Top


مدة القراءة: 4 دقيقة

النقد الإيجابي البنّاء

النقد الإيجابي البنّاء
مشاركة 
الرابط المختصر

النقد الإيجابي عملة نادرة، فقد يستغرق الإنسان عمراً طويلاً وزمناً مديداً كي يجد شخصاً يقدم له نقداً إيجابياً بناءاً، وليس النقد الإيجابي هو الثناء والمديح والتزكية ولكنه بذل جهد لوصف العمل وذكر سلبياته وإيجابياته بوجه منضبط، فهو الذي يدفع المركبة إلى الأمام ويعطي الإنسان قدرة على الإنتاج والتطور.
النقد البناء يكون حول فكرة موضوعية يمكن قياسها،فالدخول إلى النيات والمقاصد ليس من النقد البناء، ولإيجاد نقاط تواصل لابد أن يكون النقد حول نقطة جوهرية واضحة ويكون البناء عليها تأصيلاً وتفريعاً.
الناقد الصادق يتجه نقده إلى صاحب العمل كيف يطوره ويرتقي به دون أن يدمره، فلا يكون هدفه إسقاط الآخرين أو إبراز ذاته من خلال نقده. واعلم أنه من السهل جداً انتقاد الآخرين واكتشاف الأخطاء وإبرازها،ولكن من الصعب بمكان إكمال البناء وإتمام النقص وسد الثغرات.
النقد البناء ما كان بعيداً عن الهوى والتعصب والأحكام المسبقة،بل لابد أن يكون هناك تجرد وإنصاف ومحاولة بناء نقدك على أصول شرعية أو عقلية كي ينضبط الأمر لديك. كثير من الجدل يبرز ويظهر بسبب أن النقد كان سببه الجهل أو الهوى والتعصب فلكي يكون نقدك مقبولاً ومحترماً لابد أن يكون مبني ومرتكز على أصول علمية صحيحة بعيدة عن الجهل والهوى.



إذا كان النقد يسبب فتنة أو يحدث منكراً أعظم من السكوت فالتزام الصمت وترك النقد هو الأولى،لأنه ليس من الحكمة أن تنتقد كل ما يحدث ويطرأ،والناس لو سكتوا عن أشياء كثيرة وتغاضوا عن قضايا سلبية لماتت في مهدها ولما حدث لها انتشار،ونحن نرى من أراد أن ينشر فكرة ما أن يطلب من الآخرين نقده.
الناقد الصادق لا يتعسف في عباراته ويغلظ في أقواله،بل ينتقي أعذب الألفاظ وأحسنها، فلكي يكون نقدك بناء لابد أن يكون هناك درجة من التواضع والاحترام للآخرين، واحتمال أن يكون الصواب مع الآخرين والخطأ معك،فأنت لا يمكن أن تملك الحقيقة المطلقة دائماً، فإن كان لديك الحق في بعض القضايا لا يعني ذلك امتلاكك للحقيقة المطلقة، والحق لن يقبل إذا كان مصحوباً بتعالي وازدراء للآخرين فالكل يظن أنه يملك الحقيقة .
أصول النقد البناء... كيف تنقد؟
الحديث عن النقد البناء المثمر له اصوله التي يحتاجها كل احد منّا
حسبي ان اذكر تلك الابيات للامام الشافعي فهي من اشهر ماقيل في النصيحه
تَعَمَّدني بِنُصْحِكَ في انْفِرَادِي
وجنِّبني النصيحة  في الجماعهْ
فَإِنَّ النُّصْحَ بَيْنَ النَّاسِ نَوْعٌ
من التوبيخِ لا أرضى استماعه
وَإنْ خَالَفْتنِي وَعَصَيْتَ قَوْلِي
فَلاَ تَجْزَعْ إذَا لَمْ تُعْطَ طَاعَة
واخيراً من كمال العقل والتعقل الا تنشغل عن نفسك بالبحث وتتبع أخطاء الاخرين
ولعلي اختم بهذا الحديث الشريف في النهي عن تتبع عورات المسلمين ويأتي في سياقها تتبع سقطات الاخرين بسوء قصد مع اتخاذ ذلك ديدن بل التاؤيل السئ للاخرين وتجريمه ثم تشريعه
صعد رسول الله صلى الله عليه وسلم المنبر فنادى بصوت رفيع فقال يا معشر من أسلم بلسانه ولم يفض الإيمان إلى قلبه لا تؤذوا المسلمين ولا تعيروهم ولا تتبعوا عوراتهم فإنه من يتبع عورة أخيه المسلم يتبع الله عورته ومن يتبع الله عورته يفضحه ولو في جوف رحله ...انتهى
النقد البناء ايها الاحباب الكرام مفهوم جميل الكل يحبه والقليل من يتقن فنونه وآدابه


ماهو النقد ؟                 
هونقد التعبير المكتوب أو المنطوق من متخصص يطلق عليه اسم ناقد عن سلبيات وإيجابيات أفعال أو إبداعات أو قرارات


كيف ننتقد ؟
1-      قبل الشروع بالنقد يجب عليك أن تتمهل وترى هل هذا النقد عند محله وأن يكون لك علم واسع في المسألة المنقودة حتى تقوم بالنقد عليها على علم وليس على التخمينات أو مجرد وجهة نظر فهناك فرق بين وجهة النظر وبين الانتقاد العلمي البناء فكم من شخص ينتقد شخصا ويكون الطرف المنقود له علم وله حجة فيما يكتبه ويقوله وقد لا يحتاج الموضوع إلى نقد بل مجرد استفهام أو استيضاح للمسألة المطروحة.

2-       لابد إن كنت لا تحيط علما بالمسألة المنقودة أن تستفهم صاحبها ما هي الفكرة عنده التي جعلته يكتب هذا الشيء.

3-      الثناء والاطراء لصاحب الفكرة او الموضوع الذي تفكر او تنوي في انتقاده فمجرد قيامه بطرح فكره وصياغتها هو امر يستحق الاشادة.

4-      قال رسول الله صلى الله عليه وسلم انزلوا الناس منازلهم . لابد أن تعرف ما هو مستوى الشخص المنتقد في العلم أو فيما يكتبه حتى تتعامل معه بالطريقة التي تناسب منزلته فإن كان ذاعلم ومكانة فتستفهمه عما اشكل عليك في كتابته و هكذا.

5-      قبل النقد قم بالثناء فالثناء والاطراء امر حاسم لتمهيد الارضية لنقد بناء او فعال و طريق الى فتح قلب الشخص الذي توجه اليه الانتقاد فمثلا عندما ترى كاتب او شخص قدم فكرة او موضوع معين
يجب عليك اولا ان تقوم بشكره على مجهوده وانه ماقدم هذا الامر الا من قناعته الخاصة التي يعتقد هو انها مفيده للكل ،ومحاولة أيجاد نقاط الاتفاق قدر الامكان،عندما تبدأ بالنقد فحاول ان تجد ماتتفق معه ضمن الموضوع وهذا من شأنه ان يجعلك اكثر موضوعيه واكثر جديه ويجعل الطرف الاخر ينظر لك كشخص صادق في نقده وطرحه لانه قدم الاتفاق على الاختلاف.

6-      تقمص فكرة الذي تنتقده، بمعنى انه يجب عليك ان تضع نفسك موضع الشخص وتفكر وفق وجهة نظره الخاصة وتحاول قدر الامكان فهم مراده ففهم الشخص قبل نقده امر حاسم ومهم للوصول الى نقد بناء او فعال
كثيرا ما يفشل النقاش او النقد بسبب عدم فهم الطرف الاخر او تعمد عدم الفهم لفكرة الموضوع او أساسه او حتى المراد منه.

7-      أنتقد الفكرة وليس الشخص , أن من أسوء الانتقادات هو النقد الشخصي والبعيد كل البعد عن الموضوعية , عندما تريد الانتقاد فاجعل كل تفكيرك في الفكرة نفسها وليس في الشخص أو حاول ان توضح باخلاص ان النقد الذي تقوم به هو نقد للافكار وليس للشخص.

8-      عدم زج الموضوع او النقد الى الطعن في النوايا والتشكيك في التوجهات،حينما تريد ان توجه نقدا لشخص حاول قدر الامكان ان تبتعد عن اسباب النقد فلكل امر سببه ولكل قضية اسبابهاقد تكون هناك فكره واحده ولكن لاسباب عديدة جدا ومختلفة

9-      أكثر من الفاظ الاتفاق،حينما تريد ان توجه نقدا فبدأ بقولك أنني اتفق معك بهذا ولكن الا ترى أننا هنا نرى اختلاف،أتفهم وجهة نظرك للموضوع واقدرها واحترمها ولكن الا ترى ان هذه النقطة قد تكون كذا وكذا ....
أن اختلافنا في وجهات النظر يعكس مزيجا من الافكار التي تحاول قدر الامكان حل المشاكل بمنظور او بأخر
هذه الاساليب من شأنها ان تلطف محاورك وتجعله يتقبل نقدك بل تجعله يتمنى مشاركتك في موضوعه لكي تنتقد افكاره.

10-   أحذر من تحويل النقد الى أنتصار او هزيمة للذي تنتقده ,أو ذكر العبارات التي يفهم منه المنتقد أنه جاهل أو أنه قد ارتكب جرما عظيما من الاسباب التي تؤدي الى فشل النقد هو حين يتحول الى معركة شرسة وحرب ضروس بين الناقد و صاحب الفكرة،في مثل هذه الظروف يقوم كلا الطرفان بالدفاع عن افكارهم حتى لو كانت خاطئة وغير صائبة ويكون النقاش عقيم وغير مجدي.

11-   لا تكن كالذبابة التي لا تقع الا على الجروح،حين تنتقد فيجب عليك اولا ان تبتعد عن الاخطاء التي يقع فيها محوارك فكلنا نعلم اننا جميعنا مخطئون،فاكثارك من تصيد الاخطاء يجعل مصداقيتك على المحك وانك شخص انتقادي وليس شخص ناقد،حاول ان تصحح الافكار الخاطئة بنوع من التماس العذر لصاحب الفكرة وتبرير موقفه ومحاولة تبيان خطأ الفكرة وليس خطأ الشخص حين يقتني مثل هذه الافكار.

12-   قم بايصال المعلومة وتجنب الاصرار على تقبلها،فحين توجه نقد لشخص يجب عليك ان تقوم فقط بايصال المعلومة وليس عليك ان تقنعهم بها،فالناس مثلك تماما لديهم عقول ويفكرون فليس من الداعي ان تصر وتلزم محاولك ان فكرتك هي الصحيحة،وبالنهاية لست ملزما باقناعهم بقدر ما انت ملزم بايصال المعلومة لهم
قد يكون رد واحد كفيل عن عشرات الردود بل افصح منها واكثر فائدة منها

ضوابط النقد البناء
يعتقد المؤرخون والباحثون في حياة المجتمعات والأمم وبعد دراسات وبحوث عديدة أن سقوط الحضارات والثقافات ليس من الضروري أن يكون بسبب الغزو الاستعماري الخارجي - كما قد يعتقد البعض بنظرية المؤامرة الخارجية - وهذا لا يقلل من أهمية وخطورة هذا العامل في السيطرة على الشعوب والمجتمعات عن طريق زرع ثقافة الهيمنة والاستلاب الثقافي والحضاري.
فقد يكون السقوط بسبب الأمراض التي قد يصاب بها المجتمع - أي مجتمع - وبالتالي تدفع هذه الأمراض المجتمع نحو السقوط في الهاوية.
وهذا ما تؤكده الدراسات التاريخية كما يذكر الباحث والمؤرخ البريطاني توينبي To»n¼ee بعد دراسة مستفيضة للحضارات وأسباب نشوئها وسقوطها إذ يؤكد:
إن الأمم لا تعتل بل تنتحر أي أن النخب المسيطرة تدخل في حالة نزاع دائم تعجز عن ابتكار حلول تحظى بالإجماع لمشكلاتها الحياتية المتراكمة والمتأزمة، وان حالة النزاع الدائم مع العقم عن إيجاد الحلول يدفع الناس العاديين إلى تقبل الحكم الأجنبي في المرحلة الأولى ثم الانحلال في آخر الأمر
وهذا ما يؤكد عليه القرآن الكريم منذ خمسة عشر قرناً من الزمان كما في قوله تعالى (وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ...
حيث تقرر الآية الشريفة أن التنازع طريق إلى الفشل في التعايش مع الجماعة الواحدة، وضمن سياج أو سور كلي، أو ضمن ما يصطلح عليه في علم النفس المعاصر العقد الاجتماعي الذي نحتاج إليه جميعاً ويقوم على عدة أسس مهمة تلزم الإنسان بمراعاتها أثناء عملية التعايش مع اقرار المجتمع وكما يقرر القرآن عملية التعايش في قوله تعالى (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا... فالتعايش حاجة بشرية شريطة أن يرتبط بالعقد الاجتماعي الذي يعني الخروج من نفق العزلة والفردية التي تكاد تطفو على السطح الاجتماعي كمشكلة حقيقية.
التقوقع على الذات والبقاء داخل عنق الزجاجة من المشكلات الخطيرة التي تعاني منها بعض الجماعات - باسم النخبوية أو حماية الذات أو العمق الفكري - في عالمنا الإسلامي ويستطيع الباحث رصد هذه الحالة في عدة مشخصات:

- عدم الإيمان بالآخر كمنافس يحقق ذاته وموقفه في الواقع الاجتماعي.
- عدم التعاطي مع تراث الآخر ثقافياً وفكرياً، مع قدرته على إثبات الذات.
- عدم الانسجام مع مواقف الآخر مع ما تحمله من إيجابية وقدرة على خلق تموجات حقيقية كرصيد اجتماعي.
- القطيعة مع الآخر وهذه نتيجة طبيعية للمقدمات السابقة مما يؤدي إلى إيجاد حالة من العزلة السلبية التي يقف الدين منها موقفاً سلبياً سواء على صعيد القرآن حيث قرر أن من أهداف الإيجاد بهذه الطريقة التعارف والتعايش الاجتماعي (وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا) وآيات أخرى كثيرة نتيجتها الحث على الحياة الاجتماعية ضمن الأطر والدوائر المعروفة، والمتتبع لآيات القرآن يجد كماً هائلاً من الآيات هي بمثابة الخطابات الجماعية يطلقها القرآن بصيغة الجمع للمسلمين وهي في حقيقتها تكاليف جماعية.


وأيضاً رصدت السنّة المطهرة روايات عديدة عن الرسول وأهل بيته
فقد ورد عن الرسول (ص) (المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم أفضل من المؤمن الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم)
وعنه (ع) أيضاً (يد الله مع الجماعة والشيطان مع من خالف الجماعة يركض)
وعنه (ع) أيضاً (أيها الناس عليكم بالجماعة وإيّاكم والفرقة)
ومن هنا تأتي أهمية التعايش والتفاعل مع الآخرين والتواصل معه أيضاً تراثاً وفكراً وثقافة، وأهم من ذلك كله التواصل عن طريق التلاقي والاستماع إليه رأياً وموقفاً وهذه المسألة - الاستماع - بمقدار ما هي على درجة كبيرة من الأهمية فعدم التفاعل معها على درجة كبيرة من الخطورة من حيث اختلال توازن السيرة المستقبلية لما تحمله في طياتها من أمراض خطيرة لها تأثيرها السلبي على المستوى الفكري والثقافي.


تنويه: يمنع نقل هذا المقال كما هو أو استخدامه في أي مكان آخر تحت طائلة المساءلة القانونية، ويمكن استخدام فقرات أو أجزاء منه بعد الحصول على موافقة رسمية من إدارة النجاح نت.





تعليقات الموقع