تبدأ القيادة الفعالة بفهم احتياجات ورغبات من تقودهم، ليس فقط بالتركيز على أهدافك المخصصة، وهذا ما يفسر الحاجة لفهم أنماط الشخصية (MBTI)، فتابِع القراءة.
التعريف بـ (MBTI) وأهميته في القيادة
كان مؤشر مايرز- بريغز لأنماط الشخصية (MBTI) لأكثر من 70 عاماً أداة موثوقة لمساعدة الأفراد على فهم أنفسهم والآخرين، ولا يُصنِّفك هذا المؤشر في قالب جامد إنَّما يُعطيك لغة لفهم تفضيلاتك الطبيعية وكيفية تفاعلك مع العالم، فالقيادة ليست مجرد سلطة؛ بل هي عميلة تطوير وتمكين الفرق؛ لأنَّ "القائد العظيم لا يخلق أتباعاً؛ بل يخلق قادة آخرين" –جون سي ماكسويل.
يستند (MBTI) إلى أربعة محاور ثنائية الأقطاب، وكل محور منها يمثل تفضيلاً طبيعياً للفرد:
- الطاقة (E - I): هل تستمد طاقتك من التفاعل مع الآخرين (انبساطي) أم من التركيز على عالمك الداخلي (انطوائي)؟
- المعلومات (S - N): هل تفضِّل جمع المعلومات من الحقائق الملموسة والواقع (حسي)؟ أم من الأفكار الكبيرة والأنماط المستقبلية (حدسي)؟
- القرارات (T - F): هل تتخذ قراراتك بناءً على التحليل المنطقي والموضوعي (منطقي) أم بناءً على القيم الشخصية وتأثيرها في الآخرين (عاطفي)؟
- التكيف (J - P): هل تفضل العيش عيشاً منظماً ومخططاً (صادقاً) أم بمرونة وعفوية (مدرك)؟
نحصل بدمج هذه التفضيلات على 16 نمط فريد، ويمكننا تجميعها في أربعة أنماط رئيسة بناءً على محورين مؤثِّرَين في طريقة التفكير:
- القائد الواقعي (ST): يمثل قراية 40% من السكان، يركزون على الحقائق والمنطق، هم مثاليون للمهام التي تتطلب دقة وتنظيماً وكفاءة، ويفضلون البيانات والأرقام على النظريات.
- القائد المفكر (NT): يمثلون قرابة 7- 10% من السكان، هم مهندسو الأنظمة والمفكرون الاستراتيجيون، يركزون على الأفكار الكبيرة، والأنماط، والحلول المبتكرة.
- القائد الاجتماعي (SF): يمثلون قرابة 40% من السكان، يركزون على العلاقات الإنسانية والاحتياجات الواقعية، هم مثاليون لإدارة الفرق التي تتطلب التنسيق والتعاطف، وبناء الانسجام.
- القائد الملهم (NF): يمثلون قرابة 8- 10% من السكان، هم أصحاب الرؤى والمحفزون، ويركزون على القيم والاحتمالات وتطوير الآخرين، لديهم قدرة فريدة على إلهام الأفراد تجاه هدف مشترك.
تعد أنماط الشخصية (MBTI) أنماطاً موثوقة تساعد الأفراد على فهم أنفسهم والآخرين، بالتالي تساعد القائد على فهم كيفية تفاعله مع الفرق.
شاهد بالفيديو: صفات الشخصية القيادية
كيف يختلف تحفيز كل نمط عن الآخر؟
"لا تتعلق القيادة بالتحكم في الآخرين؛ بل بالعمل معهم لإطلاق إمكاناتهم" – بيل جايتس.
بمجرد فهمك النمط الرئيس من أنماط الشخصية لكل فرد في فريقك، يمكن أن تصبح "خبيراً تحفيزياً" حقيقياً، وإليك أمثلة عن الاختلاف بين المحاور الأربعة:
1. الانبساطي (E) مقابل الانطوائي (I)
- الانبساطيون: يستمدون طاقتهم من التفاعل؛ لذا حفِّزهم من خلال إشراكهم في اجتماعات العصف الذهني، ومنحهم أدواراً قيادية في المشاريع الجماعية، وأظهِر تقديرك لهم علناً في اجتماع الفريق، فهذا يمنحهم شعوراً بالإنجاز.
- الانطوائيون: يستمدون طاقتهم من التركيز والهدوء، حفِّزهم من خلال منحهم مهاماً تتطلب تركيزاً عميقاً، وتوفير بيئة عمل هادئة، وتواصَل معهم تواصلاً فردياً لتقدير عملهم، فهذا يمنحهم شعوراً بالاحترام.
2. الحسي (S) مقابل الحدسي (N)
- الحسيون: يركزون على التفاصيل؛ لذا حفِّزهم بتقديم إرشادات واضحة ومحددة للمهام، وقدِّم لهم تغذية راجعة تركز على النتائج الملموسة، وكيف أنَّ عملهم اليومي، يحقق أهداف الشركة.
- الحدسيون: يهتمون بالصورة الكبرى؛ لذا حفِّزهم من خلال إشراكهم في التخطيط الاستراتيجي، واشرح لهم "لماذا" يقومون بالمهمة، وكيف تحقق هذه المهمة الرؤية المستقبلية للمؤسسة.
3. المنطقي (T) مقابل العاطفي (F)
- المنطقيون: يتخذون قراراتهم بناءً على الحقائق؛ لذا حفِّزهم من خلال تقديم التغذية الراجعة الموضوعية والمنطقية، وأظهِر لهم أنَّك تقدِّر كفاءتهم وفعاليتهم في إنجاز المهام.
- العاطفيون: يركزون على العلاقات والقيم؛ لذا حفِّزهم من خلال الاعتراف بمساهماتهم في بناء بيئة عمل إيجابية، وأظهِر تقديرك لجهودهم شخصياً وتأكَّد من أنَّهم يشعرون بأنَّ عملهم له تأثير إيجابي في الآخرين.
"القيادة الفعالة هي شراكة يسعى القائد فيها لإخراج أفضل ما لدى الفريق بدلاً من توجيههم."

استراتيجيات للتعامل مع التنوع داخل الفريق
"تكمن القوة في الاختلافات، لا في التشابه" – ستيفن كوفي.
تنوع أنماط الشخصية ثروة حقيقية وليس عائقاً، فالمنظمة الذكية هي منظمة تستفيد من القدرات العقلية لجميع موظفيها لمواجهة التحديات وتحسين أداء المنظمة ككل، بعيداً عن المركزية والتسلسل الهرمي من خلال السماح لجميع الموظفين بالابتكار والتطوير والمساهمة في عملية صنع القرار وتقييم النتائج.
بناءً على ما سبق القائد الحقيقي هو من يُدير الفرق بتصميم بيئة عمل تسمح لهذا التنوع بالازدهار، والاستراتيجيات العملية للتعامل مع التنوع داخل الفريق كالتالي:
1. بناء فرق عمل متكاملة
عندما تشكِّل فريقاً لمشروع لا تختر الأفراد بناءً على صداقتك معهم؛ بل على تكامل أنماطهم، ففي مشروع جديد، يتولى الشخص الحدسي مهمة في وضع الرؤية والأهداف المستقبلية، ويتولى الشخص الحسي مهمة التخطيط التفصيلي وإدارة الجداول الزمنية، أمَّا المنطقي فيتولى مهمة تحليل البيانات وتقييم المخاطر، أمَّا الشخص العاطفي فيتولى مهمة بناء علاقات الفريق وضمان التواصل الفعال.
2. التواصل الفعال
نجد في الدراسة التي عنوانها "واقع التمكين الإداري لدى القيادات النسائية في عمان" أنَّ مهارات الاتصال تُنجِز الأعمال بكفاءة عالية، وفي الوقت المناسب دون تأخير، بالتالي تُتَّخذ قرارات سليمة أيضاً.
لكن عندما تعقد اجتماعاً لا تتوقع استجابة فريق العمل بالطريقة نفسها؛ لذلك يمكنك تعديل أسلوب التواصل لتضمن التواصل الفعال مع الجميع، مثلاً:
- عند التواصل مع النمط الحسي: كن مباشراً ومحدداً وركِّز على التفاصيل، والجداول الزمنية، والنتائج الملموسة، واستخدِم أمثلة واقعية وقدِّم لهم قائمة مهام واضحة.
- عند التواصل مع النمط الحدسي: ركِّز على الصورة الكبرى، واشرح لهم الأهداف المستقبلية للمشروع، وكيف يتناسب دورهم مع الرؤية العامة، واسألهم عن أفكارهم وامنحهم مساحة إبداع كافية.
- عند التواصل مع النمط المنطقي: قدِّم لهم أرقاماً وإحصائيات وحقائق، وكن موجزاً ومنطقياً، وتجنَّب العواطف، وركِّز على الفعالية والكفاءة وما يجب فعله لتحقيق الهدف.
- عند التواصل مع النمط العاطفي: استخدِم لغة إيجابية وداعمة في الحديث وقدِّر جهودهم دائماً، وناقِش كيفية تأثير القرارات في الفريق والعملاء، وأظهِر اهتمامك برفاهيتهم.
شاهد بالفيديو: 15 صفة من صفات القادة المتميزين
3. إدارة الاجتماعات بذكاء
اجتماعات الفريق هي نقطة احتكاك بين أنماط الشخصية المتنوعة، فإدارتها بحكمة أمر هام، وذلك من خلال ما يأتي:
- قبل الاجتماع: أرسِل جدول أعمال مفصلاً مسبقاً، فهذا يمنح الأنماط الانطوائية وقتاً للتفكير والإعداد، ويجعلهم أكثر استعداداً للمساهمة.
- في الاجتماع: ابدأ الاجتماع بسؤال مفتوح لإعطاء الأنماط الانبساطية الفرصة للمشاركة، وبعد النقاش امنح الأنماط الانطوائية مساحة للتفكير، ثم اسألهم عن آرائهم مباشرة، مثلاً "ما رأيك يا محمد في هذا الاقتراح؟"
- بعد الاجتماع: تابِع مع أفراد الفريق للتأكد من أنَّهم فهموا القرارات جيداً، وأنَّ لديهم كافة المعلومات وما يحتاجونه للمضي قدماً.
4. تقديم التغذية الراجعة المخصصة
تعد أداة قوية للنمو ولكن يجب أن تُقدَّم بما يناسب أنماط الشخصية (MBTI).
مثلاً للنمط المنطقي يجب أن تكون مباشراً ومهنياً، وتركز على الأداء الفعلي وتقدِّم الحلول المنطقية والقابلة للتطبيق، ولا تأخذ ملاحظاتهم شخصياً؛ بل ركِّز على المهمة لا على العلاقة، أمَّا للنمط العاطفي فابدأ بنقطة إيجابية ثم قدِّم الملاحظات البنَّاءة بلطف، واختم بنقطة إيجابية أخرى وعبِّر عن الثقة بقدراتهم، فهذا الأسلوب يساعدهم على تقبل النقد دون الشعور بالإحباط.
5. الذكاء العاطفي
فهم أنماط الشخصية (MBTI) هو "ماذا تفعل" أمَّا الذكاء العاطفي هو "كيف تفعل ذلك" فدون الذكاء العاطفي ستظل معلوماتك نظرية جداً ولكن معه ستصبح قائداً ملهماً يستخدم تلك المعلومات في إدارة الفريق، فيحصل على علاقات قوية تحقق النجاح المستدام، وفيما يأتي توضيح للرابط بين الذكاء الاصطناعي واستخدام (MBTI):
1.5. الوعي الذاتي
عندما تفهم شخصيتك أنت أولاً، هل أنت منطقي أم عاطفي؟ انطوائي أم انبساطي؟ ستدرك نقاط قوتك وتحدياتك بوصفك قائداً، فلا تفرض أسلوبك المخصص على الآخرين؛ بل افهم الاختلاف بينكم، مما يدفعك لتغيير أسلوبك بما يتناسب مع الشخصيات في الفريق.
2.5. إدارة الذات
تأتي مرحلة إدارة العواطف بعد إدراكها، فعندما تواجه تحدياً مع عضو في الفريق، قد تشعر بالغضب أو الإحباط، لكنَّ القائد الذكي عاطفياً، يتوقف ليسأل "ما هو نمط شخصية هذا الموظف، ولماذا يتصرف هكذا؟"، فالقدرة على التحكم في ردود أفعالك يسمح لك باتخاذ قرارات مدروسة، بدلاً من اتخاذ قرارات متسرعة.
3.5. الوعي الاجتماعي
هو جوهر الموضوع، فالذكاء العاطفي يعني قدرتك هنا على قراءة فريقك بالتعرف على أنماطهم المختلفة وفهم دوافعهم واحتياجاتهم وطريقة تفكيرهم؛ إذ يُخبرك الوعي الاجتماعي أنَّ أفضل طريقة للحصول على أفكار موظف انطوائي، ليست في اجتماع صاخب؛ بل في محادثة فردية أو من خلال البريد الإلكتروني.
4.5. إدارة العلاقات
بعد أن تفهم أنماط الشخصيات يمكنك استخدام هذا الفهم لإدارة الصراعات وتحفيز الأفراد بفعالية، فالقائد الذي يمتلك الذكاء العاطفي يستخدم معرفته بال (MBTI) لتحويل التنوع إلى قوة دافعة، بالتالي يخصص أساليب التحفيز والتغذية الراجعة بما يتناسب مع كل فرد، مما يزيد الولاء والإنتاجية والانسجام العام في الفريق.
6. الاحتفال بالاختلافات
شجِّع فريقك على تقدير نقاط قوة بعضهم بعضاً، من خلال تنظيم ورشات عمل ونشاطات لبناء الوعي الذاتي، فيشارك كل فرد كيف يفضل العمل ويتخذ القرارات، بالتالي يعزز هذا الفهم المتبادل الاحترام ويقلل سوء الفهم ليصبح الفريق منظومة متناغمة.
"كل فرد في فريقك هو كنز فريد من نوعه ومهمتك بوصفك قائداً هي اكتشاف هذا الكنز لتوفير البيئة التي يحتاجها للتألق."
في الختام
لا تعد القيادة الفعالة سلطة؛ بل تأثيراً، والقائد الملهم يفهم أنماط الشخصية (MBTI)، فهي مفتاح رحلتك لممارسة القيادة بمسؤولية والتزام.
دائماً هناك فرصة لأن تكون قائداً أفضل، فتذكر أنَّ القائد الذي ينمو، ينمِّي من حوله أيضاً؛ لذا استخدِم الاستراتيجيات التي ذكرناها لتكتشف الكنوز الموجودة في فريقك.
أضف تعليقاً