كشفتْ إحصاءات مؤسسة "غالوب" (Gallup) أنَّ "الصحَّة النفسية لحوالي 19% من العاملين في الولايات المتحدة الأمريكية متوسِّطة أو سيِّئة"، كما يتغيَّبُ هؤلاء الموظَّفون عن الدوام بسبب سوء أحوالهم النفسيَّة أكثر من بقيَّة زملائهم بحوالي 4 أضعاف، وبيَّنتْ نتائجُ هذه الدراسة التحليلية من ناحية أخرى أنَّ العمل يؤثِّر سلباً على الصحَّة النفسية للعاملين على حدِّ زعم الموظَّفين المشاركين.
اعترفَ 75% من أربابِ العملِ بوجود وصمةِ عارٍ مرتبطة بمشكلات الصحَّة النفسية ضمن شركاتِهِم، وذلك بحسب دراسات مؤسسة "مكنزي وشركاؤه" (McKinsey & Company).
تعريف الإسعافات الأولية النفسية:
يعبِّرُ مصطلح الإسعافات الأولية النفسية عن إمكانيَّة تقديم المساعدة لشخصٍ يعاني من مشكلةٍ نفسية، أو يواجهُ أزمة معيَّنة في حياته.
في الولايات المتحدة تمَّ إطلاقُ هيئة تنظيمية تُدعَى "الإسعافات الأولية النفسية" (MHFA) استجابةً لتصاعدِ الاحتياجات النفسية في مكان العمل، وهي تقدِّم برامجَ قصيرة تهدفُ إلى تنميةِ مهارات المساعدة النفسية ضمن مكان العمل.
تقول "جودي جي.فري" (Jodi J. Frey) الحاصلة على شهادة الدكتوراه والمختصَّة في مجال الصحَّة النفسية في مكان العمل: "لطالما شجَّعَتْ الشركات موظَّفيها على تطبيق ممارسات الرعاية الذاتية، وتغييرِ سلوكاتهم، وطلبِ المساعدة عند الحاجة، ولكِنْ ثمَّة خللٌ واضحٌ في نظام الصحَّة النفسية في الولايات المتحدة الأمريكية في الوقت الحالي، فيضطرُّ الموظَّفُ للانتظار لعدَّة أشهرٍ حتى يحصل على موعد مع مستشار الصحة النفسية، ويرفضُ العديد من هؤلاء الاختصاصيين التعامل مع شركات التأمين، وهذا زادَ من صعوبة الاستفادة من نظام الرعاية النفسية، وتشهدُ الشركات تصاعداً غير مسبوقٍ في الأزمات النفسية، ويطالب الموظَّفون بالحصول على الحلول التي يحتاجون إليها".
تتعامل "ماري جيكبسون" (Mary Jacobson) الحائزة على شهادة الدكتوراه في الطب البشري مع كثير من حالات اضطراب الصحَّة النفسية في أثناء معاينة المرضى، وتقولُ في هذا الصدد:
"لا أفهمُ سببَ غيابِ مبادرات التوعية الصِّحيَّة والإسعافات الأولية النفسية، ولكِنْ يمكنُ تأهيلُ فريقٍ متخصِّصٍ في تقديم الرعاية النفسية للموظَّفين للتغلُّب على أزمة نقص عدد مقدِّمي الرعاية الصِّحيَّة، وتؤدي اضطرابات الصحَّة النفسية إلى تخفيض إنتاجية العمل، وزيادة معدَّلات الغياب".
لا شكَّ أنَّ الشركات تحتاجُ إلى إدراك أهمية الصحَّة النفسية للموظفين ليس بدافع الرحمة فقط، بل بغية تحسين فاعلية العمل والإنتاجية، وتقليل معدَّل دوران العمالة.
فوائد دعم الصحَّة النفسية في مكان العمل:
تشرحُ خبيرة الموارد البشرية "تشارلي هارت" (Charlie Hart) فوائد مبادرات الصحة النفسية في مكان العمل، وتقول في هذا الصدد: "تساعد الصحَّة النفسية على زيادة معدَّل استبقاء العمالة، وتعزِّز قدرةَ الموظَّفين على النجاح في عملهم، إذ يصعبُ على الفرد أَنْ يندمجَ في عمله عندما يعجز عن تلبيةِ احتياجاتِه الإنسانية الأساس، وهنا تبرزُ أهميَّة العافية، والأمان الجسدي والنفسي".
لقد تلقَّتْ "هارت" المساعدة من اختصاصية إسعافات أولية نفسية نصحتها بتطبيق تقنيَّات تخفيف التوتُّر عندما كانت تعاني من "اضطراب الكرب التالي للصدمة المعقد" (Complex PTSD)، وتقول في هذا الصدد: "لقد شجَّعتني على استشارة طبيبي بعد أن تدهورَتْ صحَّتي النفسية، وساعدتني على تجاوز هذه المرحلة من حياتي، وهذا ساهمَ في تعزيز عافيتي واستعادة صحَّتي النفسية".
شاهد بالفيديو: 12 نصيحة للحفاظ على الصحة النفسية
تحسين الصِّحَّة النفسية في مكان العمل:
تؤكد "فري" أنَّ إعطاء الأولويَّة للصَّحَّة النفسية يحتاج إلى استثمار كثير من الوقت والجهد والموارد، وفيما يأتي 3 خطوات لتقديم الإسعافات الأولية النفسية في مكان العمل:
1. تحديد الممارسات الجائرة والعنصرية في مكان العمل:
تقتضي الخطوة الأولى إجراء تقييم صريح وشفاف للثقافة السائدة في الشَّركة تجاه موضوع الصحَّة النفسية، فتقول "فري": "يتطلَّبُ تغيير النظام تحديد ممارسات التمييز التي تُعد عنصريَّة أو ظالمة بحق بعض الفئات، أو مختلفة جذرياً عن أساليب العمل المتبعة في الماضي، وتقعُ على عاتق المعنيين مهمَّة اكتشاف الممارسات التي تؤدي إلى تدهور الصحَّة النفسية للموظَّفين وتشكيل بيئة عمل سامَّة مثل التمييز، والتحرُّش، والتنمُّر، والتحكُّم، وانخفاض الأجور، وعدم إمكانية الاستفادة من التأمين عند طلب الدعم النفسي"، وتحتاجُ هذه الإجراءات إلى كثير من الجهد لكنَّها تضمنُ تحقيق الأهداف المرجوة.
2. مشاركة العاملين في مناصب الإدارة العليا في مبادرات الصحَّة النفسية:
تؤكدُ "فري" أنَّ التغييرات يجب أن تبدأ على مستوى القيادة، وتقولُ في هذا الصدد: "تتغيَّرُ ثقافة الشركة بسهولة عندما يتحدَّثُ القائدُ عن الأزمات النفسية التي تعرَّض لها، ويشرحُ للموظَّفين كيف طلبَ مساعدة المختصين، وتعافى، وشهد تحسُّناً ملحوظاً في حياته النفسية والمهنية، ويتمنى أَنْ يحصلَ موظَّفوه على نفس الفرصة، ولا توجد طريقة أفضل من مشاركةِ التجارب الشخصية في إقناع الجمهور باتخاذ قرارٍ معيَّن"، وتقترحُ إنشاءَ مجموعات موارد الموظفين مع برامج دعم الأقران لزيادة فاعلية المبادرات.
3. إدراك الاحتياجات النفسية للموظَّفين:
تؤكِّدُ "جيكبسون" على ضرورة تدريب المديرين والموظَّفين على إدراك الاحتياجات النفسية للآخرين، وتقول: "يجبُ تدريبهم على التعامل مع الشخصِ الذي يحتاجُ إلى المساعدة النفسية ومنحه بيئة آمنة تقيهِ من التعرُّض للرَّفض أو أي مشكلةٍ أخرى تحرمه من فرص الترقي في العمل"، وهي تحذِّرُ بكلامها من النظرة الدونية تجاه المصابين بالاضطرابات النفسية في أوساط العمل.
تؤكِّدُ "فري" أنَّ الحلول تختلفُ من شركة إلى أخرى، ويُذكَر منها برامج دعم الموظفين أو تدريبات الإدارة التي تهدف إلى زيادة الوعي بالموارد.
يمكنُ أنْ تشملَ هذه الموارد الموجودة في الشركة دليل "الوقاية من الانتحار في مكان العمل" (Workplace Suicide Prevention) وهو يحتوي على كمٍّ هائلٍ من المواد التعليمية.
تشرح "فري": "تتشجَّع الشركة على إطلاق مبادرات الصحَّة النفسية عندما تحدد بداية الحل وتدرك إمكانية تطوير نظام الرعاية النفسية مع مرور الوقت، وإنَّها ستحصد الفوائد مع مرور السنوات".
إذا لم تحقِّقْ مبادرات الإسعافات الأولية النفسية نتائج ملحوظة سريعة، عندئذٍ يجب رصد البيانات عن طريق إجراء استطلاعات الرأي، وجلسات التحقق، ومقابلات إنهاء الخدمة لتقييم النتائج على معدَّلات الغياب، واستبقاء العمالة، والاندماج، والشمول.
تقول "فري": "إنَّ المؤسسات المتطورة تتقبل التغيير وتشجِّع على التواصل مع الإدارة، وهي تعدُّ الموظف مورداً أساسياً فيها وليس عقبةً تعوق إنتاجيتها".
أضف تعليقاً