يحتاج كلُّ عمل إلى بوصلة تدلُّه على الطريق الصحيح، وتشير الدراسات إلى أنَّ نسبة عالية جداً من الأعمال الصغيرة معرَّضة للفشل خلال سنواتها الأولى؛ لانعدام أهم أسباب النجاح، وهو التخطيط الاستراتيجي الذي يُعدُّ مفتاحاً لأيِّ عمل صغير.
سيوضِّح لك مقالنا مفهوم التخطيط الاستراتيجي، وعلاقته بالأعمال الصغيرة، وسنقدِّم أهم النصائح التي تضمن نجاحه، فتابع القراءة.
التخطيط الاستراتيجي وأهميته
التخطيط الاستراتيجي: هو عمليَّة يقوم بها الأفراد أو أصحاب المشاريع أو الشركات الصغيرة والكبيرة ومختلف المنظَّمات، ويشمل تحديد الموارد، والموازنة بينها وبين الأهداف التي يجب تحقيقها؛ لتُستخدَم تلك الموارد استخداماً مثالياً ضمن قوانين وسياسات منظَّمة ومفروضة.
لا يُعدُّ التخطيط الاستراتيجي خطوة واحدة تتمُّ لمرَّة واحدة فقط، إنَّما هو عبارة عن خطوات مستمرة ومتوافقة للتغيُّرات التي تحدث في المحيط أو عند الطوارئ، وكان التخطيط الاستراتيجي في السابق عمليَّة خاصَّة بالقطاع العسكري، وتوافق ظهوره مع الحروب، ثمَّ انتقل المصطلح إلى المنظَّمات الإدارية؛ ليصبح جزءاً هامَّاً من مختلف الأعمال.
تعود أهميَّة التخطيط الاستراتيجي إلى عدَّة نقاط أهمها:
1. الوضوح
لا يمكن إنجاز الأعمال صغيرة كانت أم كبيرة دون توفُّر رؤية واضحة عن المستقبل الذي يسعى إليه العمل، والذي يحدِّد الدور الذي يؤديه كل فرد؛ للوصول إلى الهدف المشترك، ويوفِّر التخطيط الاستراتيجي تلك الصورة الواضحة عن المستقبل.
2. سهولة اتخاذ القرارات
لا يمكن اتخاذ قرارات حكيمة من دون توفُّر مرجع يوضِّح الواقع الحالي؛ ليتمكَّن المسؤول من تقييم كافة الخيارات المتاحة أمامه، ويُعدُّ التخطيط الاستراتيجي المرجع الذي يسهِّل اتخاذ القرار الحكيم والمناسب.
3. زيادة القدرة على التغيير
يجعل التخطيط الاستراتيجي الشركات ومختلف الأعمال أكثر قابلية واستعداداً للتغيُّر في الأوقات الطارئة والأزمات والتغيرات العالمية؛ فهو يضمن لها البقاء في السوق.
4. رفع مستوى الأداء
يساعد وجود أهداف واضحة، وتحديد الموارد والخيارات المتاحة على جعل العمل أكثر واقعية وانتظاماً وتناغماً، كما يساعد على تبسيط العمليات، وتقليل الهدر، وهذا يؤدي إلى رفع الكفاءة ومستوى الأداء.
5. تعزيز المكانة التنافسية
يمكن لشركة صغيرة التفوُّق على شركات مشهورة وكبيرة وتمتلك ماضياً طويلاً من خلال التخطيط الاستراتيجي، والذي يساعدها على اكتشاف االفرص واستثمارها استثماراً مثالياً، والتغلُّب على الصعوبات والتحديات في الحياة، والمنافسة بفاعليَّة عالية.
تحتاج الأعمال الصغيرة إلى التخطيط الاستراتيجي؛ لتتمكَّن من الدخول إلى السوق وإثبات نفسها، فالمنافسة شديدة، والتغيُّرات كثيرة، والموارد محدودة، وهذا يؤكِّد أهمية التخطيط الاستراتيجي للأعمال الصغيرة أكثر من غيرها.
أهم النصائح للتخطيط الاستراتيجي للأعمال الصغيرة
إليك هذه النصائح التي تساعدك على تطبيق التخطيط الاستراتيجي في مشروعك:
1. اعتمِد على تحليل "SWOT"
هو أداة تُحلِّل وضع أي عمل أو مشروع؛ لتفهَم الوضع الحالي، وتحدِّد فرص النمو، ويشمل هذا التحليل النقاط الآتية:
1.1. تحديد نقاط القوة
هو تحديد قدرات المشروع، والموارد التي تجعله مميَّزاً عن منافسيه، كأن تمتلكَ في عملك فريقاً موهوباً وخبيراً في مجال العمل، أو تمتلك سمعة تجارية مميزة؛ لأنَّ جودة منتجك عالية، أو مستوى خدمتك يلبِّي حاجة الفئة المستهدفة، ولا تنسَ أي تفصيل، فقد يكون مكان المتجر هو نقطة القوَّة التي تمتلكها وتميِّزك عن غيرك.
2.1. تحديد نقاط الضعف
توجد نقاط ضعف في كل عمل، ولا يمكن تجاهل هذه النقاط؛ لأنَّها تكبر مع الزمن، أو تتسبَّب بمشكلة في أوقات حرجة، ومن الضروري تحديدها، ومن هذه المشكلات: قلَّة الموارد المالية، أو عدم وجود خبرة كافية في قسم معيَّن من أعمال الشركة، أو الحاجة إلى عمَّال، أو أن تكون مساحة المتجر غير كافية، أو عدم القدرة على تنظيم فعاليات كبيرة تستضيف عدداً كبيراً من العملاء.
3.1. تحديد الفرص
هي كل العوامل التي يمكن استثمارها استثماراً صحيحاً، والاستفادة منها في الوقت المناسب؛ لتنمية العمل، وتحقيق تقدُّم ملحوظ بسرعة كبيرة، مثل التقنيات والتطبيقات الحديثة، والاعتماد على تكنولوجيا جديدة؛ لتغيير أنماط المستهلكين، أو التمكُّن من الدخول إلى سوق جديدة.
4.1. تحديد التهديدات
هي مختلف العوامل التي تسيء لعمل الشركة، أو تحاول إيقافها وتضعف إنتاجها، مثل وجود منافس جديد في المنطقة ذاتها، أو أسعار المواد المتقلِّبة.
2. اختَر أهدافك بعناية "SMART"
لا يمكن الاكتفاء بوضع أهداف فحسب حتى في أصغر الأعمال، فلا تستطيع العمل لشراء سيارة في نهاية العام، وأنت تحتاج لضعف الراتب الذي تتقاضاه لتلبية احتياجات أطفالك، ونفس الأمر ينطبق على إدارة الأعمال.
يجب أن تتمتَّع الأهداف التي تضعها بالصفات الآتية:
1.2. Specific (أهداف محدَّدة)
يجب عليك تحديد الهدف بوضوح ودقَّة، فلا تقُل الهدف هو زيادة عدد العملاء فحسب، بل قُلْ زيادة عدد العملاء بنسبة 15%.
2.2. Measurable (يمكن قياسها)
يجب أن تكون الأهداف قابلة للقياس؛ للتمكُّن من تقييم خطَّتك، ومتابعتها باستمرار؛ لتتأكَّد من نجاحها، أو ضرورة تغيير الاستراتيجيات، فمثلاً يجب يكون هدفك السابق هو زيادة عدد العملاء بنسبة 15% خلال الشهرين المقبلين، أو زيادة الإنتاج بنسبة 20% خلال السنة القادمة.
3.2. Achievable (يمكن تحقيقها)
لا يمكن تحقيق الأهداف غير الواقعية مهما كانت قدراتك، فلا تخطِّط لزيادة عدد العملاء 100% خلال عام.
4.2. Relevant (متعلِّقة بعملك)
يجب أن تكون الأهداف ضمن إطار العمل الخاص بمشروعك، فلا يمكن أن تضع أهدافاً شخصية ضمن خطَّة عمل شركتك، مثل أن تخطِّط لشراء أثاث جديد، أو تغيير الحاسوب؛ فهذه الأهداف غير متعلِّقة برسالتك في الشركة.
5.2. Time-bound (لها موعد نهائي)
ينبغي تحديد الموعد النهائي للهدف، فهذه النقطة هي ما يحدِّد إن كانت الخطة ناجحة أم لا؛ وذلك لتعرف أهميَّة تغيير الخطة، وتكتشف مكان الخلل في عملك، وتتمكَّن من إجراء التغيرات المناسبة قبل فوات الأوان.
3. تعمَّق في تحليل السوق
يُعدُّ العملاء والزبائن الأساس الذي يساعدك على التوسُّع في العمل، وزيادة الشهرة، فزيادة المبيعات تعني زيادة الربح، والقدرة على تطوير العمل؛ لذلك من الضروري تحليل السوق بدقَّة، ومعرفة طبيعة العملاء واحتياجاتهم، وذلك من خلال منصَّات التواصل الاجتماعي، والاطلاع على التعليقات والانتقادات الموجَّهة لمنتجات مشابهة لمنتجك، ومعرفة ما ينقصهم؛ لنيل رضى الزبائن، ولتتمكَّن لاحقاً من تلبية تلك الاحتياجات التي لم يستطع المنافسون تلبيتها، فتقدِّم العروض المنافسة، وتلفت انتباه الجميع في وقت قصير.
كما تحدِّد أيضاً الشريحة المستهدفة بالتسويق، والتي يجب تركيز الجهود عليها، إضافة إلى ذلك يساعدك تحليل السوق على اكتشاف نقاط القوَّة التي يمتلكها المنافسون والاستراتيجيات المتَّبعة في التسويق، فتكسب بعض الخبرة اكتساباً غير مباشر.
4. احرص على التطوُّر المستمر
نحن الآن في زمن التطوُّرات السريعة والابتكارات التي لا تتوقَّف في مختلف المجالات، فمثلاً: ازداد الحديث مؤخَّراً عن "شوكولا دبي"، والتي يعدُّها كثير من الناس ابتكاراً مذهلاً يضمُّ العديد من الطعمات المشوِّقة واللذيذة، لتصبح تلك العلامة التجارية أوَّل ما يفكِّرون فيه عند التحدُّث عن الشوكولا الفاخرة؛ لذلك عليك التفكير دائماً في تحسين المنتج، والاستفادة من التكنولوجيا التي أصبحت الآن وسيلة جيِّدة للتواصل مع العملاء، وأخذ الآراء، ومعرفة التغيُّرات في سلوك المستهلكين واتجاهات التسويق، وهذا يساعدك على تقديم أفضل العروض وأكثرها مناسبةً للواقع الحالي.
5. ابنِ علاقات وطيدة مع العملاء
تمتلك العلامات التجارية الناجحة علاقات وطيدة مع العملاء، ويشعر العملاء برابط خاص مع متجر معيَّن؛ لأنَّه يُظهر الاهتمام الكافي لهم؛ لذلك ركِّز على هذه النقطة في خطَّتك، وذلك من خلال تقديم خدمات سريعة، والرد على الاستفسارات، وسؤال العملاء باستمرار عن رأيهم؛ ليشعر العميل بوجود ولاء تجاهك.
شاهد بالفيديو: 8 قواعد لخدمة عملاء جيدة
6. استخدِم التسويق الرقمي
يتميَّز عصرنا الحالي بأنَّه عصر رقمي بامتياز؛ لذلك ركِّز على تصميم موقع ويب يمكن استخدامه بسهولة، ويستطيع جذب الجميع، إضافة إلى تحسين محرِّكات البحث؛ ليزداد ظهور موقعك في نتائج البحث، ويمكن استخدام الإعلانات المدفوعة على منصَّات "الفيسبوك" و"غوغل" وغيرها؛ لتصل إلى أوسع شريحة، فوسائل التواصل الاجتماعي هامَّة لتوطيد العلاقة مع العملاء.
7. تتبَّع الحالة المالية للمشروع
يجب أن تكون الميزانية في مشروعك مفصَّلة وواضحة، وتساعدك على تتبُّع النفقات، وتضمن الالتزام في خيارات التمويل المتاحة لك، فلا تقع في أزمات مالية مفاجئة.
8. كُن مرناً
ينبغي الاستعداد للتغيير دائماً، فلا توجد خطَّة ثابتة؛ لأنَّ الظروف الاقتصادية غير ثابتة، وتجعلك المرونة أكثر ثباتاً في السوق.
9. اطلب الدعم
تحتاج الأعمال إلى دعم دائم، فاستشِر الخبراء، وشارِك التخطيط مع فريقك، واستخدِم أدوات جيدة؛ لتتمكَّن من وضع الخطة الأفضل لعملك.
في الختام
تحتاج الشركات والمنظَّمات ومختلف الأعمال للتخطيط الاستراتيجي؛ لكونه يساعد على اتخاذ القرارات الحكيمة، ويحسِّن الأداء، ويساعد على التغلُّب على التحديات. لقد تحدَّثنا في مقالنا عن أهمِّ النصائح التي تساعدك على التخطيط الاستراتيجي للأعمال الصغيرة تخطيطاً فعَّالاً، مثل وضع الأهداف القابلة للقياس والتحقيق والتي تمتلك موعداً نهائياً، وتحليل السوق تحليلاً عميقاً؛ لتحديد الشريحة المستهدفة واحتياجات العملاء، ولا تنسَ ضرورة البحث المستمر؛ لتقديم الخدمات المناسبة للعصر الحالي، وكذلك متابعة الوضع المالي لعملك، والتركيز على التسويق الرقمي، والحصول على الدعم من الخبراء؛ لتبقى على المسار الصحيح.
أضف تعليقاً