Top


مدة القراءة:3دقيقة

وجهك الذي لا تراه

وجهك الذي لا تراه
مشاركة 
الرابط المختصر

انتقل رجلٌ مع زوجته إلى منزلٍ جديد، وفي صبيحة اليوم الأول، وبينما كانا يتناولان وجبة الإفطار، قالت الزوجة مشيرةً من خلف زجاج النافذة المطلَّة على الحديقة المشتركة بينهما وبين جيرانهما: "انظر يا عزيزي، إنَّ غسيل جارتنا ليس نظيفاً، لابدَّ وأنَّها تشتري مسحوقاً رخيصاً".




دأبت الزوجة على الإدلاء بالتعليق نفسه في كلِّ مرةٍ ترى جارتها تنشر الغسيل فيها، وبعد شهرٍ اندهشت عندما رأت الغسيل نظيفاً على حبال جارتها، وقالت لزوجها: انظر، لقد تعلَّمَت أخيراً كيف تغسل.

فأجاب الزوج: عزيزتي، لقد نَهَضْتُ باكراً هذا الصباح، ونظَّفت زجاج النافذة التي تنظرين منها.

العبرة من هذه القصة: قد تكون أخطاؤك هي التي تريك أعمال الناس على أنَّها مغلوطة؛ لذا أصلح عيوبك قبل أن تنتقد عيوب الآخرين.

إقرأ أيضاً: قانون الكارما: كما تدِين تُدَان

هل مرَّ عليك عزيزي القارئ هذا النمط نفسه من الناس الذين يمسكون بعدسةٍ مكبِّرةٍ ليركِّزوا على أخطاء الآخرين؟ هل تعرَّضت إلى موقفٍ مشابه؟ أم هل رأيت موقفاً مماثلاً أمامك؟

هذا مجال حديثنا اليوم، حيث توجد نوعيةٌ من الناس تقوم بإصدار الأحكام المسبقة على الآخرين، وذلك من خلال عدة أمور، نذكر منها:

  1. طريقة توصيل المعلومة الخاطئة حسب وجهة نظر المُرسِل، ووفقاً للحكم المسبق له.
  2. الزاوية الضيقة التي يحكم بها هؤلاء.
  3. العواطف السائدة في تلك اللحظة.
  4. مدى ثقافة المرء وعلمه وعاداته وتقاليده ذات الصلة بالموضوع.

تؤثر كلّ هذه الأمور إيجاباً أو سلباً في القرار والحكم الذي يتخذه الإنسان، وفي عواقب مثل هكذا قراراتٍ أيضاً.

يبدع كثيرون في إصدار أحكامٍ سريعة، وذلك بغض النظر عن نوعية القرار، سواءً أكان صحيحاً أم خاطئاً، والمصيبة الأكبر كوننا لا نرغب بمناقشة قراراتنا مع الآخرين، إذ نشعر أنَّ كرامتنا تهتز في حال قيل لنا عبارة: "لقد أخطأتَ في حكمك"، أو "لقد استعجلت في قرارك". هنا نَفُوْرُ كالبراكين في وجه من يوجِّهنا، ونقول له بكلِّ غضب: "ومن أنت لكي تعلِّمني القرار الصحيح من الخاطئ؟".

لا أخفيك بأنَّك في تلك اللحظة تعدُّ شخصاً محظوظاً؛ لأنَّك ترى الوجه الآخر للإنسان، بغض النظر عن العواصف والأعاصير التي تمرُّ بها.

وعندما نهدأ ونصل إلى حالةٍ نستطيع من خلالها مناقشة الأمر، تكون المسألة قد انتهت ولم يعد من فائدةٍ للنقاش، ولكنَّنا ما نزال نظهر للآخرين بأنَّنا أُناسٌ مثاليون، ويمكننا تقبُّل النقد ومناقشة المواضيع، وبكلِّ بساطةٍ نقول: "لا عليك فهو يستحقّ هذا"، وذلك رغم يقيننا التام بأنَّنا قد نكون مخطئين، فكرامتنا لا تسمح لنا؛ لأنَّنا أناسٌ سطحيُّون ولسنا إيجابيين بحق، ولا عظماء؛ وذلك لأنَّ العظيم متواضعٌ وبسيطٌ ويعترف بخطئه، ويتأنَّى قبل الحكم حتَّى يرى الصورة الكاملة، ويضع نفسه مكان الشخص المقابل، ولا يُفسِحُ المجال لعواطفه أن تقوده.

إقرأ أيضاً: التعامل مع النقد

ما الذي تستفيده من الأحكام المسبقة والقرارات الخاطئة؟ بكلِّ بساطة: إنَّك تحرم نفسك من أمورٍ كثيرة، منها: الإنصات إلى الآخرين، إذ أنَّ الناس تحبُّ من يصغي إليها؛ لذا لا تنفِّر الناس منك عزيزي القارئ، فتبقى في دائرةٍ محدودةٍ شبه فارغةٍ من الأصدقاء الحقيقيين، وذلك لأنَّ الناس يتجنَّبون الأشخاص سريعي الغضب، حيث تقع الأقنعة في المواقف الصعبة، ويُعرَف الصادق من الكاذب.

عزيزي القارئ، ألا تتعجَّب من ازدواجية خطاب بعض الناس وسلوكاتهم؟ بالطبع لا نريدك أن تكون ضمن هؤلاء، فالأحكام المسبقة تمنعك من الوعي بذاتك والآخرين، وتُفقِدك مشاعرك الحقيقية والقدرة على الإحساس بالآخرين، فتصبح أسيراً لأحكامك المسبقة وافتراضاتك وظنونك السلبية التي قد لا تكون موجودةً في الغالب؛ فقط لأنَّك سمحت لها بأن تأخذ حيزاً من تفكيرك وتتربَّع على كرسي قراراتك.

أتعلم أنَّكَ وبمجرد أن يكون لديك حكمٌ مسبقٌ عن شخصٍ يعني أنَّك شكَّلت حاجزاً بينك وبينه، وكذلك حاجزاً آخر بينك وبين عقلك وبصرك وبصيرتك؟ ذلك لأنَّك رأيت بأعين الناس، لا من خلال الأدلّة الحقيقية، وحرمت نفسك من استخدام عقلك، فتكون بذلك قد جنيت على نفسك وعلى الكثيرين ممَّن حولك.

لا تضيِّع على نفسك فرصة تطوير ذاتك ومحبة الآخرين، ومن ثمَّ محبة الحياة.

ركِّز معي: ضع جميع معتقداتك وأحكامك المسبقة -صغيرةً كانت أم كبيرةً- في صندوق، وأحكم غلقها، واتركها جانباً. البس نظارة الاستكشاف وابدأ تقصِّي الحقائق بنفسك، وخذ وقتك في التحليل.

وتذكَّر: لا تعني سرعة اتخاذِكَ القرارَ أنَّك صائب، ولا يعني تأخيره أنَّكَ مخطئ.


تنويه: يمنع نقل هذا المقال كما هو أو استخدامه في أي مكان آخر تحت طائلة المساءلة القانونية، ويمكن استخدام فقرات أو أجزاء منه بعد الحصول على موافقة رسمية من إدارة النجاح نت.

المقالات المرتبطة بــ:وجهك الذي لا تراه






تعليقات الموقع