ومع كلِّ كلمة انبثقت من شفتيه، رُسمت لوحات الوطنية والإنسانية بألوان العطاء والتضحية، وأثمر نضجه الفكري والأدبي عن أجمل قصائد الأطفال، من أناشيده التي تهمس بالحكمة إلى قصائده الخالدة التي تحمل بين طيَّاتها قِيَم المحبَّة للوطن والأهل، والتضحية في سبيل الحرية، ما زالت أصداؤه تتردَّد في كل مكان، فيحفظها ويتلهَّف لسماعها الصغار والكبار، فمن هو سليمان العيسى الذي استطاع نيل مكانة خاصة في قلب كل إنسان وطفل عربي؟
لمحة عن سليمان العيسى
سليمان العيسى هو شاعر سوري يُعرف بلقب (شاعر الطفولة)، ونشأت أجيال كثيرة تغنِّي أشعاره البسيطة الموجَّهة للأطفال لا سيَّما في وطنه سورية الذي قدَّم كثيراً من قصائده ضمن المناهج الدراسية المدرسية، فحفِظَ الأطفال قصائده في كلِّ مكان، ويُعدُّ من أبرز الشعراء المعاصرين الذين أسهموا في الحركة الأدبية والثقافية في سوريا خلال القرن العشرين، وتأثرت قصائده بالواقع الاجتماعي والسياسي للمنطقة، وكانت تنعكس فيها قضايا الوطن والعمال والشهداء والأم وبطولات الأجداد إضافة إلى القِيَم والعواطف الهادفة إلى توعية الجيل الجديد وتنمية قدراته العقلية والفكرية، فدائماً ما وجد سليمان العيسى أنَّ الأمل يبدأ من إنشاء الأطفال، وهم خلاص الأمة العربية وسبيلها لتحقيق مجتمع أفضل.
حياة سليمان العيسى
سليمان العيسى شاعر الطفولة وعَلَمٌ من أعلام الأدب في الوطن العربي، وُلِدَ عام 1921 في قرية النعيرية، حارة بساتين العاصي الواقعة غربي مدينة أنطاكية التاريخية عن بُعد عشرين كيلو متراً في لواء اسكندرون الذي ما يزال تابعاً للجمهورية العربية السورية آنذاك، وتلقَّى ثقافته الأولى على يد أبيه الشيخ أحمد العيسى في القرية وتحت شجرة التوت التي تظلِّل ساحة الدار، فلم يكن هناك مدرسة في القرية، وكان يوجد فقط (الكتَّاب) الذي كان في الواقع منزل الشاعر، والذي كان والده الشيخ (أحمد العيسى) معلِّماً فيه.
حَفِظَ سليمان العيسى القرآن والمعلَّقات وديوان المتنبي، وآلاف الأبيات من الشعر العربي في عمر مبكِّر جداً، وبدأ كتابة الشعر في سنِّ العاشرة، فقد كتب أوَّل ديوان من شعره في القرية، وتحدَّث فيه عن هموم الفلاحين وبؤسهم وحياتهم الصعبة، ثمَّ انتقل إلى انطاكية ليلتحق بالمدرسة الابتدائية فيها، ووضعه مدير المدرسة في الصف الرابع مباشرة.
بدأت في العامين التاليين الأوضاع السياسية في لواء اسكندرون بالتدهور، وبدأت ثورة اللواء العربية في مواجهة الانتداب الفرنسي، وشارَكَ سليمان في المظاهرات والنضال مع عرب اللواء، واضطرَّ في النهاية مع عائلته إلى مغادرة لواء اسكندرون، وتابَعَ دراسة الثانوية في مدارس حماة واللاذقية ودمشق.
بعد انتهائه من المرحلة الثانوية تابع في عام 1944 تعليمه في دار المعلمين في بغداد التي فتحت أبوابها لاستقبال الطلاب اللوائيين، وحصل في عام 1947 على إجازة في الأدب والتربية ممهِّداً الطريق لمسيرته الأدبية والتعليمية المميَّزة.
أسباب اهتمام سليمان العيسى بالأطفال
وضَّحَ سليمان العيسى أسباب اهتمامه الخاص بشِعرِ الأطفال في مقدِّمة مجموعته الشعرية (غنُّوا يا أطفال) فقال: "لأنَّهم فرح الحياة ومجدها الحقيقي، لأنَّهم المستقبل، لأنَّهم الشباب الذي سيملأ الساحة غداً أو بعد غد، لأنَّهم امتدادي وامتدادك في هذه الأرض، لأنَّهم النبات الذي تبحث عنه أرضنا العربية لتعود إليها دورتها الدموية التي تعطَّلت ألف عام، وعروبتها التي جفَّت ألف عام.. إنَّني أكتب للصغار لياليهم، ربَّما كانت أية لعبة أو كرة أجْدى وأنفع في هذا المجال، إنَّني أنقل إليهم تجربتي القومية... تجربتي الإنسانية.. تجربتي النفسية... أنقل إليهم همومي وأحلامي".
الحياة المهنية لسليمان العيسى
عاد سليمان العيسى بعد أن تخرَّجَ من دار المعلمين في بغداد عام 1947 إلى محافظة حلب في سوريا، وعَمِل مدرِّساً للأدب العربي واللغة، وقضى نحو عشرين عاماً في التدريس، وواصلَ خلال تلك السنوات نشاطه العلمي والقومي، انتقل سليمان بعد ذلك إلى محافظة دمشق، وعَمِل موجِّهاً أوَّلاً للغة العربية في وزارة التربية السورية، وقدَّم خدمات كثيرة.
في إثر نكبة حزيران 1967 اتَّجه سليمان العيسى نحو كتابة شعر الأطفال الذي وجد بهم الأمل لإنقاذ الأمة العربية من المخططات التي أعدَّها الاستعمار لها، ولُقِّب بعد ذلك (شاعر الطفولة والعروبة)، وفي عام 1972 بدأ السفر إلى اليمن لحضور مؤتمر تربوي، ومن ثمَّ توالت زياراته حتى قرَّر الإقامة في اليمن، وبقى فيها مدة 15 عاماً.
يمكن تلخيص أعمال سليمان العيسى بما يأتي:
- مشارِكٌ في تأسيس حزب البعث العربي الإشتراكي.
- مدرِّس للأدب العربي واللغة في حلب عام 1947.
- موجِّهٌ أوَّل للغة العربية في وزارة التربية السورية.
- أحد مؤسسي اتحاد الكتَّاب العرب.
- رئيس تحرير مجلة المعلم العربي.
- عضو في مجمع اللغة العربية في دمشق 1990.
- مترجم لعددٍ من الأعمال الأدبية باللغات الفرنسية والإنكليزية، بالتعاون مع زوجته ملكة الأبيض.
الحياة الشخصية لسليمان العيسى
تزوَّج سليمان العيسى من الدكتورة (ملكة الأبيض)، أستاذة جامعية في تاريخ التربية، واستمرَّ زواجهما حتى وفاته في عام 2013 وأنجب منها ثلاثة أطفال، هم معن وغيلان وبادية، وقال (معن العيسى) عن أبيه في ذكرى رحيله الأولى "النادر في شخصية سليمان العيسى هو ذلك المزج العجيب بين البساطة التي تصل إلى حدِّ البراءة المطلقة، وبين العمق الذي يجعله كنزاً معرفياً إنسانياً وفلسفياً ولغوياً يسير على قدمين"، بينما تجلَّى إخلاص زوجته ملكة الأبيض حتى بعد وفاته، وعمدت إلى جمع ما تفرَّق من شعره وكلماته، وأعادت نشرها بعد أن وضعت خطة لنشر ما لم ينشره سليمان.
شاهد بالفيديو: أشهر الكتاب والأدباء العرب ومؤلفاتهم
السجن في حياة سليمان العيسى
دخل سليمان العيسى السجن عدة مرات من قِبَل الانتداب الفرنسي؛ بسبب مواقفه السياسية ووقوفه إلى جانب الحركات التحريرية في الجزائر، المغرب، تونس، فلسطين، سوريا وكافة البلدان العربية التي كانت تطالب بخلاصها من الاستعمار، وكان يناضل كما هو معروف في البعث العربي الذي شارك في تأسيسه منذ البداية منذ أن كان طالباً في ثانوية (جودة الهاشمي) في محافظة دمشق، والتي كانت تسمَّى ثانوية (التجهيز الأولى).
خرج سليمان في إحدى مرات سجنه بديوان شعر صغير بعنوان (شاعر في النظارة أو شاعر بين الجدران)، وكتب قصائد متعددة جسَّد فيها معاناة الشعب الفلسطيني ومقاومته وانتفاضته في مواجهة الأطماع الصهيونية والعنصرية التي فتكت بأرواح الأبرياء ودنَّست المقدسات العربية والإسلامية.
الجوائز التي فاز بها سليمان العيسى
- جائزة اللوتس 1982.
- شهادة الدكتواره الفخرية من جامعة صنعاء 1997.
- جائزة الإبداع الشعري من مؤسسة البابطين في عام 2000.
- وسام الاستحقاق السوري من الدرجة الممتازة 2005.
- وسام الوحدة، قدَّمه له الرئيس اليمني علي عبد الله صالح 2005.
وفاة سليمان العيسى
في يوم الجمعة، الموافق 9 آب 2013م، ودَّعَنَا الشاعر السوري العظيم سليمان العيسى، فوافته المنية في هذا اليوم ليترك وراءه إرثاً أدبياً لا يُنسى وذكريات جميلة تُلهم الأجيال العربية، ودُفِنَ في دمشق.
أعمال سليمان العيسى ومؤلفاته
الشعر
|
مع الفجر 1952م. |
بيت وفكرة 2002 |
أوراق المشتى 2006 |
أنا والأصدقاء 2010 |
|
حب وبطولة 1980 |
الكتابة بقاء 2002 |
قصائد حب 2006 |
ديوان العراق 2010 |
|
موجز ديوان المتنبي 1980 |
اليمن في شعري 2003 |
ديوان لبنان 2006 |
النعيرية قريتي 2011 |
|
باقة نثر 1983 |
أوراق حياتي 2003 |
همسات ريشة متعبة 2006 |
دفتر النثر 2012 |
|
رائحة الأرض 1987 |
دمشق حكاية الأزل 2004 |
أنا والعروبة 2007 |
قطرات 2012 |
|
نشيد الحجارة 1988 |
الديوان الضاحك 2004 |
أنا ومصر العربية 2007 |
|
|
ديوان اليمن 1989 |
قصائد قصيرة لي ولها 2004 |
دمك الطريق (عمر المختار) |
|
|
ديوان الجزائر 1995 |
ديوان عدن 2004 |
أنا ودمشق 2008 |
|
|
على طريق العمر 1996 |
من رحلة الظمأ 2004 |
أنا وجزيرتنا العربية 2008 |
|
|
ديوان فلسطين 1996 |
الثمالات 2006 |
رحلة كفاح 2008 |
|
|
المرأة في شعري 1998 |
الثمالات 2004 |
أنا والقدس 2009 |
|
|
ديوان صنعاء 1999 |
أنا وحلب 2006 |
كي أبقى مع الكلمة 2009 |
|
|
الثمالات 2001 |
أنا وساحلنا العربي السوري 2006 |
مدن وأسفار 2009 |
|
شعر الأطفال
|
قصائد للأطفال 1981 |
أحكي لكم طفولتي يا صغار 1993 |
كلمات خضر للأطفال 2005 |
|
الفراشة 1984 تُرجمت للغة الإنجليزية |
لكلِّ حكاية لعبة (قصص قصيرة) 1994 |
فرح الأطفال 2006 |
|
الشجرة 1984 ترجمت للغة الروسية |
شجرة ندى 1994 |
حدائق الكلمات 2009 |
|
ما زالوا الواحة 1985 |
ديوان الأطفال 1999 |
أراجيح 2009 |
|
أغاني النهار 1986 |
أغاني الحكايات 2001 |
|
|
أغاني المساء 1986 |
وائل يبحث عن وطنه الكبير 2003 |
|
المسرحيات
|
الشيخ والقمر 1987 |
مسرحيات غنائية للأطفال 1980 |
الفارس الضائع 1969 |
|
الأطفال يزورون المعري |
الشجرة |
الفراشة والوردة 2013 |
|
شجرة أحمد 2013 |
قنبلة وجسد 2013 |
الأطفال يحملون الراية 2013 |
|
الصرصور والنملة 2013 |
|
|
في الختام
الشاعر السوري سليمان العيسى، الملقب بـ "شاعر الطفولة" هو بمنزلة رمز للعطاء والإبداع في عالم الأدب، واستطاع من خلال قصائده النقية والمفعمة بالعواطف، رسم عالَمٍ من البراءة والجمال، تذكِّرنا قصائده بأيام الطفولة الخالية من الهموم والتعقيدات، وعلى الرغم من رحيله في عام 2013، إلَّا إنَّ إرثه الأدبي ما زال حاضراً ليعبِّر عن تجربة إنسانية عميقة، ويُلهم الأجيال الجديدة ويترك إرثاً عظيماً لمحبِّي الشعر والأدب.
أضف تعليقاً