة وقتاً ثابتاً للهوايات غير المنتجة كالنجارة أو البستنة، قد يبدو الأمر متناقضاً مع الثقافة الإنتاجية، لكنّه ضروري لاستعادة التوازن بين العمل والحياة، هؤلاء الأفراد يدركون أنَّ العمل اليدوي أو الاتصال بالطبيعة، يعيد لهم إحساساً بالشغف القديم الذي لا علاقة له بالأرباح، مما ينشِّط الجانب الإبداعي والشخصي ويقلل من هيمنة التفكير المادي.
2. كتابة "رسالة شخصية" (ماذا لو اختفت شركتك؟)
حرّر نفسك من سجن اللقب، وجرِّب هذا التمرين: اكتب "رسالةً شخصيةً" لا تتضمن أية إشارة لعملك وشركتك؛ بل تركز حصراً على قيمك الأساسية، وأثرك المطلوب في أسرتك ومجتمعك. مثلاً:: "أنا هنا لأكون مصدر حكمة ورحمة لأسرتي، وداعماً حقيقياً لأصدقائي، ومُلهِماً للنمو الروحي لمن حولي". وعندما تستقي قيمتك من هذا المصدر الثابت، لن تسلبك أية وظيفة مهزوزة إحساسك بالذات؛ فأنت من تقرر قيمتك، لا السوق.

طرائق عملية لتجسيد الهوية الشخصية المتعددة: ثلاث خطوات بسيطة
1. تمرين "كعكة الأدوار"
ارسم دائرةً كبيرةً وقسِّمها إلى شرائح لتمثل أدوارك المختلفة: (موظف أو قائد - زوج أو زوجة - أب أو أم - ابن أو ابنة - صديق - صاحب هواية - خادم للمجتمع).
قيِّم كل شريحة الآن من 1 إلى 10 (مدى الرضى)، وعندما تجد أنَّ شريحة "الموظف" تحتل 90% من الدائرة، وتساوي 10/10 في التقييم، بينما "الأب" تحتل 5% وتساوي 3/10، تدرك فوراً أين يكمن الخلل الروحي. حرِّك النقص تجاه التوازن.
2. جدولة وقت "غير مهني" بثبات
تعامل مع وقتك العائلي والشخصي بقدسية اجتماع مجلس الإدارة نفسها، خصِّص في جدولك أوقاتاً ثابتة أسبوعياً لنشاط عائلي (مثل: "ساعة حكايات يوم الخميس") أو شخصي (مثل: "صباح السبت: قراءة وكتابة")، وسجِّله على أنه اجتماع لا يُلغى، فهذا الإجراء يرسخ في عقلك أنَّ هذه الأدوار هامة على قدم المساواة مع عملك.
3. تحديد القيم الأساسية
اكتب 3-5 قيم عليا تمثّل بوصلتك الروحية والإنسانية (مثل: الرحمة، وتنمية الذات باستمرار، والاتصال الحقيقي، والشكر)، ثم اسأل نفسك يومياً: "هل عشت اليوم وفقاً لقيمة الرحمة في تعاملي مع أسرتي؟" هذه القيم هي هويتك الحقيقية الثابتة التي يجب أن توجه كل أدوارك، وليس العمل وحده.

دراسة مرجعية: قوة التعقيد الذاتي (Self-Complexity) في مواجهة الإجهاد
"يقلّ تعرُّض الفرد ذي الشخصية المعقدة (متعددة الأدوار) للانهيار أمام الضغوطات".
لا تُعد هذه الاستراتيجية مجرد فلسفة لتنمية الذات؛ بل ويدعمها أيضاً علم النفس المعرفي. فقد طورت الباحثة "باتريشيا لينفيل" (Patricia Linville)، أستاذة علم النفس في الولايات المتحدة، مفهوم "التعقيد الذاتي" (Self-Complexity)؛ إذ تشير أبحاثها إلى:
أنّ الأفراد الذين يمتلكون هويات متعددةً وأكثر تعقيداً، هم أكثر قدرةً على مواجهة التوتر والإجهاد النفسي، والسبب هو أنَّ الفشل في جانب واحد، لا يدمِّر إحساسهم بقيمتهم الذاتية بالكامل.
وعليه، إذا خسر المدير ذو الهوية الأحادية وظيفته، ينهار عالمه، أمَّا المدير الذي يمتلك هويةً معقدةً (لأنّه أيضاً أب شغوف، ومتطوع في الأعمال الخيرية، ورسَّام موهوب)، فإنَّ خسارة الوظيفة، تشلُّ "الجانب المهني" فقط من هويته، بينما تبقى جوانب "الأبوة" و"العطاء" و"الإبداع" سليمة وقوية، لتكون بمنزلة شبكة أمان نفسية وروحية.
كما ويُمثّل التعقيد الذاتي مرونةً روحيةً؛ فهو الضمان الإلهي بأنَّ رسالتك لا يمكن أن تنتهي بإقالة أو إفلاس؛ إذ تمثّل أثرك الروحي والإنساني الذي لا يمكن لأية شركة أن تمتلكه أو تسلبه منك.
ختاماً: أنت أكثر من مجرد وظيفتك
"أنت لست قطرةً في المحيط، بل محيط بأكمله في قطرة" - جلال الدين الرومي.
يا صديقي، لعلَّ هذا المقال وصل إليك في لحظة تحتاج فيها إلى صفعة يقظة روحية، فانظر إلى نفسك في المرآة الآن، وتذكَّر: أنت أكثر من مجرد وظيفتك.
تُمثّل وظيفتك أداةً للرسالة، وليست الرسالة نفسها، كما وتُعد فصلاً في كتاب حياتك، وليست الكتاب بأكمله؛ إذ تكمن حياتك الحقيقية، وقيمتك الوجودية، وصلتك مع بالله سبحانه وتعالى، في تلك الأدوار التي لا تُدفع لك مقابلها، الأثر الذي تتركه في قلب زوجتك، الوعي الذي تبنيه في عقل ابنك، والرحمة التي تزرعها في مجتمعك، وهذا هو الإرث الحقيقي.
وعليه، تبداً خطوتك العملية البسيطة من هذه اللحظة؛ فعُد إلى رزنامتك، وحدِّد وقتاً ثابتاً واحداً هذا الأسبوع لشيء غير مهني، سواء كان ذلك نصف ساعة من التأمل، أم ساعة لعب مخصصةً مع أطفالك.
اجعل الهوية الشخصية خيمةً قويةً متعددة الأوتاد، لا عموداً واحداً مهدَّداً بالكسر. ابدأ اليوم؛ فرسالتك أسمى.
أضف تعليقاً