إنَّ كلَّ شخصٍ فينا هو بمنزلة عن رادار يقوم بمسح البيئة التي حوله بشكلٍ دائم، فالبشر حساسون للغة الجسد، وتعابير الوجه، والوقفات، والحركات، ونبرات الصوت، وغيرها. فهُم قادرون على تمييز سلوكات التواصل الصوتي وغير الكلامي والتي تعدُّ إلى جانب الكلمات جزءً من عمليات التواصل. لذلك يجد الأشخاص غالباً صعوبةً في إيصال نغمات الصوت التحادثية عبر الرسائل الإلكترونية، أو الرسائل الفورية، أو الرسائل النصية. إذا كنت تعرف الأشخاص بشكلٍ جيد في إمكانك أن تسمع أصواتهم في أثناء قرائتك لرسائلهم الإلكترونية. ولكن ماذا عن الأشخاص الذين لا تعرفهم؟ من السهل ألَّا تفهم لهجة حديثهم بشكلٍ جيد وقد تسيء فهمهم وتتوهم أنَّ ثمَّة تهكماً في حديثهم. ففي حين يستطيع معظم الناس تمييز النبرة التهكمية في أثناء الحديث وجهاً لوجه، من الصعب التأكُّد من ذلك في أثناء المحادثات الكتابية.

للتواصل بشكلٍ فعال، يجب أن تتطابق آليات التواصل الشخصي مع كلماتك. فالكلمات لوحدها ليست مفيدةً بما يكفي لمن يبحث عن فهم المعنى في أثناء التواصل. هذا شيءٌ واضحٌ بالفطرة. فعندما يقول الموظف: "هذا رائع" بنبرة عالية مُرفِقاً ذلك بابتسامةٍ عريضة، فإنَّ هذا يُظهر أنَّه سعيدٌ بالفعل. ولكن من جهةٍ أخرى، عندما يقول الموظف: "هذا رائع" بنبرة ثابتة أو منخفضة مُرفِقاً ذلك بعبسةٍ على وجهه، عندها تعرف أنَّ الوضع ليس رائعاً أبداً.

فمن دون التركيز بشكلٍ كامل مع الشخص الذي يتواصل معك، بما في ذلك وعيك للعوامل الداخلة في تكوين آليات التواصل الشخصي، فإنَّك في هذه الحالة تتجاهل كثيراً مما يحاول الشخص الذي يتواصل معك إيصاله إليك. حيث يجد الأشخاص الذين يعانون من طيف التوحد صعوباتٍ في فهم نبرة الصوت وتعابير الوجه. هذا لا يعني أنَّهم غير قادرين على التواصل، ولكنَّهم قد يحتاجون لاختيار الكلمات التي تعبر عمَّا يقصدونه بعناية.

فرصك عندما تكون شخصاً ماهراً في التواصل:

عندما تتواصل من دون أن تفهم جميع آليات التواصل الشخصي التي يبديها الشخص الذي تتواصل معه، فإنَّك ستخفق في استخدام الجوانب الفعالة من التواصل. فكِّر في آخر مرةٍ رأيت فيها متحدثاً عاماً محترفاً، لقد بدى أنَّه يتحكم بكامل المشهد على الأرجح. فلم يكتفِ بمجرد قراءة العروض التقديمية، ولو قرأت نص حديثه بعد سماعه، فإنَّك على الأرجح ستتفاجأ بالسبب الذي جعله مبهراً إلى هذا الحد. إنَّ الأمر يتعلق بأسلوب العرض. إذا كنت تحاول تحسين مهارات التواصل والتقديم عندك، حاول أن تشاهد القليل من حوارات "تيد" (Ted Talks) وحاول أن ترى كيفية وقوف هؤلاء الأشخاص على المنصة، وكيفية استخدامهم لإيماءات اليدين، والتعابير التي يصنعونها على وجههم والتي تتطابق مع الموضوع الذي يتحدثون عنه.

تساعدك لغة جسدك، وتعابير وجهك، ووقفتك، وحركتك، ونبرة صوتك على التأكيد على الحقيقة، والصدق، والثقة خلال تواصلك. حيث يعتقد الناس غالباً أنَّهم يستطيعون معرفة ما إذا كنت كاذباً أو صادقا بالاعتماد على الطريقة التي تتكلم بها، وليس على ما تتكلم به فقط. حيث يستخدم الأشخاص المدرَّبون على طرح الأسئلة هذه الإشارات لمساعدتهم على تحديد ما يحدث بالفعل، وعلى معرفة ما إذا كان الأشخاص المسؤولون يكذبون أم يقولون الحقيقة. كما يمكنهم أن يكتشفوا أنَّ ثمَّة شكَّاً في حديثك إذا لم تتوافق الكلمات التي تستخدمها مع آليات التواصل الشخصي الصادرة عنك. فإذا كنت تتظاهر بأنَّك سعيد (أو حزين) بشيءٍ ما، فإن لغة جسدك يمكن أن تفضحك. فقد تتفوق أجسادنا علينا في بعض الأحيان. هل سبق لك وأن بكيت فجأةً عند سماعك لخبرٍ سيء؟ إنَّها سيطرة جسدك عليك.

وبما أنَّ التواصل هو عبارة عن معنىً مشترك، فإنَّ كلماتك يجب أن ترسل الرسالة نفسها التي ترسلها آليات التواصل الشخصي. فالرسائل المتناسقة تعني تواصلاً فعالاً. فإذا كنت مديراً وكان موظفوك دائماً يسيئون فهم ما تقول، فقد يكون ذلك بسبب عدم تطابق لغة جسدك مع ما تقول، وهذا ما يؤدي إلى ضياع الموظفين. لذلك اطلب من قسم الموارد البشرية أن يقدم لك يد العون من أجل إيجاد تدريب أو كوتشينغ لكي يساعدك على أن تكون كلماتك متطابقةً مع المعنى الذي ترغب في إيصاله.

قد تعتقد أنَّ عملك لا يحتاج إلى تواصل، ولكنَّك مخطئ. فلنفترض مثلاً أنَّك تقوم بكتابة رموز على الكمبيوتر طوال اليوم. فعلى الرغم من أنَّك لا تتكلَّم مع الأشخاص، ولكنَّك من خلال ما تكتبه تساعد الأشخاص الآخرين على التواصل باستخدام الأفكار، والبيانات، وحتى  الأمور المسلية. وإذا كنت تعمل ضمن فريقٍ للتطوير، وكانت مسؤولية الحصول على نتائج جيدة تقع على جميع أفراد الفريق، فإنَّ قدرتك على التواصل بشكلٍ فعال مع الفريق ستؤدي إلى التطور.

يجب على كلِّ شخصٍ أن يتعلم مهارات التواصل الشخصي فيما إذا كان راغباً في تحقيق النجاح على الصعيد المهني.

 

المصدر