ازدادت في السنوات الأخيرة الجهود الحكومية والمجتمعية للحفاظ على شجرة الغاف وتعزيز زراعتها، إدراكاً لأهميتها البيئية والاقتصادية، فسنستعرض من خلال هذا المقال دور شجرة الغاف بوصفها حامية للصحراء وثروة الإمارات الطبيعية، ونكشف عن الجهود المبذولة لضمان استمراريتها للأجيال القادمة.
شجرة الغاف
تُعرَف أيضاً باسم شجرة الغافة، وهي من الأشجار الوطنية الأصيلة في الإمارات، فتمثل رمز الصمود والتعايش في الصحراء، وتحمل قيمة ثقافية كبيرة في الدولة، وتعد من النباتات المعمِّرة التي تنتمي إلى الفصيلة البقولية من رتبة الفوليات. تنمو في الصحراء العربية، وخصيصاً في الزاوية الجنوبية الشرقية من شبه الجزيرة العربية، وتوجد بكثرة في الإمارات رغم ندرتها في بعض المناطق، لا سيما في إمارة دبي، فتشتهر بقدرتها على تحمُّل أقصى ظروف الجفاف والحرارة والملوحة، كما أنَّها لا تتأثر بأشعة الشمس المباشرة.
يُعرف علمياً باسم (Prosopis)، ويتميز بتكاثره السهل ونموه السريع، الأمر الذي يجعله يتكيف جيداً مع الظروف البيئية المحيطة؛ إذ تمتد جذوره في التربة لمسافات تصل إلى 50 متراً، مما يساعدها على الاستفادة من المياه الجوفية. تنمو هذه الشجرة في السهول والكثبان الرملية، وقد يصل ارتفاعها إلى 12 متراً، مما يعكس قوتها وقدرتها على التكيف مع الظروف البيئية القاسية.
ما هي ميزات شجرة الغاف؟
تتمتع شجرة الغاف بمجموعة من الميزات:
1. تحمُّل أقسى البيئات
تتميز شجرة الغاف بقدرتها الفائقة على البقاء خضراء حتى في أقسى البيئات الصحراوية، مما يجعلها رمزاً للصمود.
2. بيئية
تؤدي دوراً حيوياً في دعم التنوع البيولوجي، فتوفر موائل هامة لعدد من الأنواع الحيوانية والنباتية.
3. سهولة التكاثر
تمتاز الشجرة بسرعة نموها وقدرتها على التكيف مع الظروف البيئية المختلفة، مما يسهل عملية زراعتها.
4. جذور عميقة
تتعمق جذور شجرة الغاف في التربة لمسافات بعيدة، مما يساعدها على الوصول إلى المياه الجوفية.
5. تحمُّل الجفاف
تستطيع امتصاص المياه من عمق يصل إلى 20 متراً تحت سطح الأرض، مما يعزز قدرتها على البقاء في ظروف الجفاف.
6. العمر الطويل
تعيش شجرة الغاف في المتوسط قرابة 120 عاماً، وهناك واحدة تُعرف باسم "شجرة الحياة" في البحرين، تجاوز عمرها 400 عام، مما يدل على قدرتها الفائقة على البقاء.
فوائد شجرة الغاف في حماية البيئة
- تتحمل شجرة الغاف الملوحة العالية وتقلبات الجو والرياح، مما يجعلها مثالية للزراعة في التربة الرملية.
- تقلل آثار التغير المناخي من خلال امتصاص كميات كبيرة من ثاني أكسيد الكربون.
- يمكن لشجرة الغاف أن تحتجز قرابة 34.65 كيلوغراماً من ثاني أكسيد الكربون سنوياً، مما يعزز جودة الهواء.
- تعد أزهارها وثمارها وأوراقها وأغصانها وجذورها موارد حيوية وموائل لتنوع واسع من النباتات والحيوانات المتوطنة في النظام الإيكولوجي الإماراتي.
- توفر أشجار الغاف ظلالاً ومناخاً مناسباً لعدد من النباتات الشجيرية والمتعرشة، مما يوفر موائل مريحة للكائنات الحية خلال فصل الصيف الحار.

أهم استخدامات شجرة الغاف
تُعد شجرة الغاف مصدراً حيوياً لعدد من الاستخدامات الاقتصادية والبيئية، فيُستخدم خشبها في أغراض البناء وصناعة الأدوات الخشبية والأثاث، مما يجعلها خياراً شائعاً في الصناعات المحلية، كما تُطحن ثمارها لتحويلها إلى خبز حلو الطعم، ويُعد غذاءً غنياً بالبروتينات والسكريات.
تتميز شجرة الغاف بتعدد استخداماتها، فهي تُستخدم بوصفها مصدات للرياح، مما يساهم في حماية البيئة المحيطة بها، ويُستخرج صمغها لطلي الفخار، وتدخل مكوناتها في تصنيع صبغات الشعر، مما يعكس تنوع فوائدها؛ إذ تُعد أوراق الغاف وقرونها مصادر غذائية قيِّمة، بينما تُستخدم فروعها لتغذية الماشية، مما يعزز دورها في الزراعة.
تكتسب شجرة الغاف مكانة مميزة في الطب التقليدي بفضل خصائصها العلاجية، فهي تحل مشكلات الجهاز الهضمي وتُستخدم أوراقها في صناعة الأدوية لعلاج التهاب الحلق والأمراض الجلدية، وتُستخدم الغاف في تشجير الشوارع والطرقات والمنتزهات العامة، مما يضيف لمسة جمالية راقية للمناطق الحضرية.
ما هي مكانة شجرة الغاف في الإمارات؟
بدأ الاهتمام بشجرة الغاف في الإمارات منذ عهد المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، الذي كان معروفاً بحبه العميق للطبيعة وحرصه على حماية البيئة، فتوسَّعت الدولة تحت قيادته في زراعة الأشجار عموماً، والغاف خصيصاً، وأصدر توجيهاته بمنع قطعها في جميع إمارات الدولة، وأمرَ باستزراع غابات جديدة منها.
تجسد رؤية حماية شجرة الغاف من خلال إطلاق مجموعة من الحملات الوطنية من قبل الجهات الحكومية، فشملت هذه الحملات مبادرات توعية بيئية تستهدف جميع فئات المجتمع، ونُظِّمَت مسابقات بيئية ووُزِّعَت ملصقات ومنشورات تسلِّط الضوء على أهمية شجرة الغاف وطرائق المحافظة عليها. كانت الغاية من هذه الجهود حماية الشجرة من خطر الانقراض، اعترافاً بقيمتها الكبيرة ودورها الحيوي في الحفاظ على بيئة الإمارات ومساهمتها الفعالة في مكافحة التصحر، بالتالي تعكس هذه الحملات الارتباط العميق لأبناء المنطقة بشجرة الغاف، التي تعد جزءاً من تراثهم وتاريخهم منذ القدم.
تُعد شجرة الغاف الشجرة الوطنية للدولة ورمزاً ثقافياً يعكس قدرتها العجيبة على التأقلم مع البيئة الصحراوية؛ لذا أولَت الإمارات اهتماماً كبيراً بها وأطلقت عدداً من المبادرات للحفاظ عليها وزيادة أعدادها، مما يعكس التزام الدولة بالاستدامة وحماية التراث الطبيعي.

سبب اختيار هذه الشجرة بوصفها رمزاً للتسامح
اختارت الإمارات في عام 2019 شجرة الغاف رمزاً لعام التسامح، ولم يكن هذا الاختيار اعتباطياً، فأشجار الغاف، بظلالها الواسعة وجذورها المتغلغلة في عمق التاريخ الإماراتي، كانت ومازالت شريان حياة أساسي لأجدادنا، وقد اجتمعوا تحتها في مجالس مفتوحة، يتشاورون في شؤونهم، ويُقيمون جسور التواصل بين القبائل المختلفة في مشهدٍ يُجسِّد التنوع والوئام؛ بل إنَّ بعض حكَّام الإمارات اتخذوا من هذه الأشجار مجالسهم، مستقبلين مواطنيهم مستمعين لمطالبهم بكل انفتاح.
كانت زراعتها وما زالت وسيلةً أساسيةً للحصول على الغذاء، مُرسِّخةً بذلك رمزيتها القوية للاستقرار والسلام في بيئة الصحراء القاسية، ولكن رمزية الغاف تتجاوز حدود دولة الإمارات؛ إذ يبرهن انتشارها الواسع في الشرق الأوسط، وأفريقيا، وآسيا الوسطى، والأمريكتين وإن اختلفت تسميتها من مكان لآخر على روابط ثقافية عميقة تجمع بين شعوبٍ متعددة، مُجسدةً بذلك رسالة التسامح العالمية التي أرادت دولة الإمارات إبرازها.

الحملات الإماراتية لحماية شجرة الغاف
تُظهر جهود دولة الإمارات العربية المتحدة اهتماماً بالغاً بشجرة الغاف، فهي رمز التراث الإماراتي وصمَّام أمان بيئي، وتُلاحَظ منذ اختيارها "الشجرة الوطنية" في عام 2008 مبادراتٌ متعددةٌ لتعزيز مكانتها وحمايتها، بدءاً من مشروعات ترقيمها في إمارات أبوظبي، ودبي، وعجمان، ورأس الخيمة، مروراً بزراعتها في محمية حزام غابات الشارقة لتعزيز التنوع البيولوجي، وصولاً إلى إطلاق الموقع الإلكتروني "غراس" في عام 2018 لتشجيع زراعتها بموجب قرار مجلس الوزراء رقم 18، كما اختيرت شجرة الغاف شعاراً لعام التسامح في عام 2019، مُجسدةً قيم الصمود والتواصل، وقد تجلَّى هذا الاهتمام في زراعة 600 شجرة غاف في منطقة الفاية بأبوظبي، لتوفير مأوى للأنواع الحيوانية، بما فيها الأنواع المهددة بالانقراض، وبوصفها حاجزاً طبيعياً للرياح.
تُوجّ هذه الجهود بنجاح زراعة 6 ملايين بذرة سمر و250 ألف بذرة غاف في عام 2020، بالإضافة إلى أكثر من 6 ملايين شجرة في أبوظبي، من بينها ما يقارب 54 ألف شجرة غاف تنمو في بيئاتها الطبيعية، وتُمثل هذه الأرقام دليلاً واضحاً على التزام الإمارات بحماية هذا الرمز الوطني والحفاظ على ثرواتها الطبيعية.

حقائق عن شجرة الغاف
- تحتوي حاضنات البذور وأوراق شجرة الغاف على مستويات عالية من البروتين والألياف والكالسيوم، مما يجعلها مصدراً غذائياً هاماً للمواشي والحياة البرية.
- اعتاد البدو القدماء على تناول أوراق وحاضنات بذور الغاف الرقيقة نظراً لقيمتها الغذائية العالية.
- عالجَت أوراقها منذ أكثر من 40 عاماً عدداً من الأمراض، مثل الإسهال الشديد وآلام الأسنان.
- استُخدِمَت حاضنات البذور لهذه الشجرة في الطب التقليدي، وذلك لعلاج مرض إعتام عدسة العين.
- عالج لحاء الشجرة الروماتيزم ولدغات العقارب والثعابين.
- عالَجَت الاضطرابات الجلدية ونقَّت الدم.
في الختام
لا تعد شجرة الغاف مجرد نبات؛ بل رمزاً حقيقياً للثراء الطبيعي والثقافي في الإمارات، فعلينا أن نقدِّر قيمتها ونحميها بوصفها رمزاً للتراث والهوية الإماراتية، ومن خلال نشر الوعي بأهمية الغاف ودعم المبادرات المعنية بزراعتها، يمكننا المساهمة في استدامة البيئة وضمان مستقبل مشرق للأجيال القادمة. لنجعل من شجرة الغاف رمزاً للتسامح والتعايش، ونستمر في تعزيز مكانتها بوصفها حامية للصحراء وثروة وطنية لا تقدَّر بثمن.
أضف تعليقاً