أمّي.. أتوسلُ إليك، عنادي وعصبيتي وانفعالاتي خارجة عن سيطرتي... إنّي نادمة، وأعتذرُ منك ، فهل تقبلين أن أُقبِّل قدميك وأشتمُّ رائحة الجنة تحت ثراهما؟


محتويات المقالة

    أمي: لا تقلقي بشأن عصبيتي وحدَّتي حين يشتد النقاش بيني وبين إخوتي، وأحياناً ربما تسمعين صوتي عالياً، ولا ترين له أي مبرر.. أرجوكِ أمي حاولي بقدر المستطاع أن تتجاهلي تصرفي، وإن تماديت أشعريني بحبك لي عبر نظراتك الحنونة  في عينيَّ، وكوني معي بانفراد.. حاوريني، إن كان أحدهم سبب لي بعض المضايقات، أو أشعرني بعدم الاحترام.. حاولي معرفة السبب بحنان، وإذا لم تجدي إجابة دعيني أخلو بأفكاري، وأتأملُ ذاتي دون ضغطٍ منكِ، إنهاانفعالات المراهقة، وليس هناك سبب آخر يدعو للخوف أو القلق..

    أحتاجك صديقة:

    أوقات كثيرة أشعر بغربة كبيرة تجرفني، لأجلس وحيدةً في غرفتي أتأملُ جدرانها، أحتاجُ لسماع صوتٍ حنون و دفء يدٍ تُربتُ على كتفي.. إنني في مرحلةٍ متقلبة المزاج.. أحتاج من يسمعني ويهتمُّ لأمري، يحاورني، ويحتوي عاطفتي.. أمي: لتكوني على علم بأن تلك هي احتياجات نفسية مرحلية، إن لم أجدها منك فقد أبحث عنها في مكان آخر - بالرغم من خوفي، ونبذي لتلك السلوكيات- فلا تبخلي بعاطفتك وودك وحبك لي..

    إنني أحتاج إلى صديقة مخلصة أتبادل معها أسرار الحياة وبعض الخصوصيات، أشياء كثيرة غامضة في حياتي بعد أن كنت طفلة ألعب مع الأطفال ـ أجري، وأركض، ونتبادل الضحكات ـ أصبحتُ أرى منك استنكارا لما كنت أقوم به، أحتاج النصح والمشورة،قراراتي غالبا ما تكون خاطئة، كوني لي تلك الصديقة النصوحة ، إشرحي لي كل ما يتعلق بالدين، وكيف أصبحتُ مكلَّفة، إني خجولة، ولا أجرؤ على سؤالك عن كثير من التساؤلات الشرعية، اعلمي يا أمي بأني أنفرُ كثيرا من الوعظ المباشر، والترهيب والترغيب، فأنا أعيش في عصرٍ غير عصركم، وأفكاري غير أفكاركم حين كنتم في مثل سني، ونجدها في قوله تعالى:"ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ" (النحل 125)، تلك الحكمة التي ذكرها القرآن  الكريم في النصح والتربية هي التي أحتاجها، وقول خير البشر عليه الصلاة والسلام:" ما كان الرفق  في شيء إلا زانه، وما نزع من شيء إلا شانه"، وقول علي كرم الله وجهه:"ربوا أولادكم لزمان غير زمانكم " و "لا تأدبوا أولادكم بأخلاقكم، لأنهم خلقوا لزمان غير زمانكم".. احتياجي هو الرفق في النصيحة والموعظة، بعيدا عن الزجر، والتأنيب، وتكرار ذكر الأخطاء والنقائص في شخصيتي..

    اجعلي بيننا حوارات هادفة، واستمعي لكلماتي باهتمام وتقدير، استمعي لي ولو كنتِ مشغولة، لا تتظاهري بإنصاتك لي وأنت مشغولة عني، اخبريني عن انشغالاتك كي أتفهم الوضع، ونؤجل حوارنا، فإني كما أحتاج لتنفس الهواء أحتاج لتلك الحوارات التي تجمعني بك كصديقة مخلصة وأم حنونة متفهمة.

    أيّ طريق أسلك؟

    أوقاتُ فراغٍ كثيرة تنالُ مني، لا أعرف أي طريق أسلكه كي أستثمرها، صديقاتي في المدرسة يتحدثن عن المسلسلات التركية والأفلام الأجنبية، يسخرن مني لعدم سماعي الأغاني، و جهلي بأسماء أولئك المشهورين من الفنانين.. أخبريني أيّ طريق أسلكه كي أشغل أقات فراغي بما يعود عليً بالفائدة، إنني أعاني فتراتٍ أشعرُ فيها بنقص الثقة بنفسي، وأخجل في المناسبات الاجتماعية.. شجعيني على حضور الفعاليات المجتمعية المثمرة التي تكسبني مهارات جديدة، وأدرك من خلالها طاقاتي وقدراتي الكبيرة..

    اثني على ما أقوم به من أعمال، سواء في المنزل أو في الأنشطة المدرسية، وإن أخفقتُ خذي بيدي، وعلميني كيف أتجاوز الإخفاق، أيقظي فيّ شعور الإرادة والعزيمة والإصرار للمتابعة.. أخبريني بأن الفشل بداية النجاح، وأن شمس الصبح تشرق بعد ليل مظلم طويل، علميني عن الحياة بأنها يوم حلو وآخر مر، حدثيني عن الصبر وكظم الغيض والعفو عن الآخرين، وكيف أتعامل مع الإساءة.

    اقتني كتباً لأجلي، وضعيها في مكتبة المنزل، اجعليها متعددة التخصص، أريد أن أملأ فجوة الاحتياج لدي في معرفة الكثير عن عالمي الداخلي ومراحل نموي، وتلك الكتب التي أكتسب من خلالها مهارات الثقةبالنفس، وتقدير الذات، وكيفية التعامل مع الآخرين، وتلك الكتب التي تتحدث عن النساء الخالدات عبر التاريخ، فأنا في فترة البحث عن القيم والمبادئ التي ستشكل حياتي المتزنة.

    في "المراهقة" ما أحوجني إليك!

    أمي: ستظلين أنت رايتي الأولى.. فيك أرى مقعدي من الجنة، وبِرُّك هو غايتي الكبرى.. لكن تفهَّمي مرحلتي التي أمر بها إنها مرحلة المراهقة، فأنا اليوم بجسدٍ كبير وتصرفاتُ طفلة، إنها من أخطر المراحل التي يمر بها الإنسان، إنها مرحلة متوسطة بين الطفولة والرشد، مرحلة الفطام من الطفولة، مرحلة تجمع بين سمات الطفولة  وسمات الرشد، إنها مرحلة يسعى فيها المراهق إلى الاستقلال الذاتي، وتحمُّل المسؤولية، فيها العديد من المظاهر النفسية والاحتياجات الأساسية التي تحتاج إلى إشباع بتوازن من قبل الوالدين والجو الأسري.

    مرحلة المراهقة، إنها مرحلة تدرُّج في سُلّم النضج الجسدي، و النفسي و الاجتماعي، والعقلي، فيها الكثير من الصعوبات التي تُحيَّرني، و تفقدني صوابي في كثير من الأوقات.

    امنحاني (أنتِ وأبي) بيتاً يُمارس الشورى في اتخاذ القرار، وحقي في أن أكون عضواً فاعلاً في الأسرة، لي أفكار كثيرة لإدارة المنزل بطريقة حديثة سهلة مرنة تمنحنا السعادة والطمأنينة بالتعاون معكما.

    فطام صعب:

    وأخيرا أقول - يا أمي - لقد حملتني في بطنك تسعة أشهر، وتحملتِ من الألم والسهر كثيراً من أجلي، وعانيت كثيرا أثناء فطامي الأول من الرضاعة، وحان الآن الفطام الأهم والحدث الأكبر، وهو فطامي من مرحلة الطفولة لأدخل في مرحلة جديدة تمهيدا لسن الرشد، إنه فطامٌ صعب علي، سنوات قد تمتدُّ إلى تسع أو عشر، فيها مراحل ثلاث من مراحل المراهقة، فأقول لك:صبرا كما صبرت على حملي وولادتي وفطامي الأول، امنحيني صبرا آخر للفطام الأخير الذي تنالين ثماره في رشدي ونضجي..

    أعلم أن تصرفاتي في أكثر الأوقات غير مقبولة، وغير معقولة، ولكن تقول مرحلتي (إن لم تُلبىَّ احتياجاتي النفسية التي أنا نفسي أجهلها في الغالب، فإن التعامل مع سلوكي، وتقويمه صعب جداً) وبدلاً من البحث عن كيفية تقويم السلوك، ابحثي عن السبب يا أمي.. بالتأكيد ستجدينه في إطار البيت، وليس خارجه..

    سأظل أكتبُ إليك خواطري.. فأنتِ مدرستي الأولى.. أرجوكِ لا تتركيني لمدرسةٍ أخرى..


    تنويه: يمنع نقل هذا المقال كما هو أو استخدامه في أي مكان آخر تحت طائلة المساءلة القانونية، ويمكن استخدام فقرات أو أجزاء منه بعد الحصول على موافقة رسمية من إدارة النجاح نت.