على الرغم من أنَّ العمل الليلي أصبح جزءاً من حياتنا اليومية في بعض الصناعات، إلَّا أنَّ له تأثيرات سلبية في صحتنا عموماً. سنتناول في هذا المقال كيف يؤثر العمل الليلي في اضطرابات الساعة البيولوجية وزيادة الوزن، وما يمكن فعله لتقليل تأثير العمل الليلي السلبي في الجسم والصحة عموماً.
ما هي الساعة البيولوجية؟
تعمل أجسامنا وفق نظام داخلي دقيق يعرف بالساعة البيولوجية، وهي المسؤولة عن تنظيم عدد من الوظائف الحيوية اليومية، سواء كنا نعمل صباحاً أم ليلاً، تحافظ هذه الساعة على توازن الجسم وصحته، ولكن عند تعارض نمط حياتنا مع هذا الإيقاع الطبيعي، تظهر التأثيرات السلبية، خصيصاً عند من يعملون في فترات الليل.
دور الساعة البيولوجية في تنظيم الأيض
تنظم الساعة البيولوجية كيفية استخدام الجسم للطاقة، وتؤثر مباشرة في عملية الأيض، وعندما يختل هذا النظام، كما يحدث بسبب تأثير العمل الليلي، تُفرَز الهرمونات المسؤولة عن الجوع والشبع، مثل الإنسولين والكورتيزول، مما يؤدي إلى اضطراب في التمثيل الغذائي وزيادة احتمال تراكم الدهون.
تشير الدراسات حول تأثير العمل الليلي إلى أنَّ الأشخاص الذين يعملون في ورديات ليلية، معرَّضون أكثر لزيادة الوزن واضطرابات الأيض. في الواقع، أظهرت إحدى الدراسات أنَّ العمل الليلي، قد يزيد خطر السمنة بنسبة تصل إلى 29% مقارنة بمن يعملون خلال النهار، وهذا الارتباط يرجع إلى تغيُّر أوقات النوم والأكل، مما يربك الجسم ويؤثر في كفاءته في حرق السعرات الحرارية.
يساعدنا فهم العلاقة بين الساعة البيولوجية والأيض على تفسير تأثير العمل الليلي في الصحة، خصيصاً فيما يتعلق باضطرابات الساعة البيولوجية وزيادة الوزن.

تأثير العمل الليلي في الساعة البيولوجية
أصبح العمل الليلي مع تطور أنماط الحياة والعمل ضرورة لدى كثير من المهنيين، مثل العاملين في المستشفيات، وشركات الطيران، والمصانع، وحتى مراكز خدمة العملاء. ورغم أهمية هذه الوظائف، إلَّا أنَّ العمل الليلي، يؤثر في نظام الجسم الطبيعي، وبالتحديد في الساعة البيولوجية، وهو ما ينعكس سلباً على الصحة الجسدية والنفسية.
اضطراب الساعة البيولوجية بسبب العمل الليلي
الساعة البيولوجية هي نظام داخلي ينظم إيقاع الجسم اليومي، ويتأثر بالتعرض للضوء والظلام، وعند العمل في الليل والنوم خلال النهار، تُرسَل إشارات غير متناسقة للدماغ، مما يؤدي إلى خلل في تنظيم عدد من الوظائف الحيوية، مثل النوم، وإفراز الهرمونات، وعمليات الأيض.
يؤدي هذا الاضطراب إلى اختلال توازن الهرمونات المسؤولة عن الجوع والشبع، وهو ما يزيد احتمالية زيادة الوزن، كما أنَّ الجسم يكون أقل كفاءة في معالجة السكر وحرق الدهون خلال الليل، مما يزيد خطر الإصابة بالسمنة وأمراض، مثل السكري.
وأظهرت الدراسات الحديثة أنَّ العاملين في الورديات الليلية، معرضون بنسبة أعلى لتراكم الدهون في منطقة البطن مقارنة بالعاملين في النهار، وذلك نتيجة تغير مواعيد الوجبات والنوم، وانخفاض النشاط البدني خلال اليوم.
يتضح الرابط بين العمل الليلي وزيادة الوزن، وكذلك بين اضطرابات الساعة البيولوجية وزيادة الوزن، فيكون الجسم في حالة من التوتر المستمر الذي يؤثر في أدائه العام.
التأثيرات النفسية للعمل الليلي
لا يمكن تجاهل الأثر النفسي للعمل الليلي إلى جانب التأثيرات الجسدية، فالنوم غير المنتظم، والانعزال الاجتماعي، والإرهاق المزمن، جميعها عوامل تؤثر في الصحة النفسية.
وتشير الأبحاث إلى ارتفاع معدلات القلق والاكتئاب بين من يعملون ليلاً مقارنة بمن يعملون في ساعات النهار، كما أنَّ قلة التعرض لأشعة الشمس، تضعف من إنتاج فيتامين د والميلاتونين، مما يزيد مشكلات اضطراب المزاج وصعوبة الاسترخاء.
لا يقتصر تأثير العمل الليلي على التعب والإجهاد؛ بل يمتد ليشمل اضطرابات عميقة في الجسم والعقل، مما يستدعي الوعي بآثاره واتخاذ خطوات وقائية للتقليل من ضرره.

العلاقة بين اضطرابات الساعة البيولوجية وزيادة الوزن
تشير الأدلة العلمية حول تأثير العمل الليلي إلى وجود علاقة وثيقة بين اضطرابات الساعة البيولوجية وزيادة الوزن، خصيصاً لدى الأشخاص الذين يعملون في فترات غير منتظمة.
فالساعة البيولوجية تنظم الإيقاع اليومي للجسم، بما في ذلك النوم، والهضم، وإفراز الهرمونات، والشهية، وعندما يختل هذا النظام نتيجة العمل الليلي أو تغيرات متكررة في أنماط النوم، تحدث تغييرات عميقة في كيفية تعامل الجسم مع الطاقة.
يعد التأثير على الأيض واحدة من أبرز هذه التغييرات؛ إذ تبيَّن أنَّ الجسم يصبح أقل كفاءة في معالجة الدهون والسكريات خلال ساعات الليل، كما أنَّ اضطراب الساعة البيولوجية، يقلل إفراز هرمون اللبتين (الذي يعطي إحساس الشبع) وزيادة إفراز هرمون الغرلين (الذي يحفز الجوع)، مما يخلق خللاً في إشارات الجوع والشبع ويدفع الأشخاص لتناول الطعام بكثرة، وغالباً في أوقات غير مناسبة.
يرتبط النوم وزيادة الوزن ارتباطاً وثيقاً، فقلة النوم الناتجة عن اضطراب الإيقاع اليومي تؤدي إلى التعب، وهو ما يقلل النشاط البدني خلال اليوم ويزيد الرغبة في تناول الأطعمة الغنية بالسكريات والدهون، ومع الوقت، تتراكم هذه العوامل وتزيد احتمالية السمنة ومقاومة الإنسولين.
لا تحدث هذه التغيرات لدى من يعملون في ورديات ليلية فقط؛ بل يمكن أن تؤثر أيضاً في من يعانون من اضطرابات في النوم أو يغيرون نمط نومهم باستمرار؛ لذلك يعد الحفاظ على نمط نوم منتظم خطوة أساسية للحفاظ على صحة الأيض ومنع زيادة الوزن.
تأثير العمل الليلي في الهرمونات
لا يقتصر تأثير العمل الليلي فقط في نمط النوم؛ بل يمتد تأثيره إلى توازن الهرمونات في الجسم، ما ينعكس سلباً على الصحة الجسدية والنفسية، فالجسم يعتمد على الساعة البيولوجية لإفراز الهرمونات بدقة تتماشى مع دورة اليوم الطبيعية، وعند العمل خلال الليل والنوم في النهار، يختل هذا التوازن، مما يؤدي إلى اضطرابات هرمونية متعددة.
يعد الميلاتونين أحد أهم الهرمونات المتأثرة، وهو المسؤول عن تنظيم النوم؛ إذ يُفرز هذا الهرمون في الظلام ويقل عند التعرض للضوء؛ لذا فإنَّ العمل تحت الإضاءة في الليل، يمنع الجسم من إنتاجه بكميات كافية، مما يؤدي إلى صعوبة في النوم، وهذا بدوره يؤثر في الطاقة والمزاج والقدرة على التركيز.
يتأثر هرمون الكورتيزول أيضاً، المعروف بهرمون التوتر، ففي الظروف الطبيعية، يرتفع الكورتيزول صباحاً لمساعدة الجسم على الاستيقاظ والنشاط، ثم ينخفض تدريجياً خلال اليوم، أمَّا في حالات العمل الليلي، فيحدث خلل في هذا النمط، مما يؤدي إلى بقاء الجسم في حالة توتر مستمرة، وهو ما يرتبط بزيادة الشهية وتراكم الدهون، خصيصاً في منطقة البطن.
يتأثر التوازن بين هرموني اللبتين والغرلين، وهما مسؤولان عن تنظيم الجوع والشبع، وانخفاض اللبتين وارتفاع الغرلين بسبب قلة النوم أو النوم في أوقات غير طبيعية يزيدان الشعور بالجوع والرغبة في تناول أطعمة عالية السعرات، مما يعزز العلاقة بين العمل الليلي وزيادة الوزن.
لا تظهر هذه التغيرات الهرمونية مباشرة في الأيام الأولى، لكنَّها تتراكم مع الوقت وتؤثر في الصحة العامة، وهو ما يجعل من الضروري اتخاذ تدابير لتقليل آثار تأثير العمل الليلي في النظام الهرموني للجسم.

كيفية التكيف مع العمل الليلي وتقليل تأثيره في الساعة البيولوجية
يكون العمل الليلي ضرورياً في بعض الوظائف، لكنَّ تأثيره في الساعة البيولوجية يمكن أن يكون ضاراً إذا لم يُدار جيداً، ولحسن الحظ، هناك استراتيجيات فعالة تقلل هذه التأثيرات وتحافظ على الصحة الجسدية والنفسية قدر الإمكان، فمن خلال تحسين نمط النوم، والانتباه للتغذية، وممارسة الرياضة، يمكن الحد من تأثير العمل الليلي في الجسم.
1. تحسين جودة النوم
لا يعد النوم في النهار بجودة النوم الليلي نفسها، ولكن يمكن اتخاذ بعض الخطوات لتحسينه، فمن الهام جعل غرفة النوم مظلمة قدر الإمكان باستخدام ستائر قاتمة أو قناع للعين، وتقليل الضوضاء باستخدام سدادات الأذن أو جهاز أبيض يصدر ضجيجاً، ومن الأفضل أيضاً تثبيت وقت نوم منتظم يومياً حتى في أيام العطلة، لدعم استقرار الساعة البيولوجية، بالتالي يساعد تجنُّب الكافيين قبل النوم بعد نهاية نوبة العمل على الدخول في نوم عميق.
إقرأ أيضاً: 6 سلوكيات خاطئة تزيد من وزنك في العمل
2. النظام الغذائي والتغذية
يؤدي الغذاء دوراً هاماً في الحفاظ على التوازن الهرموني، ويُنصح بتناول وجبات خفيفة وصحية خلال نوبة العمل الليلية، مثل الخضروات، والبروتينات، والمكسرات، والابتعاد عن السكريات والوجبات الدسمة التي تسبب الخمول، ويجب تجنب الأكل قبل النوم مباشرة لتقليل اضطرابات الجهاز الهضمي، والتغذية الذكية تقلل اضطرابات الساعة البيولوجية وتزيد الوزن.
3. ممارسة الرياضة
تحسن التمرينات الرياضية المعتدلة المزاج وتنظم النوم وتحرق الدهون؛ إذ يمكن تخصيص وقت محدد لممارسة الرياضة في ساعات النهار بعد الاستيقاظ من النوم، فلا تكون قريبة من وقت النوم، فالنشاط البدني المنتظم يعزز صحة القلب والأيض، ويقلل الأثر النفسي للعمل الليلي ويحسن القدرة على التأقلم.
في الختام
يتضح أنَّ العمل الليلي يؤثر كثيراً في الساعة البيولوجية ويزيد الوزن من خلال اضطرابات النوم وخلل في الهرمونات، فمن خلال تحسين جودة النوم، واتباع نظام غذائي متوازن، وممارسة الرياضة بانتظام، يمكن للأفراد التكيف مع العمل الليلي وتقليل التأثيرات السلبية في صحتهم.
أضف تعليقاً