سنغوص معاً في عالم هذه التقنية المذهلة لنكتشف كيف يمكن الاتصال العصبي المباشر مع الدماغ وكيف يأخذنا ذلك لمستقبل أكثر إشراقاً.
ما هي الواجهات العصبية؟
تبدو الواجهات العصبية للوهلة الأولى أمراً معقداً وغريباً، ولكن في الحقيقة المفهوم بسيط ويمكننا تعريفه بأنَّه عبارة عن جسر يربط بين دماغ الإنسان والأجهزة الخارجية، مثل جهاز الكمبيوتر أو الأطراف الصناعية الذكية، وهي أجهزة إلكترونية تُزرَع في الدماغ البشري أو خارجه لتسجِّل النشاط.
أنواع الواجهات العصبية
يوجد منها عدة أنواع يمكن اختيار المناسب منها وفق الحالة، وهي كالتالي:
1. الواجهات العصبية التوغلية
تُزرَع فيهاأقطاب كهربائية في الدماغ البشري، وتتميز بالدقة وجودة الإشارة العالية؛ لذلك، تُعد خياراً مناسباً للتطبيقات المتطلبة للتحكم الدقيق.
2. الواجهات العصبية غير الجراحية
لا تُزرَع الأجهزة في هذا النوع ولا تتطلب جراحة؛ بل تستخدم مستشعرات خارجية ترصد النشاط العصبي. كما تُعد أكثر أماناً وراحة من سابقتها، ولكن لا تتميز بالدقة العالية ذاتها، كما أنَّها تعاني من قلة جودة الإشارة.
3. الواجهات العصبية جزئياً
تُعد جزئية التوغّل، ويُزرَع فيها أقطاب كهربائية في الجمجمة، ولكن ليس في الدماغ، أي لا يجري الاتصال العصبي المباشر مع الدماغ، فمثلاً تُزرَع الأقطاب بين الجمجمة والدماغ أو تحت الجافية، وتتميز بأنَّها تحقق توازناً بين السلامة والجودة في الإشارة.

كيف تحسِّن الواجهات العصبية وظائف الدماغ؟
يُطبَّق العلاج العصبي باستخدام الواجهات وتحسين وظائف الدماغ، من خلال فهم الواجهات للدماغ البشري، من خلال تأديتها المهمة كما يأتي:
1. الاستماع إلى الدماغ
تلتقط الواجهات العصبية الإشارات الكهربائية الدقيقة التي يولِّدها الدماغ البشري والتي تختلف وفق ما يفعل الدماغ. فمثلاً، تختلف عندما تحرك يديك عن الإشارة عندما تشعر بالسعادة أو الحزن، فلكل حالة بصمة كهربائية مخصصة، والواجهات كالقبعة أو السمَّاعات التي توضع على الرأس وتمتلك مستشعرات وظيفتها التقاط الإشارات المتسربة بدقة من مصدرها.
2. ترجمة الإشارات
تحلل الواجهات الإشارات الكهربائية التي سمعتها باستخدام برامج حاسوبية فائقة التطور والتي تشبه قواميس ضخمة للغة الدماغ.
3. إعطاء الأوامر أو التغذية الراجعة
تحوَّل الإشارة بعد الترجمة إلى أمر مفهوم للجهاز الخارجي، فمثلاً يحرِّك الشخص الطرف الصناعي فتحول الواجهة الأمر من الدماغ للطرف ليتحرك.
تطبيقات الواجهات العصبية في علاج اضطرابات الدماغ
تُعد الواجهات العصبية أكثر من مجرد أدوات مساعدة ليُتحكَّم بالأجهزة؛ بل إنَّها تقنيات واعدة جداً ومخصصة في مجال العلاج العصبي باستخدام الواجهات. الآن سنرى كيف يمكنها إحداث فرقاً حقيقياً في إعادة النشاط العصبي والعلاج:
تأثير الواجهات العصبية في إعادة النشاط العصبي بالدماغ
يحدث خلل في عمل الدماغ أو في الروابط بين الخلايا العصبية عند حدوث الاضطرابات العصبية، وينتج الخلل عن سكتة دماغية مثلاً أو أمراض تنكسية. فيأتي هنا دور الواجهات العصبية في تحفيز وتنظيم الدماغ البشري والتفاعل العصبي ليقوم بوظائفه جيداً من خلال ما يأتي:
1. اكتشاف الخلل
تراقب الواجهات نشاط الدماغ لتحديد المناطق ذات الكفاءة المتراجعة في العمل أو التي تعمل عملاً غير طبيعي.
2. إعادة التحفيز
ترسِل الواجهات العصبية الإشارات الكهربائية ذات الدقة العالية إلى مناطق معيَّنة من الدماغ بمجرد اكتشاف الخلل وتحديده لتؤثر فيها، فتنشط الخلايا العصبية الكسولة أو الخاملة، مما يعدل مسار الإشارات العصبية بعد أن فقدت فعاليتها.
فمثلاً، عند الإصابة بسكتة دماغية يفقد الإنسان قدرته على تحرك جزء من الجسد كاليد أو الأرجل؛ لأنَّ المسارات العصبية بين تلك العضلات والدماغ متضررة، فتحفِّز الواجهات العصبية مناطق من الدماغ أو الحبل الشوكي لبناء تلك المسارات أو لتُنشَئ مسارات بديلة، فيتحكَّم المريض بها، فهي درَّبَت الدماغ ليعيد تعلمه ويُرسِل إشارات صحيحة.
3. التعزيز العصبي
تعرض الواجهات العصبية في هذه الطريقة نشاط الدماغ البشري على شاشة أمام المريض – مثلاً، وعند نجاحه في تغيير نشاط الدماغ، تكافئه الواجهة بصوت أو صورة معيَّنة، ومع مرور الوقت يعدِّل الدماغ نفسه ذاتياً للوصول إلى الحالة المطلوبة، فيتحكم في وظائفه.
استخدام الواجهات العصبية لعلاج اضطرابات، مثل الزهايمر
تُعد الواجهات العصبية بصيص أمل جديد يحقق الحلم بالاتصال العصبي المباشر مع الدماغ لتُعالَج مجموعة واسعة من الاضطرابات كانت مستحيلة العلاج سابقاً أهمها:
1. مرض باركنسون
اضطراب عصبي مزمن يؤثرفي حركة الإنسان، فيصاب المريض برعشة أو بطء في الحركة ومشكلات في توازن الجسم وجمود، وينجم عادة عن نقص في الدوبامين الضروري لتنسيق الحركات.
هنا تؤدي الواجهات العصبية دورها فتُجرى جراحة لزرع الأقطاب الكهربائية الرفيعة في الدماغ، وتوصَل مع جهاز تحت الجلد وظيفته إرسال نبضات كهربائية للأقطاب المزروعة لتضبط النبضات وتعدل النشاط غير الطبيعي في الدوائر العصبية المتسببة بأعراض باركنسون، فيحدث تحسن كبير في الأعراض الحركية، وتقلُّ الرعشة والحاجة للأدوية وتتحسن المرونة.
2. مرض الزهايمر
أحد أكثر الأمراض العصبية التنكسية صعوبة وتعقيداً والملايين من البشر حول العالم مصابة به، فعند الإصابة بهذا المرض يحدث تدهور في الذاكرة والوظائف المعرفية تدريجياً، ومختلف العلاجات المتوفرة تُدير أعراض مرض الزهايمر.
لكنَّ الأبحاث الحالية، تكشف قدرة الواجهات العصبية على إبطاء التدهور في الخلايا العصبية، فتحفَّز مناطق الدماغ المسؤولة عن التعلم والذاكرة، وربما يمكن استعادة بعض القدرات المعرفية التي تسبب الزهايمر بفقدها.
يًُستخدَم في ذلك التحفيز العميق للدماغ (DBS)؛ فتُزرَع الواجهات العصبية في الدماغ لضبط نشاطه وبناء روابط جديدة أو تقوية الروابط الموجودة بين الخلايا العصبية، كما أنَّ التحفيز يضبط النشاط الكهربائي الشاذ ويعيده إلى مساره الصحيح.
كما أظهرت الاختبارات والدراسات التي أجريت على مرضى خضعوا للتحفيز العميق للدماغ تحسناً طفيفاً في الذاكرة وتباطؤاً في سرعة التدهور وخصيصاً في حال بدأ العلاج في مرحلة مبكرة من المرض ومازال البحث مستمراً للوصول إلى الترددات الأفضل للتحفيز.
شاهد بالفيديو: كيف تقي نفسك من الإصابة بمرض الزهايمر؟ " Lisa Genova" "ليزا جينوفا"
3. الاكتئاب الشديد والوسواس القهري
حالتان نفسيتان مجهدتان للإنسان تؤديان لتراجع حياته وأحياناً لا يُستجاب للعلاجات التقليدية كالعلاج السلوكي المعرفي. هنا يأتي دور الواجهات العصبية؛ فتُزرَع الأقطاب في المناطق المسؤولة عن تنظيم المزاج والسلوك والمشاعر وفق حالة كل شخص، ففي الاكتئاب الشديد تُستهدَف النواة المتكئة مثلاً وفي الوسواس القهري تستهدَف المحفظة الأمامية.
فيرصد التحفيز النشاط غير الطبيعي ويضبط الأماكن المسؤولة عنه، وأظهرت التجارب تحسناً كبيراً في المزاج وتراجع الأفكار الوسواسية، مما ساعد المرضى على العودة لحياتهم الطبيعية.
4. الصرع
يعاني كثير من المرضى من صعوبة السيطرة على نوبات الصرع بالرغم من استخدام أدوية قوية؛ لذلك، تُعد الواجهات العصبية حلاً أفضل. فهي تراقب النشاط الكهربائي في الدماغ باستمرار، وعندما يستقبل الجهاز إشارات تدل على بداية نوبة الصرع، يرسل نبضات كهربائية لتوقُّف النوبة قبل تطورها أو تقليل شدتها كثيراً.
5. الشلل
ينتج عن الإصابة بالسكتات الدماغية أو عن إصابات في الحبل الشوكي، وتكنولوجيا الواجهات العصبية تمكِّن الشخص الذي يعاني من الشلل من استخدام أطراف صناعية متطورة كما أشرنا لذلك مسبقاً، فتوصل الإشارات العصبية وصلاً طبيعياً لتُستعاد الحركة جزئياً في الأطراف المشلولة.
التحديات والمخاوف المرتبطة باستخدام الواجهات العصبية
يُعد العلاج العصبي باستخدام الواجهات العصبية رائعاً، ولكن لا بد من ذكر التحديات المتعلقة به أيضاً، وأبرزها ما يأتي:
- التكلفة العالية التي تجعلها غير متاحة بالنسبة للجميع.
- مخاطر العملية الجراحية، مثل النزيف والعدوى وتلف الأنسجة.
- المخاوف الأخلاقية المتعلقة بالخصوصية. فمثلاً، من يمتلك المعلومات حول الهوية الشخصية؟ وكيف يمكن الحفاظ على خصوصية البيانات العصبية والأفكار؟
- التحديات التقنية، مثل حاجة الأجهزة إلى صيانة وعمر البطاريات وحجم الجهاز أيضاً.
مستقبل الواجهات العصبية
في ما يأتي، لمحة متوقعة عن المستقبل الواعد لتكنولوجيا الواجهات العصبية لتكوِّن فكرة عن التطورات القادمة:
- اختراع أجهزة أصغر حجماً وأكثر دقة وأقل توغلاً ولا سلكية أيضاً.
- علاج الآلام المزمنة واستعادة البصر والسمع – مثلاً.
- استخدامها في تطبيقات التعليم والترفيه أيضاً.
في الختام
لقد قطعنا شوطاً طويلاً في استكشاف عالم الواجهات العصبية، ذلك الجسر الذي يضمن الاتصال العصبي المباشر مع الدماغ لتقديم حلول مبتكرة لعدد من الحالات الصحية المستعصية، مثل مرض الزهايمر وباركنسون، لتكون الواجهات العصبية ثورة حقيقية ومفتاحاً لآفاق جديدة تماماً في علاج الأمراض بالرغم من التحديات والمخاوف.

أضف تعليقاً