Top


مدة القراءة:4دقيقة

وأخيراً أحببتُها

وأخيراً أحببتُها
مشاركة 
الرابط المختصر

أتذكَّر عندما كنت طفلةً أنَّني كثيراً ما كنتُ أسمع عبارة: "عندما تكبرين سوف تتغيرين"، وكنت أرى الكثير من الأطفال الذين لم يتقبَّلوا ذواتهم، سواءً أكانَ ذلك من حيث الشكل (أسمر، قصير، سمين)، أم من حيث التصرُّفات (خجول، كثير الحركة). وبالمقابل، كنَّا نسمع آراء الذين من حولهم، والتي كانت تتراوح بين الإيجابية المؤثِّرة وبين السلبية المحطِّمة.




وعندما كبرنا، كبُرَتْ تلك الأفكار والصور التي رَسمُوها لنا عن أنفسنا وعمَّا سنكون عليه مستقبلاً، ووضعنا تلك الأفكار والأحلام في صندوق أمانينا، ووثقنا بما قِيل عنَّا بكلِّ جوارِحنا، فمنَّا من كان ينتظر هذا المستقبل ليفتح الصندوق ويفرح بما قيل له ويحقِّقه؛ بينما كان بعضنا الآخر يخاف منه ولا يريد فتح ذلك الصندوق؛ كيلا يعيش مع الأفكار التي حطمَّته في طفولته، لذا قرَّر أن يجعلها طيَّ النسيان أمام الناس، غير أنَّها تعيش معه لحظةً بلحظة، وتؤرِّقه، وتؤثِّر في نفسيَّته، وتشوِّش أفكاره، وتجعله متردداً في قراراته وعلاقاته وأفعاله.

قبل أن نكمل الحديث، فلنقرأ هذه القصة:

"في إحدى الأيام، وفي أثناء شرح الدرس، رفع المحاضر 100 دولارٍ وقال لطلابه: "من يريدها؟" رفع معظم الموجودين أيديهم. فأعاد المحاضر طرح السؤال نفسه بعد أن فرك الورقة بين يديه، فرُفِعت الأيادي مرةً أخرى. "حسناً" قال لهم، وأردفَ: "ماذا لو فعلتُ هكذا؟ ورمى النقود على الأرض ودهسها بحذائه، ومن ثمَّ رفعها وهي متسخةٌ ومليئةٌ بالتراب، وسألهم: "من منكم مازال يريدها؟" فارتفعت الأيادي مرةً أخرى، فقال: "الآن، يجب أن تكونوا قد تعلَّمتم درساً قيِّماً، فمهما فعلت بالنقود ما زلتم تُريدونها؛ لأنَّ ذلك لم يُنقِص من قيمتها، فهي ما زالت 100 دولار".

العبرة من القصة: في مراتٍ عديدةٍ في حياتنا قد نسقط على الأرض ربَّما، ونشعر حينها أن لا قيمة لنا؛ لذا مهما حصل، لا تَحُطَّ من قدرك بسبب ما قيل لك في السابق، وتقبَّل ذاتك، وأحِبَّها، فهي التي ستعيش معك طوال عمرك؛ وليس الآخرين.

هل تتذكَّر عندما كان يشكو لك أحد أصدقائك مشكلةً قد حدثت معه، أو عن وفاة قريبٍ له، أو تعرُّضه إلى موقفٍ ما أحزنه، أو عندما خاب ظنُّه بأحد أقربائه أو أصدقائه أو زميلٍ له في العمل؟ وكذلك عندما كان يحدِّثك عن مناسبةٍ سارةٍ حدثت له أو كان في انتظارها؟ ماذا لو أنَّه جاء إليك ليطلب منك المساعدة في حينه، ما كنت لتفعلَ حينها؟ بالتأكيد ستتفاعل معه، وتحزن لحزنه، وتفرح لفرحه، وتحاول بشتى الطرائق الأخذ بيده وإيجاد حلولٍ لمشاكله، أو ستقدِّم له نصيحة، أو تشاركه فرحه، وتحدِّث نفسك قائلاً: "ليس من المعقول أن أترك صديقي دون حلول، فهو اختارني ولجأ إلي"، لذا لابُدَّ أنَّك ستقوم بمساندته بكلِّ ما لديك من قوة. ولكنَّك عزيزي، عندما تتعرَّض إلى تلك المواقف نفسها فإنَّك تجلد ذاتك، وتهينها، وتوجِّه إليها عباراتٍ لا تليق بها، وتقلِّل من شأن نفسك، ولا تتقبَّل ذاتك.

يؤدِّي كثرة إصدار أحكامٍ سلبيةٍ وغير حقيقيةٍ على الذات إلى نتائج وخيمة. يقول الإمبراطور الروماني (ماركوس أوريليوس): "إنَّ حياتنا من صنع أفكارنا، فإذا ساورتنا أفكارٌ سعيدةٌ كنَّا سعداء؛ وإذا تملَّكتنا أفكارٌ سيئةٌ غدونا أشقياء".

إقرأ أيضاً: عن التفاؤل وتقدير الذات

ما تعريف الثقة بالذات؟

تعني أن يمنحَ الشخص نفسه قيمةً ذاتيةً إيجابيةً تنعكس بتقبُّله لذاته وتفكيره وتعامله مع الآخرين بإيجابية، وتقود إلى الكفاءة الذاتية في حياته مع نفسه ومع الآخرين. وكذلك يمكننا القول بأنَّ الثقة بالذات هي مدى اعتقاد الفرد بأنَّه قادرٌ وهامٌّ وناجحٌ وكُفْء؛ أي أنَّ تقدير الذات هو حكم الفرد على درجه كفاءته الشخصية.

أشارت بعض الدراسات إلى أنَّ صعوبة تحقيق الإنسان لهدفه غالباً ما تكون نتيجة تدنِّي ثقته بنفسه وتقبله لذاته، بل وأشارت دراساتٌ أخرى إلى العلاقة الارتباطية بين تدني تقدير الشخص لذاته وبين إخفاقاته في عمله. وهناك بعض الاختبارات النفسية التي أُجرِيت على المنحرفين والمجرمين والمدمنين، والتي قد أظهرت أنَّ لديهم مستوىً متدنٍّ من تقدير الذات.

قسَّمَ علماء النفس التقدير الذاتي إلى قسمين: المكتسب والشامل. فالتقدير الذاتي المكتسب: هو التقدير الذاتي الذي يكتسبه الشخص خلال إنجازاته، فيحصل على الرضى بقدر ما أدَّى من نجاحات، وهنا يُقوَّم بناء التقدير الذاتي على ما يُحصِّله من إنجازات؛ إلى الحسِّ العام للافتخار بالذات، إذ أنَّه ليس مبنيَّاً أساساً على مهارةٍ محددةٍ أو إنجازاتٍ معينة، فهو يعني أنَّ الأشخاص الذين أخفقوا في حياتهم العملية لا يزالون ينعمون بدفء التقدير الذاتي العام، وحتَّى وإن أُغلِق في وجوههم باب الاكتساب.

إقرأ أيضاً: كيف ترفع من قيمة ذاتك وتثق بنفسك أكثر

لماذا نحتاج إلى تقدير الذات في حياتنا؟

هناك اتفاقٌ بين الباحثين عن وجود علاقةٍ بين تقدير الذات والنجاح، ولكنَّ الاختلاف القائم هو عن طبيعة هذه العلاقة، فهل يا ترى يجب أن يكون الشخص متفوقاً في تحصيله العلمي لكي يكون لديه الإيجابية في تقدير ذاته؟ أم أنَّ الثقة بالذات تسبق التفوق العلمي؟

الحقيقة أنَّها علاقةٌ تبادلية، مع أنَّه لابدَّ من الاعتراف بأنَّ الاعتداد بالذات مطلوبٌ لكي يحدث التفوق في الحقل العلمي، وأنَّ هذا التفوق سيؤدِّي بدوره إلى زيادة الثقة بالذات؛ وبمعنى آخر: إنَّ كلَّاً منهما يغذِّي الآخر.

إنَّ تقدير الذات له تأثيرٌ عميقٌ في جميع جوانب حياتنا، فهو يؤثِّر في مستوى أدائنا في العمل، وفي الطريقة التي نتفاعل بها مع الناس، وقدرتنا على التأثير في الآخرين، وفي مستوى صحتنا النفسية.

إنَّه لفي مقدورنا تحطيم القيود الشخصية التي قبِلنا بها في أيِّ وقتٍ نشاء، وتحرير أنفسنا من القيود التي تعوقنا وتعرقل جهودنا إذا اتبعنا بعض القواعد في حياتنا، والتي منها:

  • عدم الشك في قدراتك ومقارنة نفسك بالآخرين.
  • عدم تقبُّل الأفكار السلبية التي تصدر منك وإليك.
  • تقبُّل النقد البنَّاء.

إن استطعت اتّباع تلك القواعد، فستشعر بعدة أمورٍ تغيِّر حياتك للأفضل، ومنها أنَّك ستجد نفسك كشخصيةٍ رائعةٍ وواثقةٍ من نفسها، وستشعر في حياتك بالهدوء والسكينة، وسيزيد عندك الحماس والعزيمة والصراحة والقدرة على التعبير والإيجابية والتفاؤل ومحبة الجميع.

ركِّز معي: أنت شخصٌ مميزٌ قد أكرمك الله ورفع قدرك، فلا تدع خيبات آمال الأمس تُلقي بظلالها على أحلام الغد. وتذكَّر الحكمة التي تقول: "لن تستطيع أن تمنع طيور الهمِّ أن تحلِّق فوق رأسك، ولكنَّك تستطيع أن تمنعها من أن تعشش فيه".


تنويه: يمنع نقل هذا المقال كما هو أو استخدامه في أي مكان آخر تحت طائلة المساءلة القانونية، ويمكن استخدام فقرات أو أجزاء منه بعد الحصول على موافقة رسمية من إدارة النجاح نت.

المقالات المرتبطة بــ:وأخيراً أحببتُها






تعليقات الموقع