في هذا المقال، نميط اللثام عن المفهوم الحقيقي للتفكير الإيجابي وأهميته الجوهرية في تحرير الفرد من سلطة الظروف. كما نستعرض القوى المحيطة التي تشكّل هذا الوعي، مع رصدٍ لأبرز العوائق الخفية التي تسرق مرونتنا النفسية.
ما هو التفكير الإيجابي حقاً؟ أبعد من مجرد تفاؤل عابر
كثيراً ما يُساء فهم التفكير الإيجابي على أنه مجرد ابتسامة دائمًا وتجاهل للمشاكل، لكن المتخصصين في علم النفس والتربية يرون أبعاداً أعمق من ذلك بكثير. في أدبيات علم النفس التربوي ويُنظر إلى التفكير الإيجابي على أنه : "قدرة الطالب على تبنى أفكار ومعتقدات إيجابية تنعكس على تقبله لذاته وللآخرين وتجعله قادر على السيطرة على تصرفاته مع الأشخاص والأحداث بما يرتقي بها ويساعده على استثمار القدرات والإمكانات وتطويعها بما يتناسب مع المواقف والمشكلات المختلفة."
ويُعرف التفكير الإيجابي أيضاً بأنه: "نمط من أنماط التفكير يجعل الفرد يكيف عقله على التعامل مع الأفكار والمشكلات بصورة سهلة وبثقة ومهارة مما ينتج عنه نتائج إيجابية."
شاهد بالفيديو: 16 أمراً يؤكد أهمية التفكير الإيجابي في حياتنا
لماذا يصنع التفكير الإيجابي فارقاً حقيقياً في حياتك؟
قبل قرون مضت، لخص الإمبراطور الروماني ماركوس أورليوس هذه الحقيقة في مقولته الشهيرة: "إن حياتنا من صنع أفكارنا؛ فإذا ساورتنا أفكار سعيدة كنا سعداء، وإذا تملكتنا أفكار مشينة غدونا أشقياء، وإذا هاجمتنا أفكار مزعجة تحولنا خائفين" بناءً على هذه الرؤية العميقة، تتجلى أهمية التفكير الإيجابي في عدة جوانب جوهرية تعيد تشكيل واقعنا كما يلي:
- التحرر من رحمة الظروف: الأشخاص الذين يستسلمون للأنماط السلبية يجدون أنفسهم دائماً تحت رحمة الظروف الخارجية والعقبات، في حين أن أصحاب العقلية الإيجابية يمتلكون زمام المبادرة ويتغلبون على الصعاب مهما بلغت شدتها.
- التفكير الإيجابي يجلب السعادة، فالأفكار التي تشغل العقل تكون ذات أهمية أكثر من كل شئ في الحياة، فكوننا لا نستطيع شراء السعادة ولا الفوز بها، لذا يجب أن نختارها وذلك بأفكارنا الإيجابية.
- يساعد على التركيز على الحل عند مواجهة الصعوبات، فالإنسان يعرف جيداً أن كل مشكلة مهما كانت لها حل، لذلك فهو يأخذ الأمور ببساطة ويفسرها لنفسه بطريقة إيجابية ويستمر يفكر بهذه الطريقة مهما كانت آراء الناس أو المؤثرات الخارجية أو الداخلية حتى يجد الحل للمشكلة.
- كذلك يدفع الفرد أن يكون اجتماعياً ويحب مساعدة الآخرين، فالشخصية الناجحة تتمع بأسلوب إيجابي يحترم الآخرين ويتعامل معهم بتقبل تام، فهو يحب الناس ويتمتع بمساعدتهم فيقوم بتقديم يد العون لهم بكافة الطرق الممكنة.

سمات خفية تميز العقلية الإيجابية الذكية
التفكير الإيجابي ليس عملية عشوائية تحدث بمحض الصدفة، بل هو سلوك منظم يحمل جملة من الخصائص الديناميكية التالية:
- التفكير سلوك هادف على وجه العموم لا يحدث في فراغ أو بلا هدف.
- التفكير سلوك تطوري يزداد تعقيداً مع نمو الفرد وتراكم خبراته.
- التفكير الفعال هو التفكير الذي يستند إلى أفضل المعلومات الممكن توافرها ويسترشد بالأساليب والاستراتيجيات الصحيحة.
- الكمال في التفكير أمر غير ممكن في الواقع، والتفكير الفعال غاية يمكن بلوغها بالتدريب والتمرين.
- يتشكل التفكير من تداخل عناصر المحيط التي تضم الزمان (فترة التفكير)، والموقف أو المناسبة والموضوع الذي يجري حوله التفكير.
من أين نكتسب طريقتنا في التفكير؟ محددات تشكّل وعيك
لا يولد الإنسان بنمط تفكير ثابت؛ بل تتضافر عدة عوامل وقوى محيطة لتشكيل ملامح عقليته وسلوكه:
1. الثقافة والنظام الاجتماعي والسياسي السائد
إن المفاهيم الإيجابية وما يرتبط بها من ثقة أو استراتيجيات في التفكير ليست قاصرة على حضارة أو عرق أو دين، إنها توحي بالإمكانات الهائلة التي يمكن أن يتطور بها أي مجتمع، ويمكنه أن يعزز لدى أفراده السلوك الإيجابي، وتضع لذلك فنيات وممارسات يمكن الاسترشاد بها في تطوير الشخصية في مختلف الحضارات والعقائد.
كما أن التفكير الإيجابي موجود عند كل فرد لأنه متعلم وبالإمكان تعلمه إذا تعلم الفرد ممارسته، وهذا يرجع إلى الثقافة المرجعية التي يرجع إليها الفرد.
2. المحيط الأسري
لا يوجد هناك من المؤسسات أو الهيئات التي تستطيع أن تؤدي الدور الذي تؤديه الأسرة في حياة الأفراد، فالأسرة هي البيئة الأولى الذي يتهيأ فيه مواقف الأفراد ويتشكل فيه سلوكهم، ونمط تفكيرهم، وتظهر فيه اتجاهاتهم ومعارفهم وقيمهم.
3. المدرسة
وهي مؤسسة اجتماعية تربوية تقوم بعمليات التعليم والتربية معاً، بوظيفتين هما: الأولى تتعلق بنقل التراث والمحافظة عليه، والثانية تتعلق بالتغير ومواكبة التطور.
النظام التعليمي الجيد هو الذي يستطيع التوفيق بين هذين الجانبين، والمدرسة بشكل عام مثلها مثل المؤسسات المختلفة تتكون من مجموعة من العناصر الأساسية التي تتكامل مع بعضها البعض بنائياً وتتساند وظيفياً للحفاظ على استمرارية هذه المؤسسة وبقائها.
4. وسائل الإعلام المختلفة
أثبتت بعض الدراسات أن هناك تأثيراً مباشراً وملحوظاً للتلفاز والبث الفضائي على سلوك المشاهدين وتفكيرهم، كما وجد تأثير ملحوظ للمشاهدة التلفازية في مبادئ الأفراد ومدى تقبلهم للمعايير الاجتماعية وقدرتهم على التكيف معها، كما أن سهولة الوصول إلى المعلومات باستخدام تقنيات مثل شبكة الإنترنت العالمية تؤدي إلى ركون الأفراد إلى الوسائل والتقنيات دون أن يستخدم تفكيره.
5. الشعور بالنقص والدونية
يعتبر هذا العامل من العوامل المهمة التي تؤثر في نمط وأسلوب التفكير لدى الفرد فتجعله تفكيراً إيجابياً أو سلبياً.
6. الحروب
القول المشهور في هذا المجال أن الحروب يصنعها الكبار ويقع ضحيتها الصغار، هو أكبر تعبير عن مدى التأثير المعنوي والنفسي لهذه الحروب على الأطفال، حيث تؤكد كثير من الدراسات والبحوث النفسية أن أخطر آثار الحروب هي التي تظهر على الأطفال من حيث فقدان التوازن النفسي لديهم، وظهور الكثير من المشكلات النفسية كالقلق والفزع والتعاسة والعدوانية والعصاب النفسي وغير ذلك.

احذرها: عوائق غير مرئية تسرق منك التفكير الإيجابي
تتمثل عوائق التفكير الإيجابي فيما يلي:
- ضعف الإيمان: بمعتقدات الفرد الإيجابية وبالهدف.
- البرمجة السابقة: أي خبرات الفرد السابقة وخاصة أول سبع سنوات في حياة الفرد ففيها يتكون أكثر من (%90) من القيم التي يكتسبها الفرد من الوالدين والعائلة والمدرسة والأصدقاء، فلو كانت البرمجة سالبة فهي تؤثر بشدة على الفرد في كافة النواحي ومنها التفكير.
- غياب الهدف: عدم وجود هدف محدد في حياة الإنسان يجعله ضعيفاً.
- الخوف من الفشل: بأن يشعر الفرد أنه إذا أقدم على أي عمل فإنه حتماً سيفشل.
- صدى الصوت: أي الحديث الذاتي للفرد فهو يرتد إليه تماما كصدى الصوت.
- المؤثرات الداخلية: وهي من أكبر التحديات التي يواجهها الفرد في حياته وهي تحدياته مع نفسه، فهي قد تؤثر على سعادة الإنسان وعلى تفكيره.
- المؤثرات الخارجية: قد تكون من أهم عوامل ضياع الأهداف والتفكير السلبي فقد يتأثر الفرد بصديق له فيسلك مثله لذلك فالمؤثرات الخارجية سواء كانت أشخاص أو وسائل إعلام أو غير ذلك قد تكون من أهم أسباب التفكير الإيجابي.
- العيش في الماضي: وخاصة إذا لم يتعلم الفرد من الماضي فيجد نفسه سجيناً في الأحاسيس السلبية التي ليس لها وجود إلا في الذاكرة.
- الخوف من المواجهة: هي عدم القدرة على مواجهة الضغوط.
الركائز السبعة لإعادة توجيه حياتك
حتى تنعم بعقلية إيجابية متزنة، هناك سبعة مبادئ رئيسية يجدر بك تبنيها:
- إن المشكلات والمعاناة تتواجد فقط في الإدراك فحتى نغير الواقع نغير الإدراك من سلبي إلى إيجابي.
- لا تصبح أنت المشكلة افصل بينك وبين المشكلة.
- مهما فكرت في نفسك فأـنت أقوى مما تتخيل.
- تعامل مع المشكلات بهدوء في وضعها الطبيعي لإيجاد حل مناسب ولا تجعل المشكلة التي تمتلك.
- تعلم من الماضي وعش الوقت الحاضر وخطط للمستقبل وتعلم من المشكلات لكي تتقدم.
- لابد من الارتباط بالله عزوجل ففي ذلك يجد المرء حلولاً لجميع مشكلاته.
- المفكر هو الشخص الذي يقوم بعملية التفكير، والفكر هي الفكرة ذاتها، أما التفكير هو امتداد الفكرة والتحليل وإعطاء المعنى.
في الختام
يبقى التفكير الإيجابي اختيارًا شخصيًا يصنع فارقًا حقيقيًا في حياة الإنسان، لكنه لا ينمو في فراغ؛ بل يحتاج إلى بيئة داعمة تغذّيه وتوجّهه. ومن هنا يبرز دور المدرسة في غرس هذا النمط من التفكير لدى الطلاب، من خلال تشجيعهم على التفاؤل، وتنمية ثقتهم بأنفسهم، وتدريبهم على مواجهة التحديات بروح إيجابية. فحين تتكامل إرادة الفرد مع دعم المؤسسة التربوية، يصبح التغيير ممكنًا… ويتحول التفكير الإيجابي من مجرد فكرة إلى أسلوب حياة.
المصادر +
- أحمد حسن (2024)، السعادة والتفكير الإيجابي، وكالة الصحافة العربية، القاهرة.
- إسماعيل محمود عبد الرحمن (2019)، علم النفس الإيجابي، مؤسسة طيبة للنشر والتوزيع، القاهرة.
- بلعوزر فتحية، وبوستة بختة (2021-2022)، التفكير الإيجابي وعلاقته بالتوافق النفسي لدى الطلبة الجامعيين.
- سلمى محمد السبيعي (2018)، فاعلية برنامج تدريبي قائم على مهارات التفكير الإيجابي في تحسين مستوى الضبط الداخلي.
- سوماهور أيوب (2019)، التفكير الإيجابي وعلاقته بمستوى السعادة لدى طلاب الجامعات بكوت ديفوار.
- غادة فرغل جابر (2017)، التفكير الإيجابي وعلاقته بالتسويف الأكاديمي لدى طالبات كلية التربية للطفولة المبكرة.
أضف تعليقاً