Annajah Logo Annajah Logo
الدخول التسجيل

تصفح مجالات النجاح

  • مهارات النجاح

  • المال والأعمال

  • الصحة النفسية

  • الإسلام

  • اسلوب حياة

  • التغذية

  • التطور المهني

  • طب وصحة

  • تكنولوجيا

  • الأسرة والمجتمع

  • أسرار المال

  1. مهارات النجاح
  2. >
  3. التعليم والتدريب
  4. >
  5. التعليم

لو كان التعلّم رحلةً… لماذا نتعامل معه كسباق؟

لو كان التعلّم رحلةً… لماذا نتعامل معه كسباق؟
المدرسة التعليم المعلم الناجح
المؤلف
Author Photo د. غنوة عيتاني
آخر تحديث: 25/02/2026
clock icon 14 دقيقة التعليم
clock icon حفظ المقال

رابط المقال

نسخ إلى الحافظة

في ممرّات مدارسنا، يسود ضجيجٌ خفيّ لا تهدأ حدّته: سباق محموم لإنهاء المنهج قبل فوات الأوان، ولهاث خلف العلامة الكاملة، وقلق جماعيّ من فكرة "التأخّر عن الرّكب". وفي الصفوف، يُقاس الزمن بعدد الحصص، وتُختصر السنوات بسلسلة امتحانات، ويُدفع الطلاب - عن قصد أو دون قصد - إلى التعامل مع التعلّم كأنّه مسألة سرعة، لا مسألة معنى (OECD, 2017).

المؤلف
Author Photo د. غنوة عيتاني
آخر تحديث: 25/02/2026
clock icon 14 دقيقة التعليم
clock icon حفظ المقال

رابط المقال

نسخ إلى الحافظة

فهرس +

وسط هذا الإيقاع المتسارع، يكاد يضيع السؤال الجوهريّ: "متى تحوّل التعلّم من فعل نموّ إنسانيّ هادئ إلى حلبة سباق تقوم على المقارنة والترتيب؟".

سؤال يبدو بسيطاً، لكنّه يلامس جوهر التجربة التعليميّة التي يعيشها الطلاب يوميّاً في الصفوف، ويكشف عن تحوّل عميق في وظيفة المدرسة ومعناها (Biesta, 2013). وفي الرحلة، يختلف الإيقاع بين الأفراد، وتتنوّع المسارات، ويُقاس التقدّم بما يُبنى من معنى وفهم.

أمّا في السباق، تُمنح القيمة للأسرع، ويسبق الترتيبُ العمق، ويتحوّل التأخّر إلى وصمة. من هنا، ينطلق هذا المقال لتوضيح هذا التحوّل، والكشف عمّا نخسره حين نعامل التعلّم كسباق لا كرحلة.

الرحلة والسّباق: اختلاف في الزّمن قبل أن يكون اختلافاً في النّتائج

عندما نصف التعلّم بأنّه رحلة، فنحن لا نستخدم استعارةً شاعريّةً، بل نعبّر عن تصوّر تربويّ يعترف بأنّ الفهم يحتاج وقتاً، وأنّ النضج لا يحدث وفق جدول موحّد (Biesta, 2021). وفي الرحلة، تختلف السرعات كما تختلف المسارات؛ فكلّ متعلّم ينطلق من نقطة مختلفة، ويحمل خبراته وأسئلته، ويتقدّم عندما ينضج الفهم داخله، لا عندما يرنّ الجرس.

في هذا التصوّر، يُبنى التعلّم تدريجيّاً: فكرة تتشكّل، تُختبر، تُعاد صياغتها، ثم تُدمج في معنى أوسع. فأحياناً ما يتقدّم المتعلّم خطوةً، وأحياناً ما يعود خطوةً إلى الوراء؛ لكن هذا لا يكون فشلاً، بل جزءٌ من مسار طبيعيّ (Dweck, 2006). ولا يُقاس النجاح هنا بموقع الطالب بين أقرانه، بل بمقدار التقدّم الذي أحرزه مقارنةً بذاته، وبقدرته على استخدام ما تعلّمه في مواقف جديدة وغير متوقّعة.

أمّا في منطق السباق، فيُدار الزمن بطريقة مختلفة تماماً؛ فالوقت خطّي، وصارم، ولا ينتظر أحداً. وعليه، فالجميع مطالبون بالوصول في اللحظة نفسها، وبالإيقاع نفسه، وبالأدوات نفسها. كما ويُختزل التعلّم في إنجاز سريع، وتتحول المعرفة إلى مادة تُخزَّن مؤقّتاً وتُسترجع تحت ضغط الامتحان (Nichols & Berliner, 2007). بالتالي، تصبح السرعة، والعلامة، والترتيب مؤشّرات الكفاءة الوحيدة، بينما يُهمَّش كلّ ما لا يمكن قياسه فوراً أو اختزاله في رقم.

وحين يُقاس التعلّم بما يمكن استرجاعه سريعاً في اختبار، نفقد ما لا يظهر في النتائج الرقميّة، ألا وهو: العمق الحقيقي للفهم، والدافعيّة الداخليّة التي تشعل الفضول، والرفاه النفسيّ الذي يجعل التعلّم مستداماً، لا عابراً (OECD, 2017).

شاهد بالفيديو: 8 صفات يتميّز بها المُعلم الناجح

المقارنة الأساسيّة على 6 محاور

لا يتوقّف الفرق بين الرحلة والسباق عند حدود الوصف، بل يمتدّ ليشكّل ستّة محاور جوهريّة ترسم ملامح الشخصيّة وقدرتها على مواجهة الحياة اليوميّة، ونذكرها تالياً:

1. الغاية: هل نتعلّم لنفهم أم لنتفوّق؟

في نموذج الرحلة، تتمحور الغاية حول الفهم والتمكّن بوصفهما أساس التعلّم الحقيقيّ. المعرفة هنا ليست هدفاً بحدّ ذاتها، بل وسيلة لبناء القدرة على التفكير، واتّخاذ القرار، وربط الأفكار بالواقع (Bransford, Brown, & Cocking, 2000). فالطالب يتعلّم ليصبح أقدر على الفعل، لا ليجمع نقاطاً على سلّم ترتيب. لذا، يُفهم النجاح بوصفه نموّاً تراكميّاً، لا قفزةً لحظيّةً.

أمّا في نموذج السباق، فتتبدّل الغاية ضمنيّاً، حتّى من دون إعلان ذلك صراحةً. فيصبح الهدف التفوّق وإثبات الذات بالعلامة والترتيب، وتُختزل المعرفة إلى أداة مقارنة، ويتقدّم الإنجاز الشكليّ على التمكّن الحقيقي، فيُكافأ الطالب الأسرع في الحفظ والاسترجاع. وهكذا، تتحوّل المدرسة من مساحة لبناء القدرة الإنسانيّة إلى آليّة فرز مبكر، تُكافئ من يتقن قواعد اللعبة، لا من يطوّر فهماً أعمق أو تفكيراً مستقلاً (Bourdieu, 1990).

لا تكمن المشكلة هنا في الطموح، بل في تعريف النجاح نفسه؛ فعندما يُربط النجاح بالسبق لا بالنموّ، يصبح التعلّم وسيلة ضغط بدل أن يكون مساحة تحرّر (Kohn, 1999).

2. الدافعيّة: من الفضول إلى الامتثال

لا يتمثّل أخطر ما يسبّبه منطق السباق في إرهاق الطالب فحسب، بل في ما يُحدثه من إحلال سيكولوجيّ خطير وإعادة تشكيل علاقته بالتعلّم من جذورها.

ففي نموذج الرحلة، تنبع الدافعيّة من الداخل: من الفضول، من الرغبة في الفهم، من متعة الاكتشاف (Ryan & Deci, 2020). ويتعلّم الطالب هنا لأنّه يريد أن يعرف؛ كون المعرفة تضيف إليه، وتوسّع أفقه، وتمنحه شعوراً بالكفاءة.

في المقابل، يستبدل السباق هذه الدافعيّة بمنظومة حوافز خارجيّة: علامة، أو ترتيب، أو شهادة، أو حتّى تجنّب العقاب. وتُبيّن "نظريّة تقرير المصير" (Self-Determination Theory) أنّه مع الوقت، الاعتماد المفرط على هذه الحوافز يحوّل التعلّم إلى امتثال بارد. فيتراجع سؤال "ماذا أفهم؟" لصالح "ماذا أحفظ لأجتاز الاختبار؟". والنتيجة هي انطفاء الفضول، وضغطٌ دائم، ومقارنةٌ مستمرّة، ويصبح الهدف إرضاء النظام، لا بناء الذات (Deci, Koestner, & Ryan, 1999).

لا يُنتج هذا التحوّل طلاباً مرهَقين فحسب، بل متعلّمين ينتظرون التعليمات بدل أن يقودوا المبادرة، ويعتادوا على العمل تحت الضغط دون أن يشعروا بمعنى ما يفعلون أو قيمته.

3. الخطأ: محطّة تعلّم أم وصمة اجتماعيّة؟

في نموذج الرحلة، يُعطى الخطأ أهمّيّةً بوصفه جزءاً طبيعيّاً من عمليّة الفهم. وعليه، لا يمثّل الخطأ هنا فشلاً، بل إنّه معلومة إضافيّة، ودليل على أنّ المتعلّم يحاول ويفكّر ويغامر (Hattie, 2009). كما ويُسمح له أن يجرّب ويتعثّر ليتعلّم من محاولاته، من دون أن تُختزل قيمته في نتيجة واحدة.

على سبيل المثال، طالبٌ يختبر استراتيجيّة جديدة لحلّ مسألة رياضيّة قد لا ينجح من المحاولة الأولى، لكن هذا التعثّر يفتح له باباً لتحليل تفكيره، فتغدو المعرفة المتكوّنة أعمق وأكثر رسوخاً. في هذا السياق، يصبح الخطأ ضريبة الابتكار، لا دليلاً على الفشل.

أمّا في منطق السباق، فيتحوّل الخطأ إلى تهديد مباشر للمكانة داخل الصف. ويدفع الخوف من خسارة العلامة أو الترتيب الطالب إلى تجنّب المخاطرة، والتمسّك بالإجابات "الآمنة"، وتكرار ما قيل بدل التفكير فيه (Dweck, 2006). فعندما يُربط الأمان بانعدام الخطأ، ينسحب الطالب من فضاء الابتكار إلى ملاذ الامتثال، فتُستبدل شجاعة السؤال بخوف الفشل، وتتحوّل المدرسة من مغامرة استكشافيّة إلى تمرين دائم في الحذر، يخنق التفكير النقديّ ويجهض الإبداع في مهده.

4. أهداف العقل: الإتقان أم الحفاظ على الصّورة؟

تضعنا المدرسة أمام مفترقٍ مفاهيميّ يحدّد علاقة الطالب بقدراته الذهنيّة: هل يتجه نحو الإتقان كقيمة داخليّة، أم يرتهن للأداء كواجهة اجتماعيّة؟

في نموذج الرحلة، تسود أهداف الإتقان: يتعلّم الطالب ليُحسّن فهمه، ويقبل التحدّي بوصفه فرصة للنموّ (Elliot & Dweck, 1988). ولا تُعدّ الصعوبة هنا تهديداً، بل إشارة إلى أنّ التعلّم الحقيقيّ بدأ. فالطالب المنهمك في تطوير مشروع علميّ، مثلاً، لا يسعى إلى علامة كاملة بقدر ما يسعى إلى فهم الظاهرة وتحسين عمله، ما يبني مرونةً نفسيّةً وثقةً مستدامةً تتجاوز الصفّ.

في المقابل، يكرّس نموذج السباق أهداف الأداء والمظهر، فيتحوّل السؤال من «كيف أفهم؟» إلى «كيف أبدو؟ وما ترتيبي؟». وهنا ينشغل الطالب بالحفاظ على صورته أمام الآخرين، وينسحب عند أول صعوبة تهدّد هذا المظهر (Elliot, 2005). ومع الوقت، تتحوّل القدرة العقليّة من مختبر للنموّ إلى واجهة قلقة، تُدار تحت ضغط المقارنة المستمرّة.

5. التقييم: أداة فهم أم حكم نهائيّ؟

يمثّل التقييم لحظة مفصليّة في التجربة المدرسيّة، فإمّا أن يكون مرآةً تساعد المتعلّم على فهم مساره، أو يتحوّل إلى أداة فرز تنهي رحلة التفكير عند حدود العلامة.

في نموذج الرحلة، يُستخدَم التقييم كفعل تغذية لا مجرّد قياس، فيكون جزءاً من التعلّم، لا نهايته. ويتصدّر هنا التقييم التكويني من اختبارات قصيرة، وملاحظات صفّيّة، وتغذية راجعة مستمرّة، هدفها كشف التقدّم، وتصويب الفهم، وإتاحة فرص إعادة المحاولة.

وكما يؤكّد "بلاك وويليام" (1998) في كتابهما (Inside the Black Box) حول استخدام التقييم الصفّيّ لرفع مستوى التعليم، فإنّ التقييم التكوينيّ يحوّل الصفّ إلى مساحة ديناميكيّة للنموّ؛ إذ يغدو التعلّم مستداماً لأنّ الطالب يشارك في مراقبة تطوّره الذاتيّ، ممّا يعزّز الفهم العميق والقدرة على النقد (Black & Wiliam, 1998).

أمّا في نموذج السباق، فيُحمَّل التقييم عالي المخاطر أكثر ممّا يحتمل. وهنا يتحوّل الامتحان إلى لحظة تقرير مصير، والعلامة إلى غاية بحد ذاتها. وتغذّي هذا المنطق ثقافة "التعلّم لأجل الاختبار"؛ إذ تُحشد المعرفة مؤقّتاً ثمّ تتلاشى، فتُختزل السنة الدراسيّة في ورقة واحدة، ويُختزل الطالب في رقم (OECD, 2017). وقد يدعم هذا المنطق نتائج قصيرة الأمد، لكنّه يضعف الفهم العميق، ويغذّي القلق، ويجعل التعلّم حدثاً مؤقّتاً بدل أن يكون عمليّةً مستمرّةً (Wiliam, 2011).

6. العدالة والإقصاء الصامت

يظهر هنا البعد الأخلاقيّ الأعمق للأنظمة التعليميّة. ففي حين تدّعي المدارس الحياد، يكشف نموذج السباق عن آليات إقصاء بنيويّة تعمل بصمت تحت شعارات التميّز.

في نموذج الرحلة، ينطلق التعليم من الاعتراف بتنوّع الإيقاعات البشريّة كحقيقة إنسانيّة، ويُنظر إلى الفروق الفرديّة على أنّها ثراءً لا عائقاً. وهنا، يُوظَّف التعليم المتمايز لضمان مسارات متعدّدة نحو الفهم، بما يحفظ الوكالة الفرديّة ويمنح النموّ فرصة عادلة.

وكما توَضّح الباحثة "كارول آن توملينسون" (2014)، فإنّ احترام إيقاع المتعلّم هو جوهر الإنصاف. وعندما نمنح الطالب خياراتٍ متعدّدة للتعبير عن فهمه، فنحن لا نُسهّل عليه المهمّة فحسب، بل نُقدّر "الوكالة الفرديّة" ونسمح له بالنموّ بعيداً عن ضغط القوالب الجاهزة.

في المقابل، يكرّس نموذج السباق ما يمكن تسميته بـ "الإقصاء الصامت". فالسباق لا يُقصي أحداً علناً، لكنّه يُعرّف النجاح بطريقة لا تتّسع للجميع. فمن يملك دعماً أسريّاً، ووقتاً، وموارد إضافيّة، يملك أفضليّةً غير معلنة. ومن لا يملكها، يُصنَّف "ضعيفاً"؛ لا لأنّ قدراته أقلّ، بل لأنّ الإيقاع لم يُصمَّم له. كذلك، يتحوّل تنوّع الإيقاعات الفرديّة إلى مشكلة يجب "تصحيحها" (OECD, 2018).

وهكذا، تتحوّل المدرسة من جسر للحراك الاجتماعيّ إلى آليّة تعيد إنتاج اللامساواة بصمت تحت شعار الاستحقاق؛ إذ يُترجم الاختلاف الطبيعيّ في وتيرة التعلّم إلى وصمة ضعف تلازم الطالب، وتُحطّم ثقته بنفسه، وتدفعه نحو الاغتراب عن المؤسّسة التعليميّة برمتها (Tomlinson, 2014).

التعليم بين الرحلة والسباق

من المستفيد من السّباق؟ ومن يُقصى بصمت؟

السؤال الجوهريّ ليس ما إذا كان منطق السباق "فعّالاً"، بل "لمن هو فعّال؟". فأنظمة السباق تستمرّ لأنّها تخدم احتياجات محدّدة: إنتاج أرقام واضحة، وترتيبات قابلة للمقارنة، ومؤشّرات سهلة الاستخدام في المحاسبة وصنع القرار.

يريح هذا المنطق الإدارة والسياسات التعليميّة؛ لأنّه يقدّم صورةً سريعةً عن "الأداء"، حتّى لو كانت هذه الصورة سطحيّةً ولا تعكس ما إذا كان التعلّم قد حدث فعلاً (Nichols & Berliner, 2007؛ OECD, 2017). كما ويستفيد منه الطلاب الذين يتوافق إيقاعهم مع إيقاع النظام، وغالباً مَن يملكون دعماً أسريّاً وموارد إضافيّةً تمكّنهم من التكيّف مع الامتحانات والضغط الزمنيّ، لا بالضرورة من يفهمون أعمق أو يتعلّمون أفضل (Bourdieu, 1990).

في المقابل، يُقصى بصمت من لا يشبهون هذا الإيقاع: طلاب يتعلّمون ببطء لكن بعمق، أو يحتاجون وقتاً لمعالجة الأفكار، أو يبرعون في الحوار والمشاريع أكثر من الامتحانات الموقّتة.

في منطق السباق، لا يُنظر إلى هذا الاختلاف بوصفه تنوّعاً إنسانيّاً مشروعاً، بل يُعاد تفسيره كقصور فرديّ، ما يضعف ثقة المتعلّم بنفسه ويقوّض شعوره بالانتماء إلى المدرسة (Tomlinson, 2014؛ OECD, 2018). وهكذا، لا يكتفي السباق بإنتاج فوارق تعليميّة، بل يُضفي عليها شرعيّةً أخلاقيّةً من خلال إقناع من تأخّروا بأنّ الخلل فيهم، لا في نظام لم يُصمَّم ليحتمل تعدّد الإيقاعات (Biesta, 2013؛ UNESCO, 2021).

الآثار التربويّة والنفسيّة للسّباق: ماذا نخسر عندما نُسرّع التعلّم؟

عندما يُدار التعلّم بمنطق السرعة، نخسر أولاً العلاقة الصحّيّة مع المعرفة. فالتعلّم المتسارع يدفع المتعلّمين إلى التركيز على الاسترجاع السريع بدل الفهم العميق، وإلى إنهاء المهمّة بدل التأمّل فيها. كما وتُظهر الأبحاث أنّ هذا النمط قد يحسّن الأداء القصير الأمد، لكنه يُضعف الاحتفاظ طويل الأمد بالمعلومة، ويحدّ من القدرة على نقل التعلّم إلى سياقات جديدة، وهو جوهر التعلّم الحقيقيّ (Brown, Roediger, & McDaniel, 2014؛ OECD, 2017). ومع الوقت، تتحوّل المعرفة إلى عبء مؤقّت، لا إلى مورد يبني التفكير ويغذّي الفضول.

إلى جانب ذلك، نُنتج كلفة نفسيّة خفيّة لا تظهر في النتائج، لكنّها تتراكم في تجربة المتعلّم. فالضغط الزمني المستمرّ، والاختبارات عالية المخاطر، والمقارنة الدائمة، ترتبط بارتفاع مستويات القلق والانطفاء الدراسيّ، وتراجع الدافعيّة الداخليّة، خصوصاً لدى الطلاب الذين لا ينسجمون مع إيقاع السباق (OECD, 2017؛ Immordino-Yang, 2016). والأخطر أنّ هذا النمط لا يؤثّر في التعلّم المدرسيّ فقط، بل يُشكّل علاقة الفرد بالخطأ وبذاته وبالتعلّم طوال الحياة، فيُخرّج متعلّمين قادرين على الأداء تحت الضغط، لكن أقلّ استعداداً للتفكير العميق، والمخاطرة الفكريّة، والتعلّم المستقلّ في عالم معقّد ومتغيّر.

ماذا نخسر عندما نُسرّع التعلّم؟

كيف نعيد "الرحلة" داخل المدرسة دون هدم النظام؟

إعادة التعلّم إلى منطق "الرحلة" لا تعني إلغاء المناهج أو الامتحانات، بل تغيير طريقة إدارتها ومعناها داخل التجربة الصفّيّة. وعليه، فالتحوّل المطلوب هو ذهني – تربوي قبل أن يكون إجرائيّاً، ويمكن تحقيقه عن طريق مداخل عمليّة أثبتت فعاليّتها في البحث التربويّ وليس في هدم البنية القائمة، وذلك باتباع ما يلي:

1. من "إنهاء المنهج" إلى "إتقان العتبات الأساسيّة"

أوّل هذه التحوّلات يتمثّل في الانتقال من منطق "إنهاء المنهج" إلى التركيز على إتقان العتبات الأساسيّة التي يقوم عليها الفهم. فبدل التعامل مع المنهج كقائمة محتويات يجب اجتيازها بسرعة، يُعاد النظر إليه كمسار يحدّد مفاهيم محوريّة لا يجوز تجاوزها دون استيعاب.

وتشير أبحاث التعلّم العميق إلى أنّ التركيز على المفاهيم الأساسيّة يمكّن المتعلّمين من نقل المعرفة إلى سياقات جديدة، بينما تؤدّي التغطية السطحيّة السريعة إلى تعلّم هشّ وسريع التلاشي (Bransford, Brown, & Cocking, 2000؛ Hattie, 2009).

على سبيل المثال، في مادّة العلوم، قد يختار المعلّم التعمّق في مفهوم واحد مثل "تحوّل الطاقة"، ويمنح الطلاب وقتاً لتطبيقه في تجارب وأسئلة حياتيّة، حتى لو تطلّب ذلك تقليص عدد الوحدات المغطّاة خلال الفصل.

2. التقييم كأداة تعلّم لا كحكم نهائيّ

التحوّل الثاني يتمثّل في استخدام التقييم كأداة تعلّم لا كحكم نهائيّ. ففي منطق الرحلة، لا يكون التقييم لحظة فاصلة تُنهي التفكير، بل عمليّة مستمرّة تساعد الطالب على فهم موقعه وما يحتاجه للتقدّم. وعليه، فإنّ التقييم التكوينيّ القائم على أسئلة قصيرة، وتغذية راجعة واضحة، وفرص إعادة المحاولة، قد أثبت فعاليّته في تحسين الفهم وتقليل القلق المرتبط بالاختبارات عالية المخاطر، مقارنةً بالتقييم الختاميّ وحده (Black & Wiliam, 1998؛ Wiliam, 2011). وعمليّاً، يمكن للمعلّم أن يستبدل امتحاناً واحداً نهائيّاً بسلسلة مهام قصيرة متتابعة، يُسمح للطالب بتحسينها بناءً على الملاحظات، فيتحوّل التقييم من أداة فرز إلى رافعة للتعلّم.

3. درجات تخدم التعلّم بدل أن تبتلعه

يرتبط بذلك إعادة ضبط دور الدرجات نفسها. فالعلامة في منطق الرحلة لا تُلغى، لكنّها تفقد سلطتها المطلقة بوصفها تعريفاً لقيمة الطالب. فحين تُستخدم الدرجة كإشارة على التقدّم، لا كحكم ثابت، تتحوّل إلى عنصر داعم للتعلّم بدل أن تبتلعه.

تشير الدراسات إلى أنّ التركيز المفرط على الدرجات والمكافآت الخارجيّة يضعف الدافعيّة الداخليّة، بينما يساعد استخدام التقييم الوصفيّ، أو احتساب التقدّم بين البداية والنهاية، على تعزيز التعلّم المستدام (Brookhart, 2017؛ Kohn, 1999). على سبيل المثال، يمكن للمدرسة أن تجمع بين العلامة الرقميّة وتوصيف للأداء، أو أن تخصّص جزءاً من التقييم لمدى تطوّر الطالب خلال الوحدة، لا للنتيجة النهائيّة فقط.

4. بيئة تعزّز الاستقلاليّة والانتماء والشعور بالكفاءة

أمّا التحوّل الأخير، فيتعلّق ببناء بيئة صفّيّة تدعم الدافعيّة العميقة. فالتعلّم لا يزدهر في مناخ ضغط دائم، بل في بيئة يشعر فيها الطالب بالاستقلاليّة، والانتماء، والكفاءة. بالتالي، عندما يُتاح للطلاب هامش اختيار – في موضوع المشروع، أو طريقة تقديمه – وعندما يُشجَّعون على العمل التعاونيّ بدل المقارنة المستمرّة، تنشط دافعيّتهم الداخليّة ويصبحون أكثر استعداداً للتعلّم العميق (Ryan & Deci, 2020).

مثال بسيط على ذلك هو السماح للطلاب باختيار شكل عرض تعلّمهم، سواء بكتابة، أو عرض شفهيّ، أو مشروع تطبيقيّ، ما يعزّز شعورهم بالملكيّة والانخراط.

بهذه التحوّلات، لا تصبح المدرسة أبطأ، بل أذكى في استخدام الزمن؛ فهي لا تقيس النجاح فقط بمن وصل أولاً، بل بمن فهم، ونما، واكتسب قدرةً حقيقيّةً على التعلّم والاستمرار في عالم معقّد ومتغيّر.

شاهد بالفيديو: طرق تساعد طفلك على الدراسة بشكل أفضل

في الختام

في نهاية المطاف، لا تقتصر المقارنة بين "الرحلة" و"السباق" على أسلوبين تربويّين، بل تحدّد نوعيّة الأجيال التي نبنيها. ومما سبق، يظلّ نظام السباق متمحوراً حول سؤال: "مَن سبق مَن؟"؛ إذ يقيس السرعة على حساب الفهم. أما نموذج الرحلة، فيسأل: "من نما؟ وكيف؟ وإلى أين تتجه بوصلة تفكيره؟"؛ إذ يُقاس فيه النجاح بتجاوز الطالب لإمكاناته، وتحويل المعرفة إلى فعل إنسانيّ.

نحن لا نحتاج مدرسةً أسرع، بل أعدل وأعمق؛ مدرسة تعترف بإيقاع الطفل كبصمة تستحقّ التقدير، وتمنحه الحقّ في التعثّر ليتعلّم، وفي التساؤل لينمو، وفي صفٍّ آمن لا يبتلعه الصمت أو أرقام الامتحانات. لذا، دعونا نصنع فضاءات رحبةً حيث لا يكون الهدف "الوصول أوّلاً"، بل أن يصل الجميع ممتلكين المعنى، والفضول، والقدرة على الاستمرار.

إقرأ أيضاً: كيف تكون معلماً ناجحاً؟

الأسئلة الشائعة

1. هل التركيز على السرعة والإنجاز السريع يحسّن فعليّاً نواتج التعلّم؟

لا؛ تشير الأبحاث إلى أنّ التركيز المفرط على السرعة والاختبارات عالية المخاطر قد يرفع الأداء القصير الأمد، لكنّه يضعف الفهم العميق، والاحتفاظ طويل الأمد، ونقل التعلّم إلى سياقات جديدة، وهي جوهر التعلّم الحقيقي (OECD, 2017؛ Brown, Roediger, & McDaniel, 2014). فالمتعلّمون في بيئات "السباق" يميلون إلى استراتيجيّات الحفظ السريع بدل بناء المعنى، ما يجعل تعلّمهم هشّاً وسهل التلاشي.

الخلاصة: قد تُنتج السرعة نتائج رقميّةً، لكنّها لا تُنتج تعلّماً متيناً.

2. أليست المنافسة ضروريّة لتحفيز الطلاّب؟

تعتمد فعاليّة المنافسة على طبيعتها وحدودها. تشير أبحاث الدافعيّة إلى أنّ المنافسة القائمة على المقارنة والترتيب تُضعف الدافعيّة الداخليّة لدى شريحة واسعة من الطلاب، وتدفعهم إلى التعلّم لأجل المظهر لا الفهم (Ryan & Deci, 2020). في المقابل، تُظهر دراسات "أهداف الإتقان" أن البيئات التي تشجّع التحدّي الذاتيّ والتقدّم الشخصيّ تعزّز المثابرة والتعلّم المستدام أكثر من المنافسة القائمة على الفوز والخسارة (Elliot & Dweck, 1988).

الخلاصة: لا يحتاج التحفيز الحقيقيّ سباقاً، بل معنى وأماناً نفسيّاً.

إقرأ أيضاً: الفرق بين العلم والمعرفة: المبادئ الأساسية التي يجب أن تعرفها

3. إذا خفّفنا من منطق السباق، هل سينخفض المستوى الأكاديميّ؟

لا تدعم الأبحاث هذا التخوّف؛ إذ لا يعني التحوّل من السباق إلى الرحلة خفض المعايير، بل إعادة تعريفها. وعليه، عندما يُركّز التعليم على إتقان المفاهيم الأساسيّة، واستخدام التقييم التكوينيّ، يتحسّن الفهم العميق دون التضحية بالجودة الأكاديميّة (Bransford et al., 2000؛ Hattie, 2009). وتُقاس الجودة هنا بما يستطيع الطالب فعله بما تعلّمه، لا بسرعة اجتيازه للمحتوى.

الخلاصة: الرحلة لا تُخفّض المستوى، بل تعزّزه بالفهم العميق، لا السرعة.

4. ما الفرق بين "طالب بطيء" و"طالب يتعلّم بإيقاع مختلف"؟

لا يُعد مصطلح "البطء" توصيفاً علميّاً دقيقاً، بل حكماً ناتجاً عن نظام موحّد الإيقاع. وتؤكّد الأبحاث في علم النموّ والتعلّم أنّ الطلاب يختلفون في وتيرة اكتساب المهارات، وأنماط المعالجة، والظروف النفسيّة والاجتماعيّة. فعندما يُفرض إيقاع واحد، يتحوّل الاختلاف الطبيعي إلى "قصور مُتخيَّل".

الخلاصة: لا تكمن المشكلة في المتعلّم، بل في النظام الذي لا يعترف بتنوّع المسارات.

إقرأ أيضاً: مقارنة التعليم الإلكتروني والتعليم التقليدي: أيهما أكثر فعاليةً في تحقيق التعلم الحقيقي؟

5. هل يمكن الجمع بين المتطلّبات النظاميّة (منهج، وامتحانات، وعلامات) ومنطق "التعلّم كرحلة"؟

نعم؛ تشير الأدلة إلى أنّ المشكلة ليست في وجود الامتحانات، بل في مركزيّتها ووظيفتها. عندما تُستخدم الدرجات بوصفها تغذية راجعة لا حكماً نهائيّاً، ويُدمج التقييم التكوينيّ مع التقييم الختاميّ، يتحسّن التعلّم وتقلّ حدّة القلق دون المساس بالمساءلة (Black & Wiliam, 1998؛ Wiliam, 2011). بهذا المعنى، يمكن للنظام أن يحافظ على أدواته، لكن يغيّر الرسالة التي يبعثها للمتعلّمين.

الخلاصة: استخدام التقييم كأداة تعلّم، لا كحكم نهائيّ، يحسّن الفهم ويخفّف القلق دون المساس بالمساءلة.

المصادر +

  • Biesta, G. (2013). The beautiful risk of education ‏(المخاطرة الجميلة في التربية). Routledge.
  • Biesta, G. (2021). World-centred education: A view for the present ‏(التربية المتمحورة حول العالم: رؤية للحاضر). Routledge.
  • Black, P., & Wiliam, D. (1998). Inside the black box: Raising standards through classroom assessment ‏(داخل الصندوق الأسود: رفع
  • Bransford, J. D., Brown, A. L., & Cocking, R. R. (محررون). (2000). How people learn: Brain, mind, experience, and school ‏(كيف ي
  • Brookhart, S. M. (2017). How to use grading to improve learning ‏(كيف نستخدم العلامات لتحسين التعلّم). ASCD.

تنويه: يمنع نقل هذا المقال كما هو أو استخدامه في أي مكان آخر تحت طائلة المساءلة القانونية، ويمكن استخدام فقرات أو أجزاء منه بعد الحصول على موافقة رسمية من إدارة موقع النجاح نت

أضف تعليقاً

Loading...

    اشترك بالنشرة الدورية

    اشترك

    مقالات مرتبطة

    Article image

    أفضل استراتيجيات التعلم النشط للمحاضرات الطويلة: لن تشعر بالملل بعد هذا المقال

    Article image

    أهم البرامج التعليمية التفاعلية للمرحلة الابتدائية

    Article image

    الفرق بين العلم التجريبي والعلم النظري: ما الذي يجب أن تعرفه؟

    Loading...

    النجاح نت

    > أحدث المقالات > مهارات النجاح > المال والأعمال > اسلوب حياة > التطور المهني > طب وصحة > الأسرة والمجتمع > فيديو > الاستشارات > الخبراء > الكتَاب > أدوات النجاح نت

    مشاريع النجاح نت

    > منحة غيّر

    خدمات وتواصل

    > أعلن معنا > النجاح بارتنر > اشترك في بذور النجاح > التسجيل في النجاح نت > الدخول إلى حسابي > علاماتنا التجارية > الاتصال بنا

    النجاح نت دليلك الموثوق لتطوير نفسك والنجاح في تحقيق أهدافك.

    نرحب بانضمامك إلى فريق النجاح نت. ننتظر تواصلك معنا.

    للخدمات الإعلانية يمكنكم الكتابة لنا

    facebook icon twitter icon instagram icon youtube icon whatsapp icon telegram icon RSS icon
    حولنا | سياسة الخصوصية | سياسة الاستخدام
    © 2026 Annajah