الشجاعة بوصفها عاملاً حاسماً في اتخاذ القرار
الشجاعة في اتخاذ القرار هي العامل الحاسم؛ لأنَّها صاحبة الفضل في تجاوز العقبات الداخلية التي تمنع الإنسان من اختيار مسار صعب وغير مألوف في الحياة، حتى إن كان صحيحاً دون أن يخشى الانتقاد أو الفشل، فهي قدرة الإنسان على تقييم المواقف جيداً ليحدد الإمكانات اللازمة لتجاوز التحدي وتحقيق الإنجازات ومواجهة المعارضة مع المحافظة على الأخلاقيات والمبادئ.
ومن الأمثلة عن قرارات الشجاعة ترك الوظيفة المستقرة ولكن غير المرضية لبدء مشروع مخصص يتناسب مع الأحلام والشغف، فيتطلب الموقف شجاعة لمواجهة الخوف من الفشل والمجهول وخصيصاً الضغوطات المالية المحتملة.
الفرق بين الشجاعة والتهور
الشجاعة في الحياة اليومية بعيدة عن التهور، فلا تعتقد أنَّها الإقدام على عمل دون التفكير بالمخاطر؛ بل هي إدراك وتقييم المخاطر بدقة ووعي، فالتهور ينبع عادة عن إثارة أو رغبة بالتباهي دون وجود هدف واضح، بينما الشجاعة مدفوعة بالهدف والضرورة الملحة؛ لذلك تُبنى على تخطيط وتفكير عميق ليسيطر الفرد على الموقف ويتغلب على التحديات الحقيقية.
بالتالي يحقق نتيجة إيجابية، بخلاف التهور الذي ينتهي عادة بضرر للنفس أو للآخرين دون وجود مبرر لذلك، فتخيل الفرق بين رجل الإطفاء الذي يقفز في النار لينقذ شخصاً وهو يدرك كيفية التصرف في هذه المواقف، وبين شخص آخر يقفز دون أية فكرة عن المخاطر القاتلة المحتملة.
الشجاعة في الحياة اليومية
تؤدي الشجاعة في الحياة اليومية دوراً هاماً وحيوياً في مواجهة المخاوف لاتخاذ قرارات حكيمة، وذلك بالشكل التالي:
1. مواجهة المخاوف الشخصية
تساعد الشجاعة في اتخاذ القرار على مواجهة المخاوف الشخصية يومياً، فهي:
- تُجنِّب المواقف الخطيرة التي يبنيها الخوف في كل مرة نتجنب فيها موقفاً مخيفاً، مما يوسع منطقة الراحة، فكل ما كان رهيباً في السابق يصبح أمراً عادياً ويفتح الأبواب لتجارب وفرص هامة.
- تعزز الثقة بالنفس في كل مرة يتخذ الإنسان خطوة لمواجهة خوف معين ولو كان بسيطاً؛ لأنَّه إثبات للنفس بأنَّها تستطيع مواجهة الظروف غير المريحة.
- تكشف أنَّ الاحتمالات والسيناريوهات السيئة والكارثية التي نتخيلها لا تحدث إن تعاملنا مع الموقف بحكمة.
أمثلة عن قرارات الشجاعة في الحياة اليومية:
التغلب على الخوف من الرفض، فالشجاعة تعلمك أنَّ الرفض ليس نهاية العالم وقيمتك لا تتعلق بموافقة بعضهم عليك أو رفضهم، فالخوف من المجهول يمنعك من كسر الروتين اليومي، بالتالي تدفعك الشجاعة لتجريب أشياء جديدة كل يوم كأن تسلك طرقات مختلفة وتجرب مطاعم جديدة وأطباق غريبة وتغيِّر ترتيب منزلك باستمرار.
شاهد بالفيديو: 8 خطوات عملية لاتخاذ القرارات الصعبة في الحياة
2. اتخاذ قرارات غير شعبية
تساهم الشجاعة في الحياة اليومية في اتخاذ القرارات التي لا تحظى بقبول واسع من المحيطين، وذلك من خلال ما يأتي:
- تمسُّك الإنسان بالقيم الشخصية والمبادئ، فلا يقبل أحاديث النميمة في العمل مثلاً لينال رضى الآخرين أو يفتح حديثاً مع زميل.
- التغلب على الخوف من الانتقاد، فالشجاعة تدفعك للاعتذار عن حضور مناسبة اجتماعية؛ لأنَّك غير مرتاح بغض النظر عن ضغط الأصدقاء ورغبتهم في الحضور.
- القدرة على وضع حدود صحية، فلا تفعل شيئاً لترضي الآخرين؛ بل قُل "لا" واتَّخذ المسار والقرار المناسب حتى إن لم يكن ذلك مألوفاً.
- الدفاع عن المظلوم حتى إن كان الخصم قوياً أو جمهوراً بعدد كبير كأن يتدخل فرد ليدافع عن شخص يتعرض للتنمر على مواقع التواصل الاجتماعي.
الشجاعة في ريادة الأعمال
تؤدي الشجاعة في ريادة الأعمال دوراً هاماً في تمكين رائد الأعمال، فتساعد على اتخاذ الخطوات الضرورية، وذلك من خلال ما يأتي:
1. المخاطرة المحسوبة
لا ترتبط الشجاعة في اتخاذ القرار بالمخاطرة العشوائية؛ لأنَّها تمنح رواد الأعمال قدرة على الاعتراف بالتحديات وقلة الموارد ومختلف الحقائق المزعجة التي تساعد مواجهتها على التعامل معها بحكمة، فيضعف احتمال الفشل.
كما أنَّها تجعل رائد الأعمال يبحث عن آراء متنوعة وصريحة، فلا يحيط نفسه بالمؤيدين؛ بل بأصحاب الخبرة والمرشدين لكشف نقاط الضعف والمخاطر غير المتوقعة، في حين يتردد كثيرون في إنفاق المال على الاستشارات القانونية التي تبدو تكاليف غير ضرورية ولكنَّها الخطوة الوقائية بالنسبة لجميع رواد الأعمال.
2. الابتكار والتغيير
تدفع الشجاعة في ريادة الأعمال عجلة الابتكار والتغيير، فيبدأ ذلك بالتشكيك بالطرائق المألوفة في الإنتاج والخدمات مثلاً، فيفتح ذلك الباب أمام التفكير بحلول جديدة وتقديم أفكار مبتكرة غير مسبوقة بناءً على بحث مطول مع تقبل الفشل بوصفه جزءاً من التعلم.
لأنَّ الابتكار ليس عملية مضمونة من المحاولة الأولى؛ بل تجريب مستمر وتعديل، والشجاعة هنا تعني المحاولة؛ إذ تمنح الإنسان قوة لإنشاء سوق جديد وليس تطوير منتج فحسب كما حدث عندما أُطلقت الهواتف الذكية، فتطلَّب ذلك شجاعة لتثقيف الناس وإقناعهم بحاجتهم لشيء جديد لم يعرفوا أنَّهم بحاجة له.
الشجاعة في القيادة
تعد الشجاعة في القيادة حجر الزاوية في قدرة القائد على تحمل المسؤوليات ليستحق المنصب، ودورها كما يأتي:
1. اتخاذ قرارات صعبة
تنتج الشجاعة في اتخاذ القرار الصعب عن التغلب على الخوف من النتائج السلبية، فيتصرف القائد وفق ما يعتقد الصواب ولا يتخذ الخيار الأسهل، كما أنَّ الشجاعة تتطلب من القائد أن يكون صامداً خلف قراراته ويدافع عنها، فيتَّخِذ القرار الحاسم بناءً على تحليل الموقف بسرعة عالية لاستغلال الوقت بأفضل شكل.
إذ يواجه القادة ضغوطات تودي بهم لاتخاذ طرائق لا تتناسب مع معاييرهم الأخلاقية؛ لذلك تمنحهم الشجاعة قدرة على التمسك بالقيم الشخصية، وفي الوقت ذاته تساعده على تحقيق الموازنة بين مصالح تعود لأطراف مختلفة ومصالحه أيضاً.
2. تحفيز الفريق في الأوقات الصعبة
يعد دور الشجاعة في القيادة حاسماً في تحفيز فريق العمل خلال الأوقات المليئة بالتحديات من خلال ما يأتي:
- تبديد الخوف من النتائج من خلال منح الفريق شعوراً بأنَّ الأمور تحت السيطرة ويجب التركيز على الحلول وليس المشكلة.
- إظهار القائد المرونة والقدرة على تقبل التغيير والنهوض بعد كل تعثر، فيشعر الفريق بأنَّ القائد ملتزم بالأهداف، فيتحلوا بالصبر ويثابروا في سبيل ذلك.
- خلق بيئة آمنة تعتمد على منح الفريق حرية اقتراح حلول وأفكار جديد وتجريبها، مما يشجعهم على الخروج من منطقة الراحة.
- لا يطلب القائد الشجاع من فريقه بذل جهود إضافية؛ بل يقدر التضحيات والمساهمات ويعترف بجهودهم؛ لذلك لا يترددوا في الدفاع عنه ومشاركته المسؤوليات في اللحظات الصعبة.
- تجعل الشجاعة القائد مثالاً يُحتذى به في التعامل مع التحديات والتغلب عليها فيتبنى الفريق النهج ذاته.
تطوير الشجاعة الشخصية
يتطلب تطوير الشجاعة الشخصية الوعي والجهد والوقت الكافي، وتُطوَّر بالاعتماد على ما يأتي:
1. تقنيات لتعزيز الثقة بالنفس
1.1. تحديد أهداف واقعية وصغيرة
عندما تحقق نجاحاً بتلك الأهداف يتولد لديك شعور بالكفاءة والإنجاز، ويعزز تراكم الانتصارات الثقة بالنفس ويمنحك الشجاعة في اتخاذ القرار، فمثلاً إن كنت تخاف من التحدث أمام الجمهور، تحدَّث لدقيقة واحدة في اجتماع لفريق العمل، ومن ثم زِدْ المدة لتبني الشجاعة تدريجياً.
شاهد بالفيديو: 10 طرق لتعزيز شجاعتك
2.1. التركيز على نقاط القوة والمهارات والإنجازات السابقة
ذكِّر نفسك دائماً بهذه الأشياء الإيجابية التي تقوي الإيمان بالنفس.
3.1. التعاطف الذاتي
تحدَّث مع نفسك بإيجابية دائماً، بدلاً من النقد عند مواجهة التحديات أو التعرض لفشل، فمثلاً تتعلم مهارة جديدة ولا تُتقنها بسرعة، فبدلاً من أن تلوم نفسك قل: "البدايات صعبة ومع مرور الوقت سيصبح الأمر سهلاً".
4.1. اكتساب معارف ومهارات جديدة
طوِّر مهاراتك لتشعر بأنَّك صاحب خبرة في مجال عملك، فتزداد ثقتك بنفسك عند العمل وعند التحدث عن موضوع متعلق به.
2. مواجهة الفشل والتعلم منه
تحتاج الشجاعة في اتخاذ القرار إلى مواجهة الفشل والتعلم من جميع التجارب الفاشلة، وذلك من خلال تبنِّي عقلية النمو التي ترى الفشل فرصة للتطور وليست دليل عدم الكفاءة، وبعد أية تجربة يجب أن تحللها لتحدد العوامل التي أدت إلى الفشل وتتفاداها في المرة القادمة.
كذلك يجب أن تعرض نفسك لمواقف بسيطة مهددة بالفشل لتتعامل مع الفشل البسيط بنجاح، ثم تزيد الجرعة تدريجياً كأن تطلب خصماً بسيطاً في متجر، ثم تطلب خصماً أكبر وهكذا لتتبنى الشجاعة مع كل "لا" تسمعها، وركِّز على الجهد المبذول وليس على النتيجة فحسب، فعندما تقدر جهودك يصبح الفشل أقل إحباطاً.
في الختام
لا تعد الشجاعة في اتخاذ القرار صفة موروثة؛ بل هي إحدى المهارات التي يحتاجها الإنسان ليحقق النجاح الشخصي والمهني؛ لذلك تحدثنا في مقالنا عن أهمية الشجاعة في الحياة اليومية وفي القيادة وريادة الأعمال وقدمنا خطوات ونصائح لتطوير الشجاعة الشخصية.
أضف تعليقاً