تخيّل بأنّك تُكلّم زبوناً ما عبر الهاتف أثناء تسجيلك ملاحظات حول مكالمتك الهاتفية السابقة، وحالما تغلق سماعة الهاتف، يرسل لك زميلك في العمل رسالةً مُستعجلة تقرأها وأنت تطلب رقم مديرك، ثمّ خلال مكالمتك معه تبدأ بتحديث قائمة مهامك الأسبوعية.

يقوم الكثيرون منّا بتعدد المهام هذا بهدف زيادة الإنتاجية. وعادةً ما يُنظر للأشخاص الذين يقومون بتعدد المهام على أنّهم فعّالين وأكفّاء في عالم مُزدحم بالأعمال أغلب الأحيان، وبعد هذا كلّه، فإنّنا لا نحقق المزيد من الإنتاجية عندما نقوم بأكثر من أمر واحد في الوقت نفسه.

من المؤكّد أنّ تعدد المهام لا يجعلنا فعّالين كما نعتقد. وليس هذا فحسب، بل إنّ أعمالنا ستكون رديئة الجودة على الأرجح عندما نقوم به. حيث يمكن لتعدّد المهام أن يهدر علينا الوقت بدلاً من أن يوفّرهُ لنا. سنعرض في مقالنا هذا القضايا المتعلقة بتعدد المهام، وسنرى لماذا علينا ألّا نمارسه، بالإضافة إلى بعض الاقتراحات التي تساعدك على التخلّص من هذه العادة.

ملاحظة: في هذا المقال سنطلق على عملية تنفيذ أكثر من مهمّة واحدة في الوقت نفسه اسم "تعدد المهام Multitasking".

تعدُّد المهام وخُرافة زيادة الإنتاجية:

قام العديد من الأشخاص خلال العقد المنصرم بدراسة تعدّد المهام، حيث توصّل أغلبهم إلى النتيجة نفسها، وهي "أنّه لا يجعلنا أكثر إنتاجيّة"، فالعديد من الدراسات وجدت أنّ تعدُّد المهام قد ينتج عنهُ فعلياً هدرٌ لما يقارب (20-40 %) من وقتنا، وذلك اعتماداً على ما نحاول القيام به من مهام.

إنّ تعدد المهام لا يخدم مصالحنا لسبب بسيط، وهو أنّنا لا نستطيع التركيز فعلياً على أكثر من مهمّة واحدة في الوقت نفسه، لكنّنا نعتقد بأنّنا نستطيع، لذا فإننا نقوم بتعدد المهام محاولين إنجاز المزيد من الأعمال.

تخيّل أنّك تحاول التحدّث إلى أحدهم وكتابة رسالة بالبريد الالكتروني في الوقت نفسه، إنّ كلا هاتين المهمّتين تتطلبان منك التواصل. فليس باستطاعتك التحدُّث إلى أحدهم وكتابة بريدٍ الكتروني خالٍ من الأخطاء في الوقت نفسه، فالمهمّتان متعارضتان للغاية، وستُرهق عقلك جرّاء محاولتك التنقّل فيما بينهما، لكن جرّب أن تستمع إلى أحدهم محاولاً في الوقت نفسه كتابة رسالة بالريد إلكتروني، هاتان المهمّتان أسهل بعض الشيء إن قمت بهما معاً، لأنّهما تتطلّبان مهارتين مختلفتين، لكنّ انتباهك لهذا الشّخص سوف يتلاشى شيئاً فشيئاً بسبب الكتابة، فأنت ببساطة شديدة لا تستطيع التركيز بشكلٍ كامل على الشيئين معاً.

المشكلة الأكبر في تعدُّد المهام هي أنّ باستطاعته التقليل من جودة أعمالنا، فنحن نحاول القيام بشيئين أو أكثر في وقتٍ واحد، والنتيجة هي أنّنا ننجزهما بجودةٍ أقل ممّا سنفعله عند التركيز على كلّ مهمّةٍ بدورها.

عندما نتنقّل بين المهام، فعلى أدمغتنا أن تعيد توجيه نفسها للتعامل مع المعلومات الجديدة. فإن قُمنا بذلك بسرعة (كما هو الحال في تعدّد المهام) فببساطة شديدة لن نستطيع تكريس جلّ تركيزنا مع كلّ انتقال نقوم به، ممّا يجعل جودة عملنا تُعاني الأمرَّين، وبقدر ما تكون المهام التي نتنقل بينها معقدة ودقيقة، يزداد الانخفاض في الجودة على الأرجح. فعلى سبيل المثال: سيكون من المستحيل تحضير عرض "عالي الجودة" لأحد الزبائن أثناء حديث مشحون مع أحد زملاء العمل.

إنّ لتعدد المهام جانب سلبي رئيسي آخر ألا وهو أثره علينا، فالتعامل مع أشياء متعددة في وقت واحد يجعلنا نشعر بالإرهاق والإنهاك وكأننا مُستنزفو القوى. من ناحية أُخرى، فكّر بمقدار الرضى الذي ستشعر به عندما تكرّس انتباهك على مهمّة واحدة، ففي هذه الحالة سيكون بمقدورك التركيز عليها، وعند انتهائك منها ستشعر وكأنّك لم تنجزها فحسب، بل قمت بها على أكمل وجه أيضاً. هذا ما يُدعى "الاستمرار بشكل ثابت" وهي مهارة يمكن تطويرها بالقليل من التدريب.

كيف تكتشف رغبتك في تعدد المهام؟

قد يكون من الصعب أن تحدّد متى تقع في مشكلة تعدد المهام، لكن هناك بعض العلامات الرئيسة التي باستطاعتك البحث عنها:

  • إن كان لديك العديد من الصفحات والتبويبات المفتوحة على حاسوبك، فأنت عندها قد تقوم بتعدد المهام. الأمر نفسه يشمل مكتبك، فإن كان لديك العديد من الملفات والمجلدات أو الأوراق التي تعمل عليها، فقد تكون بهذا الشكل تقع في تعدّد المهام.
  • يكثر تعدد المهام على الأرجح عندما تعمل على مشروع أو مهمّة لا تثير حماستك، فعلى سبيل المثال: إنشاء جدول تحليلات العمل قد يكون مهمّةً غير مُرحّبٍ بها ممّا يجعلك تتفقد بريدك الالكتروني كثيراً أو تبحث عن مهمّة جديدة لكي تقلّل من عناء المهمّة الحاليّة.
  • تتسبب كثرة المُقاطعات أيضاً في جعلك تقع في تعدّد المهام. فعلى سبيل المثال: قد يدخل زميلٌك في العمل "ولديه سؤالٍ يطرحه عليك" أثناء قيامك بوضع الميزانية الخاصة بقسمك. فأنت عندها ستستمر في محاولة التعامل مع الميزانية أثناء إجابتك عن سؤاله.

كيف نتوقف عن تعدُّد المهام؟

إن أردنا أن نزيد من جودة أعمالنا وأن نحُدّ من الإجهاد الذي نتعرّض له وأن نصبح أكثر كفاءة، فسنحتاج عندها إلى التخلُّص من عادة تعدد المهام. لذا إليك بعض الاقتراحات التي ستساعدك على ذلك:

  • خطّط ليومك في فترات زمنية مختلفة: خصّص أوقات محدّدة للرد على المكالمات الهاتفية وللإجابة على رسائل البريد الالكتروني وللقيام بالأبحاث.
  • إدارة المقاطعات الخاصة بك: أنشئ سجلاً يُظهر لك أكثر الأشخاص الذين يقاطعونك أثناء العمل ومدى حاجتهم إلى ذلك، وحالما تجمع مُقاطعات كبيرة على مدار أسبوع واحد، تقرّب من أصحابها (زملاء العمل مثلاً) بكل لباقة ولكن بحزم، بهدف إدارة المقاطعات الخاصة بهم والحدُّ منها.
  • تعلّم كيف تحسّن تركيزك، بحيث تستطيع التركيز على مهمّة واحدة في وقتٍ معين، في بادئ الأمر قد تشعر بالإحراج نوعاً ما خاصة إن كنت تمارس تعدد المهام، لكنّ كميّة الإنجاز الذي ستحققه في العمل ستفاجئُك، وذلك من خلال التركيز على شيء واحد فقط وفي وقتٍ مُحدّد.
  • في كلّ مرّة تذهب فيها لإجراء اتصال أو لتفقّد بريدك الالكتروني، خذ نفساً عميقاً وقاوم رغبتك بالقيام بذلك "خاصّة عندما يجدر بك القيام بشيء آخر"، وركّز انتباهك مجدداً على الشيء الذي تقوم به.
  • إن كانت تأتيك تنبيهات بصرية أو سمعية عند وصول رسائل البريد الالكتروني، فأوقف تشغيلها. ممّا يساعدك على تجنُّب الرغبة بتفقد البريد الوارد مع كل رسالة جديدة تصلُك.
  • كلّما وجدت نفسك تتعدد بالمهام، توقّف عن العمل لخمس دقائق واجلس بهدوءٍ على مكتبك وأغمِض عيناك. فاستراحات قصيرة كهذه يمكنها أن تعيد التركيز إلى عقلك، وأن تقلل من إجهادك، وتحسّن من أدائك. بالإضافة إلى أنّها ستمنح عقلك استراحة مناسبة في يومٍ مليء بالأعمال.
  • قد تأتيك أمورٌ مستعجلة في بعض الأوقات ولن يكون بمقدورك تجنُّب المقاطعات. لكن بدلاً من أن تحاول تعدد المهام خلالها، توقّف عن المهمّة الحالية وسجّل المكان الذي وصلت إليه على دفتر ملاحظاتك. ثمّ سجّل أيّة أفكارٍ تراودك  وتمكنك من التقدُّم في هذه المهمّة. ومن ثمّ تعامل مع المشكلة الحالية، قبل العودة إلى ما كنت تقوم به. بهذه الطريقة ستكون قادراً على معالجة كلتا المهمّتين جيداً، وستترك بين يديك بعض الأدلة التي ستساعدك على البدء من جديد بالمهمة الأصلية، وبشكل أسرع.
  • عندما تجد نفسك شارد الذهن في الوقت الذي يجب عليك التركيز على أمرٍ ما، فستحتاج إلى أن تعيد توجيه أفكارك إلى ما تقوم به من عمل، وذلك بأن تعيش اللحظة. فعلى سبيل المثال: قد تكون جالساً في اجتماعٍ هام لفريق العمل، لكنّك تفكّر فيما ستقوله لهم بعد قليل. عندها أخبر نفسك هذه الكلمات: "إنني أحتاج للتركيز على ما أتعلّمه في هذا الاجتماع". وغالباً ما يساعدك التفاعل مع الآخرين على التركيز، وذلك من خلال التعبير عن فهمك لما يقولون.

يعتقد الكثيرون منّا أنّ تعدُّد المهام هو الحل الأمثل لتحقيق متطلبات العمل، لكنّها مُغالطة! فالحقيقة هي أنّه يُخفّض جودة عملنا، ويقلل من قدرتنا على التركيز، ويمكنه بالتأكيد أن يكلفنا الكثير من الوقت. فمن المهمّ أن تتوقف عن تعدد المهام حالما تدرك أنّك تقوم بذلك. قسّم يومك إلى فترات زمنية، وحاول أن تُدير المقاطعات وأن تقلل منها، واعمل على تحسين تركيزك.

إنّ التحكُّم بنزعتك لتعدّد المهام له فوائد مفاجئة، فقد تجد نفسك أكثر إنجازاً في العمل، وأقلّ إجهاداً كذلك، كما أنّه لديك المزيد من الطاقة في نهاية اليوم.


تنويه: يمنع نقل هذا المقال كما هو أو استخدامه في أي مكان آخر تحت طائلة المساءلة القانونية، ويمكن استخدام فقرات أو أجزاء منه بعد الحصول على موافقة رسمية من إدارة النجاح نت.