في لبنان والمنطقة العربيّة، تبدو المدرسة اليوم وكأنّها تعمل بكفاءة إداريّة عالية. فهي تبرع في تصنيف الطلاب، وتجتهد في ضبط السلوك، وتنجح في إنتاج مخرجات رقميّة قابلة للقياس. لكن، في اللحظة التي يطرح فيها المتعلّم السؤال الوجوديّ الأبسط: "لماذا نتعلّم؟"، يسود صمتٌ مطبق. ولا يمثّل غياب الجواب هنا مجرّد ثغرة تربويّة، بل إعلاناً صريحاً عن انفصال المعرفة عن الحياة (Biesta, 2017; OECD, 2023).
يوضّح هذا المقال أنّ المشكلة ليست في أداء المدارس، بل في هدفها المختزل خطأً. فغياب المعنى ليس خللاً عرضيّاً، بل نتيجة تصميميّة لنظام لم يُصمَّم لاحتضان أسئلة الهويّة والانتماء (Tyack & Cuban, 1995; Biesta, 2013).
ماذا لو لم تكن أزمة التعليم فشلاً… بل نجاحاً؟
اعتدنا النظر إلى أزمة التعليم بوصفها فشلاً في التحصيل أو انفصالاً بين الطالب والمعرفة، لكن ماذا لو كان هذا "الفشل" دليلَ نجاح النظام في تحقيق غايته الضمنيّة؟ (Biesta, 2017).
فالمدرسة اليوم تجيد إنتاج نتائج قابلة للقياس، وتصنيف الطلاب وفق هرميّة الأداء، وضبط الانضباط بدقّة. إلاّ أنّ هذا النجاح الإجرائيّ لا يجيب عن السؤال الأهمّ: "لماذا يتعلّم الطفل؟" و"ما العلاقة بين هذه الأرقام وتجربته وقلقه الوجوديّ؟" (OECD, 2023; UNESCO, 2021).
هذا الانحراف ليس صدفة، بل جوهر "الأزمة التصميميّة". كما يشير البروفيسور غيرت بيستا في كتابه "مجازفة التربية الآسرة" (The Beautiful Risk of Education)، ينجح التعليم التقليديّ وظيفيّاً لكنّه يُفرغ التعلّم من معناه؛ إذ يُكافَأ ما يمكن قياسه، بينما يُهمَّش ما لا يمكن اختزاله في أرقام (Biesta, 2013). والنتيجة نظامٌ دقيقٌ لا يلمس الإنسان: طلاّب ينجحون في الاختبارات ويحصدون الشهادات، لكنّهم يظلّون غرباء عن غاية تعلّمهم (Biesta, 2013, 2017).
شاهد بالفيديو: كيف أقوي شخصية ابني في المدرسة؟
الحجّة السائدة: لنُصلح التعليم، علينا أوّلاً رفع التحصيل
في السجال التربويّ السائد، تبرز فرضيّة تبدو بديهيّةً: يمرّ إصلاح التعليم بتحسين العلامات والنتائج الأكاديميّة. وتفترض هذه السرديّة أنّ تحسين المؤشّرات الرقميّة سيؤّدي تلقائيّاً إلى ارتقاء التجربة التعليميّة (OECD, 2023).
غير أنّ هذا المنطق قائمٌ على مسلّماتٍ مُضمرةٍ تستوجب النقد؛ إذ يجعل النجاح مرادِفاً لما يُقاس، ويُهمِل أبعاداً جوهريّةً في التعلّم، مثل: الفضول الفطريّ، بناء الهويّة، وربط المعرفة بالواقع المعيشيّ للطالب (Biesta, 2013; Dewey, 1938).
حين يُختزل التعلّم في مُخرجٍ رقميّ، يتحوّل الطالب من كائن يسعى للفهم إلى مؤشّر أداء (KPI) يُقاس بسرعة اجتياز الاختبارات، لا بعمق استيعابه للعالم أو لنفسه (OECD, 2023). وهنا يظهر وهمُ الإصلاح: إذ يتفوّق الطلاب في العلامات لكنّهم يظلّون مغتربين عمّا يدرسون، غير قادرين على توظيف المعرفة خارج قاعات الامتحان (Willingham, 2021; OECD, 2023).
ويعود صمود هذه السرديّة، رغم إخفاقها الإنسانيّ، إلى ما توفّره من مكاسب وظيفيّة، وراحة سياسيّة من ناحية استخدام الأرقام لتسويق الإنجازات، وسلاسة إداريّة من خلال مؤشّرات قابلة للمقارنة، واستهلاك إعلاميّ سريع لعناوين "ارتفاع نسب النجاح"، الذي يطغى على أيّ نقاشٍ فلسفيٍّ حول جودة التعلّم (Biesta, 2017; UNESCO, 2021).
لكنّها تترك فجوةً وجوديّةً عميقةً في تجربة التعلّم، وتؤجّل السؤال الذي لا يمكن تجاهله: ما قيمة المعرفة إن كانت ترفع العلامات ولكنّها لا تمنح الطالب بوصلةً لحياته؟
هل غياب المعنى خللٌ… أم وظيفةٌ خفيّةٌ للنّظام؟
ثمّة قناعةٌ شائعةٌ تفترض أنّ فراغ المعنى في التجربة المدرسيّة ناتجٌ عن سوء الإدارة أو ضعف المناهج. إلا أنّ القراءة التفكيكيّة لبنية المدرسة الحديثة تكشف عن حقيقة أكثر راديكاليّة: غياب المعنى ليس خللاً عابراً، بل هو وظيفة خفيّة في صلب التصميم البنيويّ للمؤسّسة (Tyack & Cuban, 1995).
فالمدرسة، في نشأتها التاريخيّة المتأثّرة بالنموذج الصناعيّ، لم تُصمَّم لتكون حاضنةً للدّهشة أو مختبراً لاكتشاف الذات، بل لتنظيم ثلاثة أبعاد إجرائيّة بصرامةٍ فائقة، وهي:
- الوقت (من خلال الحصص المقنّنة).
- السلوك (من خلال الانضباط والامتثال).
- المعرفة الموحّدة (من خلال المناهج المعياريّة).
كان الهدف الجوهريّ من هذا التصميم هو تحويل العمليّة التعليميّة إلى منظومة قابلة للإدارة والقياس الكمّي. وهنا يبرز المأزق التصميميّ: فالمعنى بطبيعته الشخصيّة، والفوضويّة، والذاتيّة، هو عنصرٌ عصيٌّ على القياس ولا يمكن تأطيرُه في جداول إحصائيّة أو اختبارات موحّدة. لذا، تمّ استبعادُه بهدوء من المسوّدة الأولى للتصميم المدرسيّ لصالح الكفاءة التشغيليّة (Apple, 2004).
وكما يرى الباحثان "تاياك وكيوبان" في كتابهما "الإصلاح التدريجيّ نحو المدينة الفاضلة" (Tinkering Toward Utopia)، فإنّ النظام التعليميّ التقليديّ قد صُمّم تاريخيّاً لضمان الاستقرار الاجتماعيّ والتدجين المهنيّ، أكثر من كونه فضاءً لتشكّل المعنى الشخصيّ أو ممارسة الحرّيّة الفكريّة (Tyack & Cuban, 1995).
بناءً عليه، نحن لا نواجه فشلاً في تحقيق أهداف المدرسة، بل نواجه نجاحاً مخيفاً لتصميمها الأصليّ. أمّا افتقار الطالب للدافعيّة أو شعوره بالاغتراب عمّا يتعلّمه، فليس إلاّ الثمن الذي يدفعه النظام لضمان استمراريّته كـ "ماكينة" للفرز الاجتماعي.
كما ويضعنا الانتقال من نقد المخرجات إلى نقد التصميم أمام الحقيقة المرّة، وهي: لا يمكن إصلاح التعليم بتزيين النظام القائم، بل بإعادة التفكير في غايته الوجوديّة، واستعادة الإنسان الذي ضاع وسط زحام الأرقام واللوائح.

ما المقصود بـ"المعنى"؟
ثمّة خلطٌ شائعٌ في الخطاب التربويّ المعاصر يختزل "المعنى" في مجرّد تزيين المحتوى الدراسيّ، أو تحويله إلى مادّة مرحة مبسّطة تناسب احتياجات المتعلّم. غير أنّ المعنى، في كينونته العميقة، هو مفهومٌ يتجاوز هذه التبسيطات السطحيّة ليمثّل قدرة المتعلّم الجوهريّة على عبور جسر الهوّة بين المحتوى المعرفيّ وبين منظومة قِيَمه، وهويّته، وتجربته الذاتيّة الفريدة.
لا يُستدلّ على المعنى بسلاسة الامتحان أو سرعة استرجاع المعلومات، بل يُستشعر حين يدرك الطالب أنّ المعرفة ليست أمراً غريباً يُفرض عليه، بل هي أداةٌ حيّة لفهم العالم واتّخاذ مواقف فيه. عندها، يتحوّل التعلّم من كونه امتثالاً تقنيّاً لعمليّة التلقين إلى فعلٍ واعٍ وممارسةٍ استكشافيّة للعالم والذات (Biesta, 2013).
ويؤكّد جون ديوي في كتابه "الخبرة والتربية" (Experience and Education)، أنّ المعنى هو البوصلة التي توجّه التجربة التعليميّة. فهو يجيب على أسئلة جوهريّة مثل: "لماذا أتعلّم هذا الآن؟"، و"كيف يرتبط بما أؤمن به أو أقدّره؟"، و"أين يضعني هذا في العالم الذي أعيش فيه؟". بالتالي، فإنّ التعلّم الحقيقيّ يحدث حين تتحوّل المعرفة إلى خبرة معيشة، لا إلى تمرين تقني. عندها فقط، ينتقل التعلّم من الامتثال إلى الفهم، ومن الأداء إلى المعنى (Dewey, 1938).
لا يُعدّ المعنى بهذا التوصيف، رفاهيّةً شكليّةً أو إضافةً جماليّةً يُمكن الاستغناء عنها في أوقات الأزمات، بل هو العمود الفقريّ والناظم الأخلاقيّ لأيّة تجربة تعلّميّة تطمح للعمق. وعليه، فهو يمثّل القوّة التي تمنح الطالب مبرّراً للنموّ، وتدفع به نحو صياغة دورٍ فاعلٍ ومسؤولٍ تجاه مجتمعه وعالمه الأوسع.
لماذا لا يُنقذ تحسين التحصيل التعلُّم؟
غالباً ما يُطرح تحسين التحصيل الأكاديميّ كحلّ سحري وأساسيّ لأزمات التعليم، لكنّ الأدلّة العلميّة والنظريّة تُظهر أنّ هذا النهج يُغفل جوهر التعلّم ويخفق في تحقيق التجربة التعليميّة المنشودة (Willingham, 2021; Ryan & Deci, 2020).
1. وهم الإنجاز المعرفيّ
لا يعني التحصيل المرتفع بالضرورة تعلّماً حقيقيّاً. فقد أظهرت أبحاث علم الإدراك أنّ الدماغ قادرٌ على التكيّف مع منطق الاختبارات من خلال الحفظ المؤقّت واسترجاع المعلومات في لحظة الضغط، ثم التخلّص منها لاحقاً دون أن تتحوّل إلى معرفة راسخة أو قدرة على الفهم والنقل والتطبيق. في هذه الحالة، لا يتعلّم الطالب المعنى، بل يتعلّم آليّة النجاة داخل نظام تقويميّ محدّد.
وهكذا يتحوّل الامتحان من أداة تقييم إلى بيئة تدريب ذهنيّ تُكافئ السرعة والتوقّع وتجنّب الخطأ، لا الفهم العميق أو التفكير المستقلّ. قد ترتفع العلامات، لكنّ التعلّم يظلّ هشّاً، قابلاً للانهيار خارج سياق الاختبار، وغير قادر على مرافقة المتعلّم في حياته الواقعيّة. وهنا يكمن جوهر وهم الإنجاز المعرفيّ: نجاح ظاهر يخفي فراغاً معرفيّاً عميقاً (Willingham, 2021).
2. أولويّة المعنى والدافعيّة
تُظهر نظريّة تقرير المصير أن التعلّم لا يبدأ من المحتوى، بل من العلاقة التي يبنيها المتعلّم مع ما يتعلّمه. فالدافعيّة الداخليّة، والشعور بالانتماء، والإحساس بالقدرة على الاختيار ليست مكافآت تُمنح بعد النجاح، بل شروط تأسيسيّة لأيّ تعلّم ذي قيمة. عندما يُطلب من الطالب أن يتعلّم ما لا يفهم جدواه، ولا يرى صلته بذاته أو عالمه، يصبح التعلّم عبئاً خارجيّاً مهما بلغت نتائجه الرقميّة.
في غياب المعنى، يتحوّل التعلّم إلى امتثال، أي: أؤدّي المطلوب لا لأنّني أؤمن به، بل لأنّ النظام يكافئني عليه. وهنا، لا تبني المدرسة متعلّماً، بل متكيّفاً. وعليه، فالفرق بين الاثنين جوهريّ، ويتمثّل في أنّ المتعلّم يفهم، ويسأل، ويطوّر ذاته؛ أمّا المتكيّف، فيتقن قراءة التوقّعات وتلبيتها بأقلّ كلفة نفسيّة ممكنة (Ryan & Deci, 2020).
3. فخّ القياس
عندما تصبح العلامة هي الغاية، لا الأداة؛ ويبدأ النظام التعليميّ بإعادة تشكيل ذاته حول ما يمكن قياسه فقط. يُختزل المنهج إلى ما يُمتحن، ويُهمَّش ما لا يظهر في النتائج، ويُعاد تعريف دور المعلّم من ميسّر للتفكير إلى ضابط إيقاع الأداء. في هذا السياق، لا يُسأل: ماذا تعلّم الطالب؟ بل: كم حقّق؟
هذا المنطق لا يغيّر أدوات التقييم فحسب، بل يُعيد تشكيل الثقافة المدرسيّة بأكملها. يصبح الخطأ خطراً، لا فرصةً؛ ويصبح التفكير مغامرةً غير محسوبة؛ ويتحوّل الصف إلى مساحة إنتاج أرقام، لا نموّ إنسانيّ. هكذا يقع التعليم في فخ القياس: كلّما زادت دقّة المؤشّرات، ضاق أفق التعلّم.
يُمثّل الرهان على تحسين التحصيل وحده رهاناً على اللحظة مقابل المستقبل؛ لأنّه يقدّس النتيجة العابرة ويهمل السياق النفسيّ والفكريّ الذي يجعل من التعلّم رحلة حياة مستدامة. وإنقاذ التعليم يبدأ بالاعتراف بأنّ الرقم قد يشرح الأداء، لكنّه أبداً لا يصنع الإنسان (OECD, 2023).

فجوة الهويّة: حين لا يرى الطالب نفسه في ما يتعلّمه
تُمثل فجوة الهويّة أحد أعمق المآزق البنيويّة في أنظمتنا التعليميّة، لا سيّما في السياق اللبنانيّ والعربيّ؛ إذ يجد الطالب نفسه أمام محتوًى معرفيٍّ غريبٍ عن واقعه، ومنفصلٍ عن إيقاع حياته اليوميّة. لذا، فإنّ صياغة المناهج وفق قوالب مُعولَمة أو مُستورَدة، تجعل المدرسة فضاءً معزولاً ثقافيّاً؛ فالأمثلة والتمارين عاجزة عن محاكاة التجربة المحلّيّة أو البيئة المحيطة بالطالب.
لا يُعدُّ هذا الانفصال مجرّد قصورٍ تقنيّ، بل غياب للتقاطع بين المعرفة والقلق الوجوديّ. فحين تُهمَل أسئلة الطالب حول الاقتصاد المنزليّ، أو تحدّيات الأسرة، أو أزمات المجتمع، تتحوّل المعرفة إلى حمولة نظريّة جافّة، وتصبح الحقيقة العلميّة أداةً للاستهلاك، لا للفهم. وتتمحور النتيجة هنا في اغتراب مدرسيٍّ شامل، فيتلاشى الفضول، وينشأ انفصالٌ عاطفيّ، ليتحوّل التعلّم من رحلة اكتشاف إلى أداءٍ وظيفيٍّ قسريّ، هدفه الوحيد الحصول على الشهادة (UNESCO, 2021; World Bank, 2020).
وكما يوضّح "باولو فريري" في كتابه المرجعي "تعليم المقهورين" (Pedagogy of the Oppressed)، فإنّ التعليم الذي يغفل السياق الاجتماعيّ والثقافيّ للمتعلّم يتحوّل إلى ممارسة قمعيّة؛ إذ يُعامَل الطالب كوعاءٍ فارغٍ يُحشى بمعلوماتٍ لا يملك حيالها سلطة التفسير أو الربط بذاته (Freire, 1970).
ويدعم هذا التشخيص تقرير "اليونسكو" بعنوان: "إعادة تخيّل مستقبلنا المشترك" (Reimagining Our Futures Together)، الذي يقرع ناقوس الخطر حول الأنظمة التعليميّة التي تفشل في بناء جسور الهويّة. وعليه، فإنّ غياب القيم المحليّة والتنوّع الثقافيّ عن صلب المنهج يؤدّي إلى خسارة مزدوجة؛ خسارة عاطفيّة تتمثّل في فقدان الانتماء للمؤسّسة، وخسارة معرفيّة تكمن في إنتاج أجيال تملك المعلومة وتفتقر إلى القدرة على توظيفها في صياغة مستقبلها الخاص (UNESCO, 2021).
إعادة صياغة المشكلة: السؤال الذي لم نجرؤ على طرحه
تقتضي المراجعة النقديّة العميقة للواقع التربويّ قلبَ السؤال التقليديّ رأساً على عقب. فبينما يكتفي النظام التعليميّ بطرح تساؤله المعتاد: "لماذا لا يحقّق الطلاب نتائج أفضل؟"، فإنّه بذلك يكرّس الرؤية التي ترى في تحسين الأرقام والدرجات غايةً قصوى في ذاتها. ولا يرى هذا المنطلق في الطالب سوى وحدة إحصائيّة يُقاس نجاحها بمدى مطابقتها للمعايير والقيود الرسميّة للمنهج، متجاهلاً بذلك جوهر التجربة الإنسانيّة داخل الصفّ الدراسي.
إلاّ أنّ السؤال الأعمق والذي ينبغي أن يتصدّر المشهد هو: "لماذا لا يرى الطلاب أنفسهم في ما يتعلّمونه؟". ولا يُعدّ هذا التحوّل في السؤال لغويّاً، بل مفاهيميّ؛ فهو ينقلنا من منطق الكفاءة إلى منطق المعنى، ومن قياس الأداء إلى فهم التجربة، ومن التعليم بوصفه مساراً إلزاميّاً إلى التعلّم بوصفه رحلة شخصيّة ذات دلالة (Biesta, 2017).
هنا، تنكشف لنا طبيعة الفجوة الحقيقيّة التي تنخر جسد التعليم؛ فهي ليست مجرّد فجوة معرفيّة بين الطالب والمحتوى، بل فجوة وجوديّة تفصل بين التعلّم كفعل امتثال لضغوط خارجيّة ومعايير قياسيّة جافّة، وبين التعلّم كتجربة حيّة تمنح الطالب القدرة على ربط المعرفة بذاته وواقعه.
ويكمن المأزق الحقيقيّ في إنتاج متعلّمٍ بارعٍ تقنيّاً لكنّه مغترب إنسانيّاً. بمعنى آخر، طالبٌ قد يتقن مهارات الحفظ والاستذكار لاجتياز الاختبارات بامتياز، لكنّه يظلّ عاجزاً عن استشعار صلة هذه المعرفة بهويّته، بالحاجات التي في محيطه، أو بتوجهاته المستقبليّة في الحياة.
في هذا النموذج، تظلّ دوافع الاستكشاف لديه مكبوتة، وتتعطّل مهارات التفكير النقديّ خلف جدران الإجابة الصحيحة، فلا يجد الطالب لنفسه موطِئاً في العمليّة التعلّميّة سوى كونه مؤدّياً لوظيفة مؤقّتة تنتهي بصدور النتائج.
شاهد بالفيديو: بين الماضي والحاضر: ماذا تغير في تجهيز حقيبة طفلك المدرسية؟
ختاماً، إنقاذ التعليم يبدأ من تعريف النجاح
طالما ظلّ النجاح مرادفاً بالعلامة، والترتيب، والشهادة، سنواصل إنتاج طلاّب ناجحين في نظر النظام، وفارغين في علاقتهم بالتعلّم. فالتحوّل الحقيقيّ لا يبدأ بتعديل المناهج أو بتشديد آليّات التقييم، بل بإعادة تعريف الغاية نفسها من المؤسّسة التعليميّة (Biesta, 2013; UNESCO, 2021).
والسؤال الذي يجب أن يسبق أيّ إصلاح تربويّ ليس: "كيف نرفع النتائج؟" بل: "ما ملامح الإنسان الذي نريد للمدرسة أن تُسهم في بنائه؟"، و"وهل نسعى فعلاً إلى تربية مواطنٍ يمتلك القدرة على التفكير والاكتشاف والمساءلة، وتحويل المعرفة إلى فعل ومعنى في حياته؟"، و"هل ما نبنيه اليوم يفتح أفقاً لتغيير المستقبل نحو الأفضل، أم يكتفي بإنتاج جيلٍ يتكيّف مع أزمات الحاضر دون أن يملك أدوات حلّها؟".
الأسئلة الشائعة
1. هل يعني هذا المقال أنّ التحصيل والامتحانات غير هامّة؟
لا؛ التحصيل والامتحانات أدوات ضروريّة في أيّ نظام تعليميّ، لكنّ المشكلة تبدأ حين تتحوّل من وسيلة إلى غاية بحدّ ذاتها. ولا يُعارض المقال هذا التقييم، بل يعارض اختزال معنى التعليم في العلامة فقط، لأنّ ذلك قد يرفع النتائج دون أن يبني فهماً أو علاقة صحّيّة مع التعلّم (Biesta, 2013; OECD, 2023).
2. لماذا يفقد كثير من الطلاب دافعيّتهم رغم نجاحهم الدراسيّ؟
لأنّ النجاح الرقميّ لا يعوّض غياب المعنى؛ إذ قد ينجح الطالب في الامتحان، لكنّه لا يرى صلة بين ما يتعلّمه وحياته أو أسئلته أو مستقبله. حين يغيب هذا الرابط، يتحوّل التعلّم إلى واجبٍ ثقيلٍ لا إلى تجربة نموّ، فتتآكل الدافعيّة حتّى عند الطلاب المتفوّقين (Ryan & Deci, 2020; Willingham, 2021).
3. هل "المعنى" مفهوم شخصيّ لا يمكن للمدرسة التعامل معه؟
المعنى شخصيّ، نعم، لكنّه ليس شأناً فرديّاً معزولاً. فتصميم المنهج، وطريقة التدريس، ونوع الأسئلة المطروحة، وثقافة الصفّ، كلّها عوامل إمّا تفتح المجال لبناء المعنى أو تخنقه. كما أنّ المدرسة لا تفرض المعنى، لكنّها تستطيع أن تهيّئ بيئةً تسمح بظهوره (Dewey, 1938; Biesta, 2017).
4. ما دور المعلّم في سدّ فجوة المعنى؟
يُعدّ دور المعلّم محوريّاً، حتّى ضمن أنظمة صارمة. لذا، فإنّ طرح الأسئلة بدل الاكتفاء بالإجابات، وربط المعرفة بسياق المتعلّم، والاعتراف بالخطأ كجزء من التعلّم، وإعطاء الطالب مساحة للتفكير… كلّها ممارسات صغيرة لكنّها تصنع فرقاً كبيراً في علاقة الطالب بالتعلّم (Hattie, 2012; Freire, 1970).
5. ما أوّل خطوة عمليّة يمكن البدء بها لاستعادة المعنى دون انتظار إصلاحات كبرى؟
البدء بسؤال واحد موجّه داخل كلّ درس وكلّ قرار تربويّ: «أين المعنى هنا؟».
يُعدّ هذا السؤال بسيطاً، ويعيد توجيه التفكير من استكمال المحتوى إلى بناء الفهم، ومن إرضاء المعيار إلى تمكين المتعلّم، دون الحاجة إلى تغيير جذريّ أو مكلف في النظام (Wiggins & McTighe, 2005; OECD, 2022).
المصادر +
- Apple, M. W. (2004). الأيديولوجيا والمنهاج (الطبعة الثالثة). Routledge.
- Biesta, G. (2013). مجازفة التربية الجميلة. Paradigm Publishers.
- Biesta, G. (2017). إعادة اكتشاف التعليم. Routledge.
- Dewey, J. (1938). الخبرة والتربية. Macmillan.
- Freire, P. (1970). تربية المقهورين. Continuum.
- Hattie, J. (2012). التعلّم المرئي للمعلمين: تعظيم أثر التعلّم. Routledge.
- OECD. (2022). فاعلية المتعلّم في أفق 2030. OECD Publishing.
أضف تعليقاً