كيفية إخبار الشريك عن تجربة تحرُّش سابقة

تُعتبر تجربة التحرُّش من التجارب المؤلمة التي تترك آثاراً عميقة في حياة الأفراد. قد يواجه الناجون من هذه التجارب تحديات كبيرة عند بدء علاقات جديدة، خاصة عندما يتعلق الأمر بمشاركة تفاصيل هذه التجارب مع الشريك. إن الحديث عن الماضي، خصوصاً عندما يتضمن ذكريات مؤلمة، يمكن أن يكون عملية شاقة تتطلب الكثير من الشجاعة والحساسية.



سنستعرض في هذا المقال بعض الخطوات العملية والنصائح القيمة التي تساعدك على إخبار شريكك عن تجربة التحرُّش السابقة، وسنتناول أهمية اختيار الوقت والمكان المناسبين، وكيفية التعبير عن مشاعرك بطريقة واضحة وصادقة. بالإضافة إلى ذلك، سنبحث في كيفية الاستعداد للردود المحتملة من الشريك وكيفية التعامل مع تلك الردود بكفاءة.

ما هو التحرُّش؟

التحرُّش هو سلوك غير مرغوب فيه يهدف إلى استغلال الآخرين بطرائق تجعلهم يشعرون بالإهانة، أو التهديد، أو الإذلال. قد يتجلّى هذا السلوك بطرائق مختلفة، سواءً كانت واضحة مثل التعليقات الجسدية، أو غير مباشرة مثل النكات المسيئة، ويمكن أن يحدث في سياقات متعددة، بما في ذلك بين الأشخاص من نفس الجنس. يعتبر التحرُّش جزءاً من مجموعة أوسع من السلوكات المعروفة بالعنف الجنسي، والتي تشمل أيضاً أشكالاً أخرى من الاعتداء، مثل الاغتصاب والتعذيب. إنّ فهم طبيعة التحرُّش وأبعاده المختلفة أمر ضروري لمواجهة هذه الظاهرة بصورة فعّالة؛ إذ يمثل تحدياً يتطلب منا جميعاً العمل نحو خلق بيئة أكثر أماناً واحتراماً للجميع.

ما هي الأماكن التي يحدث فيها التحرُّش؟

يمكن أن يحدث التحرُّش في أي مكان، سواءً كان في العمل، أو المدرسة، أو الجامعة، أو حتى في المتاجر والأماكن العامة، مثل الاحتفالات ووسائل النقل. وفقاً لهيئة حقوق الإنسان الأسترالية، تتنوع صور التحرُّش الجنسي؛ حيث تشمل التحديق، والتعامل الودي غير المرغوب فيه، مثل الاحتكاك أو الاحتضان غير المناسب، إضافة إلى استخدام تعليقات ذات إيحاءات جنسية أو سرد نكات تحمل طابعاً جنسياً. كما يتضمن التحرُّش استخدام ألفاظ موحية أو طرح أسئلة شخصية حول الحياة العاطفية أو السلوك الجنسي للضحية، وعرض مواد جنسية بطريقة غير ملائمة، كأن يضع موظف إعلانات إباحية في مكان العمل.

تعتبر منظمة الصحة العالمية أنّ التحرُّش الجنسي ليس سلوكاً منفصلاً؛ بل هو جزء من العنف الجنسي، ويشكل مشكلة كبيرة، خاصة في الأماكن التي يُفترض أن تكون آمنة مثل المدارس. في دراسة أجريت في مقاطعة ماشينغا في مالاوي، تم تسليط الضوء على خطورة هذه المشكلة؛ حيث أظهرت النتائج أنّ 8% من طالبات المرحلة الابتدائية تعرضن لتعليقات جنسية، و13.5% تعرضن للمس، بينما بلغت نسبة الاغتصاب وممارسة الجنس بالإكراه 3.6%.

كما أفاد أساتذة من 32 مدرسة، من أصل الأربعين المشمولين بالدراسة، أنّهم يعرفون زملاء لهم قاموا بمراودة الطالبات عن أنفسهن، وأشار أساتذة من 26 مدرسة إلى أنّهم يعرفون أستاذاً تسبب في حمل إحدى الفتيات. تعكس هذه الأرقام المقلقة حجم المشكلة وتؤكد الحاجة الملحة للتصدي للعنف الجنسي بكل أشكاله.

شاهد بالفيديو: 6 نصائح لحماية طفلك من التعرض للتحرش الجنسي

أسباب التحرُّش

يثير موضوع العوامل التي تدفع الأشخاص لممارسة التحرُّش جدلاً واسعاً ونقاشات حادة. يعتقد البعض أن الكبت الجنسي قد يكون أحد أسباب التحرُّش، لكن الشواهد من المجتمعات المنفتحة أو غير المحافظة تدحض هذا الافتراض؛ حيث إن التحرُّش الجنسي موجود أيضاً في تلك البيئات. من ناحية أخرى، يشير آخرون إلى أن غياب التقاليد الدينية أو القيم المحافظة هو ما يؤدي إلى هذه الظاهرة، لكن هذا الادعاء يتناقض مع الواقع؛ حيث تعاني عديدٌ من المجتمعات المحافظة، مثل المجتمع المصري، من معدلات مرتفعة من التحرُّش الجنسي.

وفقاً لمنظمة الصحة العالمية، هناك عوامل تزيد من مخاطر التحرُّش الجنسي، والتي يمكن تصنيفها إلى مجموعتين: الأولى تتعلق بالسمات الفردية للشخص، بينما ترتبط الثانية بالسياق الاجتماعي والثقافي الذي يعيش فيه الأفراد. تعكس هذه العوامل تعقيد المشكلة وتؤكد الحاجة إلى فهم شامل للتصدي الفعال لتحرُّش الجنسي.

1. السمات الفردية للشخص

تشير الأبحاث إلى أن هناك مجموعة من العوامل التي يمكن أن تسهم في زيادة مخاطر التحرُّش. من بين هذه العوامل، نجد:

  • تؤدي العضوية في العصابات أو مجموعات السوء؛ دوراً في تعزيز السلوكات العنيفة.
  • يمكن لشرب الخمر وتعاطي المخدرات، بما في ذلك الإدمان، أن يساهم مساهمةً كبيرةً في تصرفات غير مقبولة.
  • يمكن أن يرتبط التحرُّش بوجود شخصية معادية للمجتمع، مثل الأفراد الذين يعانون من اضطرابات نفسية مثل السايكوباثية.
  • يمكن لنقص التعليم أيضاً أن يزيد من احتمالية حدوث هذا السلوك؛ حيث يمكن أن يؤدي إلى ضعف الوعي بالقيم الإنسانية.
  • يُعد التعرض للعنف أو الاعتداء الجنسي خلال الطفولة من العوامل المؤثرة أيضاً؛ حيث يمكن أن يترك أثراً نفسياً يدفع البعض لتكرار هذه الأنماط السلبية.
  • تساهم النظرة التي تتقبل العنف في التعامل مع المرأة، وكذلك الممارسات الخيانية، في تعزيز ثقافة التحرُّش.

2. السياق الاجتماعي والثقافي المحيط بالفرد

تساهم النظرة التقليدية في المجتمع التي تعطي الأفضلية للرجل، والمعروفة بمصطلح "المجتمع الذكوري"، في تعزيز سلوكات التحرُّش. ترى بعض القناعات الاجتماعية الشاذة أنّ التحرُّش أو الاعتداء الجنسي هو تعبير عن قوة الرجل وذكورته. كما يعزز هذا الفهم الخاطئ النظرة اللائمة تجاه النساء؛ حيث يُعتقد أن الفتاة المتحرُّش بها "تستحق ذلك" بسبب ملابسها أو المكان الذي تواجدت فيه. هذه الأفكار تشكل جريمة أخرى في حق المرأة، فالمتحرُّش يستهدف أي فتاة بغض النظر عن ملابسها، ولا يحق لأي شخص تبرير سلوكه بمظهر الضحية.

تشير منظمة الصحة العالمية إلى أنّ غياب القوانين الرادعة وسلطة القانون، يعد من أبرز الأسباب المجتمعية وراء استمرار العنف الجنسي والتحرُّش. إنّ القوانين الفعالة هي ما يمكن أن يحمي الضحايا، ويحدّ من تصرفات المتحرُّشين، مما يستدعي ضرورة تعزيز التشريعات وتطبيقها بجدية لحماية الجميع.

كيف نواجه التحرُّش الجنسي؟

عند التعرُّض للتحرُّش الجنسي، فإليكِ بعض الخطوات الهامّة التي يمكنك اتخاذها:

1. من الضروري إخبار شخص مقرب

سواءً كان فرداً من العائلة أو صديقاً أو حتى مديرك في العمل، عن الواقعة؛ حيث يمكن أن يساعدك ذلك في اتخاذ القرار الصحيح.

2. يُستحسن التعرُّف على القوانين والعقوبات المتعلقة بالتحرُّش في مكان عملك أو دراستك

إذ تحتوي معظم المؤسسات على سياسات وإجراءات واضحة للتعامل مع هذه الحوادث.

3. من الهامّ توثيق كل تفاصيل الحادثة

بما في ذلك الوقت، والمكان، والأشخاص الذين شهدوا الحدث إذا كانوا موجودين؛ حيث يمكن أن تكون هذه المعلومات مفيدة عند التحدث مع المسؤولين.

4. لا تنسَ الاحتفاظ بأي دلائل تدعم موقفك

مثل الرسائل النصية، أو الفيديوهات، أو رسائل البريد الإلكتروني، أو حتى التسجيلات الصوتية؛ حيث يمكن أن تكون هذه الأدلة حاسمة في معالجة القضية.

العوامل التي يجب النظر إليها قبل إخبار شريكك عن تجربة التحرُّش

قبل إخبار زوجكِ عن تعرضكِ للتحرُّش، هناك مجموعة من العوامل الهامّة التي يجب أخذها بعين الاعتبار مثل:

1. يؤدي مدى تفهم الشريك دوراً أساسياً في هذه المسألة

فإذا كان زوجك متفهماً ومثقفاً، فمن المرجح أن يتقبل ما تمرين به. أما إذا كان متعصباً أو قد يبدي ردود فعل حادة، مثل التهديد بالطلاق، فربما يكون من الأفضل الاستعانة بأحد أفراد العائلة لمساعدته على استيعاب الأمر.

2. تُعد ثقة الشريك بشريكته عاملاً رئيساً أيضاً

فإذا كان شريكك يمنحك ثقته الكاملة، يمكنك إبلاغه بما تعرضت له من مضايقات، ولكن إذا كان شكاكاً، فقد يعتبر تلك التحرُّشات خيانة، مما يتطلب منك اختيار الوقت والكلمات المناسبة بعناية لتوضيح أنك في حاجة لدعمه.

3. تأتي بعدها خطورة التحرُّش الذي تعرضت له

إذا كان الأمر مجرد ألفاظ خادشة أو تعدٍ لمرة واحدة من شخص غير حاضر معك في كل الأوقات، قد يكون من الأفضل تجنب إخبار زوجك لتفادي إزعاجه. لكن إذا كان التحرُّش متكرراً أو جسدياً، خاصةً في مكان العمل، فعليك إبلاغه، خاصةً إذا كنت غير قادرة على التعامل مع الوضع بمفردك.

4. يجب التفكير في العواقب المحتملة لعدم إبلاغ الزوج

قد تؤدي هذه العواقب إلى مزيد من التعقيدات. لذا، من الهامّ أن توازني بين المخاطر والفوائد قبل اتخاذ قرارك في إبلاغه أو عدمه.

إقرأ أيضاً: التحرش الجنسي في المدارس

كيف أخبر شريكي بأني تعرضت للتحرُّش؟

عندما تتعرضين للتحرُّش، قد يترك ذلك أثراً عميقاً في قلب الشريك. لذا، من الهامّ أن تخبريه بالأمر بطريقة هادئة ومتأنية. اتّبعي هذه الخطوات:

1. بدء الحديث ببعض الكلمات العاطفية لتجهيزه للموضوع

وتقبّلي أي رد فعل قد يظهر منه، لأن مثل هذه الأمور قد تكون صعبة عليه في البداية.

2. اختيار الوقت المناسب يعد عاملاً حاسماً أيضاً

لذا يُفضَّل أن تخبريه عندما يكون هادئاً ومسترخياً، مثل حين تكونان في غرفتكما قبل النوم. تجنبي طرح الموضوع عندما يكون غاضباً أو مرهقاً من العمل، أو خلال لحظات التوتر بينكما؛ حيث قد يُفهم ذلك كنوع من المكايدة.

3. من الضروري أن تكونا وحدكما عند إبلاغه

لذا يُفضل أن تتحدثي معه بعيداً عن الأطفال أو أي شخص آخر. يمكنك الانتظار حتى يغادر الأطفال إلى المدرسة أو يناموا، أو حتى الخروج إلى مكان هادئ إذا كان أحد أفراد العائلة يعيش معكما.

4. عند الحديث عن الموضوع، من الأفضل التركيز على ما هو هامّ فقط

يمكنك أن تخبريه أنّكِ تعرضتي للتحرُّش من شخص ما دون الخوض في التفاصيل الدقيقة؛ حيث إنّ ذكر الكلمات أو التفاصيل الدقيقة قد يترك أثراً سلبياً في ذاكرته ويزيد من حدة ردة فعله.

5. المفيد استشارة شخص مقرّب منكما

إذا كنتِ تشعرين أنّ شريكك قد يجد صعوبة في استيعاب الأمر، فقد يكون هذا الشخص صديق أو أحد أفراد العائلة، لمساعدتك في إيصال ما حدث بطريقة تضمن تجاوز المخاوف وحاجز الخجل.

إقرأ أيضاً: المتابعة النفسية المنتظمة وأهميتها في رحلة التعافي من التحرش

في الختام

يجب أن نؤكد على أهمية التواصل المفتوح والصادق مع الشريك عند الحديث عن تجربة التحرُّش السابقة. إنّ مشاركة هذه التجارب قد تكون خطوة صعبة، لكنّها ضرورية لبناء الثقة وتعزيز العلاقة.

تذكّروا أعزاءنا القرّاء أنّ الدعم المتبادل هو أساس أي علاقة ناجحة، وأنّ الحديث عن مثل هذه المواضيع يمكن أن يسهم في الشفاء والنمو لكليكما. لا تترددوا في البحث عن المساعدة من مختصين إذا دعت الحاجة لذلك، فالصحة النفسية تتطلب العناية والاهتمام.




مقالات مرتبطة