Top


مدة القراءة:4دقيقة

كيف تخدعنا عقولنا لنصدق الأشياء الخاطئة؟

كيف تخدعنا عقولنا لنصدق الأشياء الخاطئة؟
الرابط المختصر
تاريخ آخر تحديث:30-01-2021 الكاتب: هيئة التحرير

عند مشاهدة الانتخابات الرئاسية في أي بلدٍ كان، نجد الاحتجاجات والمظاهرات التي تتجادل فيها حشود ضخمة من مؤيدي الأطراف المتعارضة، ويلقي جميعهم اللائمة على بعضهم بعضاً في الفوضى التي جلبوها إلى البلاد؛ فيرى أنصار أحد الأطراف السياسات الجيدة فحسب، متجاهلين الجوانب الأخرى؛ فتبدأ المواجهة.




هل تساءلت يوماً عن سبب حدوث مثل هذا التناقض الكبير بين الطرفين؟ يحدث ذلك لأنَّه بدلاً من مجرد الاختلاف في الآراء السياسية، كان الانحياز التأكيدي هو المسيطِر على الموقف.

سبب التناقض، الانحياز التأكيدي:

الانحياز التأكيدي ظاهرة نفسية يميل الناس فيها إلى البحث عن معلومات لتعزيز معتقداتهم، كما يُعرَف باسم "الانحياز الذاتي" (myside bias)، والذي يعني حرفياً الإيمان الراسخ بأفكار المجموعة التي ينتمي إليها الفرد عندما يكون في مجموعة كبيرة يؤيد أفرادها بعضهم بعضاً.

كيف يكون الانحياز التأكيدي ضاراً بالنسبة إلينا؟ إنَّه يعمينا عن النظر إلى الحقائق بموضوعية، خاصة تلك التي تتعارض مع معتقداتنا، أو تثبت خطأنا؛ فنصبح غير عقلانيين، ونجعل أنفسنا غير قادرين على التفكير السليم دون أن ندرك ذلك.

إقرأ أيضاً: 3 تحيزات معرفية تؤثر في قراراتنا اليومية

يأتي انحياز التأكيد في ثلاثة أبعاد: البحث الانحيازي عن المعلومات، والتفسير الانحيازي، والذاكرة الانحيازية؛ ويساهمون جميعاً في سوء تقديرنا بطرائق مختلفة:

1. البحث الانحيازي عن المعلومات - اختبار أحادي الجانب:

يشير البحث الانحيازي عن المعلومات إلى ميل الناس إلى اختبار فرضياتهم بطريقة أحادية الجانب؛ وبعبارة أبسط، أن نبحث فقط عن الأدلة المتوافقة مع فرضياتنا، وقد أُكدِّت هذه الظاهرة من خلال تجارب عديدة.

على سبيل المثال: طُلِب من المشاركين في إحدى الدراسات تقييم شخص آخر على مقياس الانطواء والانفتاح من خلال أدائهم في مقابلة أجروها معهم، كما زُوُّدِوا بقائمة بأسئلة المقابلات للاختيار من بينها؛ ومن المثير للاهتمام أنَّه عندما يُقدَّم الشخص إلى المُحاوِر على أنَّه انطوائي أو منفتح، يختار أن يسأله المحاور الأسئلة التي تشبه شخصيته؛ ممَّا يمنح الشخص الذي أجريت معه المقابلة مساحة صغيرة لتبرير تصرفه، حيث يؤدي اختيار الأسئلة إلى تعزيز اعتقاد الشخص الذي أجريَت معه المقابلة بأنَّه انطوائي أو منفتح، ويحدث كل هذا على نحو لا شعوري.

2. التفسير الانحيازي - التفسير بطريقة تدعم معتقداتنا:

نحن نفكِّر أيضاً بانحياز تأكيدي عن طريق تفسير جزء من المعلومات على نحوٍ يحابي معتقداتنا؛ وحتى عندما يُقدَّم دليل ما، فقد ينظر إلى الأشخاص الذين يتبنُّون مواقف متعارضة إلى الدليل نظرة مختلفة تماماً.

لقد أُجرِيت دراسة في أثناء الانتخابات الرئاسية لعام 2004 على أشخاص يحملون مشاعر قوية تجاه المرشحين، ولقد تلقوا تصريحات متناقضة كتبها أحد مؤيدو الحزب الجمهوري، وآخر من مؤيدي الحزب الديمقراطي، وشخصية محايدة سياسياً؛ كما كانوا مقتنعين بأنَّ التناقض كان معقولاً؛ ولكن في النهاية، أظهرت النتيجة أنَّ المشاركين كانوا أكثر ميلاً إلى تقييم الشخصية السياسية للحزب المعارض على نحو متناقض، حتى مع وجود الأدلة نفسها.

3. الذاكرة الانحيازية - التذكُّر الانتقائي لدعم المعتقدات:

يُعرَف هذا التأثير أيضاً باسم "الاسترجاع الانتقائي"، ويعني تذكُّر الناس لجزء من المعلومات بصورة انتقائية لتعزيز معتقداتهم؛ وتوجد نظريتان في هذا الانحياز، تفيد إحداهما أنَّ تخزين واسترجاع المعلومات المتوافقة مع التوقعات السابقة يكون أسهل، وتشير النظرية الأخرى إلى أنَّ المعلومات المفاجئة تتميَّز عن غيرها ولا تُنسَى؛ ولقد أكدَّت الدراسات صحة كلا الرأيين، ولم يتفوق أحدهما عن الآخر، ولكنَّ الشيء المؤكَّد هو أنَّنا جميعاً نمتلك ذاكرة انتقائية.

طُلِب من المشاركين في إحدى الدراسات تذكُّر سمات شخص ما يقدِّم على وظيفة؛ وعندما أُخبِر المشاركون أنَّ المتقدم يبحث عن وظيفة أمين مكتبة، تذكَّروا السمات المتعلقة بالانطوائية أكثر، بينما استذكروا السمات الأكثر انفتاحاً عندما قيل لهم أنَّه تقديم على وظيفة مندوب مبيعات عقارية.

يعزز الانحياز التأكيدي إيماننا بمعتقداتنا الخاطئة:

نحن ندرك حتى الآن، حقيقة أنَّ عقولنا انحيازية؛ ولكن ماذا تفعل بنا؟

من وجهة نظر العلم، غالباً ما نبحث عن علاقة سببية؛ وإذا كان الانحياز التأكيدي قائماً، فمن المرجح أن نقع في الفخاخ التي تؤكد لنا الفرضيات الخاطئة، وكثيراً ما يُدان الباحثون بتهمة الانحياز التأكيدي من خلال إجراء تجارب أو تأطير بياناتهم بطرائق تنزع إلى تأكيد فرضياتهم؛ كما من الشائع أن نرى حادثة ما تتبع حادثة أخرى، مثل المرض بعد سوء الطقس؛ لكن هل يعني ذلك وجود علاقة سببية؟

ليس بالضرورة، ولكن عندما يسعى الباحثون إلى تحديد العلاقة، فمن المحتمل أن يعترفوا بها على نحو زائف؛ وعندما يتعلق الأمر باتِّخاذ قرارات للأعمال التجارية، فمن الخطير جداً ألَّا نكون موضوعيين؛ ولكن عادة ما يتغاضى الناس عن أهمية المعلومات التي قد يكون لها تأثير كبير في القرار الذي ينبغي اتِّخاذه عندما تكون المعلومات ضد نتائجهم المتوقَّعة.

على سبيل المثال: عندما يبتكر فريق تنفيذي استراتيجية جديدة، فمن المرجح أن يعظِّموا حتى أصغر دليل على النجاح، بالإضافة إلى تجاهُل العيوب والنتائج المعاكسة أو استبعادها باعتبارها حالات استثنائية لا تتطلب الكثير من الاهتمام؛ وقد تُلحِق مثل هذه العيوب والعمى الانتقائي في اتخاذ القرارات أشد الضرر بالأعمال التجارية.

أو دعنا نضرب مثالاً بسيطاً من الحياة اليومية: عندما تهدف إلى إنقاص بعض الوزن، تختار نظاماً غذائياً وتتبعه، ويتغير وزنك؛ فإذا نقص وزنك كما توقعت، فقد تستنتج أنَّ هذا يرجع إلى فاعلية النظام الغذائي؛ ولكن إذا ارتفع وزنك لاحقاً، فقد يدفعك الانحياز التأكيدي بصورة خاطئة إلى تجاهل الأمر على أنَّه تقلُّب عشوائي، واعتقاد بأنَّ النظام الغذائي لا يزال يعمل بصورة مثالية؛ وفي هذه الحالة، قد يتسبب الانحياز التأكيدي بإغفال بعض الإشارات الهامَّة عن جسمك.

إقرأ أيضاً: ما هو التحيز اللاواعي؟ وكيف تحد منه لتحقيق الأفضل؟

جرِّب هذه الممارسات للتغلب على الانحياز التأكيدي:

الآن، وبعد أن علمنا أنَّ كلَّاً منا يتأثَّر بالانحياز التأكيدي، كيف نتغلَّب عليه؟

1. إثبات الخطأ بأنفسنا:

لا توجد نظرية أو نموذج مثالي تماماً، ولكن يمكننا تحسين الأمور من خلال اكتشاف الخطأ فيها؛ لذلك عندما تكتب فرضياتك بدلاً من البحث عن أدلة لصالح وجهة نظرك فحسب، حاول البحث عن العكس، وتحلَّ بالشجاعة للعثور على أكبر قدر ممكن من الأدلة المعارضة؛ إذ قد يمنحك ذلك إشارات عن العيوب التي تشوب أفكارك الحالية.

2. تعزيز التفكير البنَّاء والمستقل في مجموعة:

امنح الفرصة لكل عضو لصياغة أفكاره الخاصة باستقلالية في عملية اتِّخاذ القرار الجماعي، وأمِّن لهم بيئة آمنة للتعبير عنها تعبيراً بنَّاءً، واحرص على إزالة افتراضات التفكير الجماعي التي تشجع الجميع على مسايرة الفكر نفسه من خلال الترحيب بالأشخاص الذين يمتلكون أفكاراً مختلفة بدلاً من رفضهم أو مواجهتهم، فلماذا لا تستفيد من وجهة النظر الفريدة لكل شخص عن طريق تبادُل الأفكار؟

قد يساعد وجود مزيد من وجهات النظر المجموعة بأكملها على تكوين صورة أوضح عند اتخاذ القرارات، وهذا ما فعله أبراهام لينكولن (Abraham Lincoln) بالفعل من خلال دعوة السياسيين المتنافسين والترحيب بالنقاش والحوار رغم اختلاف آرائهم تماماً؛ كما تُستخدَم الطريقة نفسها في تحقيقات الشرطة، حيث لا يُسمَح للشهود عموماً بمناقشة بعضهم بعضاً لمنع التأثير غير المقصود أو المقصود للحفاظ على شهادة غير انحيازية.

3. توقُّع النتائج غير المتوقَّعة:

إذا واجهت مواقف غير متوقعة أو نتائج مفاجئة، فلا تعدُّها مجرَّد حالة "خاصة" أو "استثنائية" وتتجاهلها؛ فهي ليست كذلك.

توقَّع وقوع الحوادث أو النتائج المختلفة من خلال تقديم 3 أسباب محتملة، وقد اقترحت الأبحاث أنَّ 3 هو الرقم المثالي؛ إذ لا يساعد وجود مزيد من الفرضيات في تحليل المشكلة جيداً.

 

المصدر


تنويه: يمنع نقل هذا المقال كما هو أو استخدامه في أي مكان آخر تحت طائلة المساءلة القانونية، ويمكن استخدام فقرات أو أجزاء منه بعد الحصول على موافقة رسمية من إدارة النجاح نت.

المقالات المرتبطة بــ:كيف تخدعنا عقولنا لنصدق الأشياء الخاطئة؟