هل سمعت من قبل بعبارة "التمرين يؤدي إلى الإتقان"؟ أنا متأكِّد تماماً من أنَّك سمعتها مرةً واحدةً على الأقل في حياتك، فهي مقولةٌ مشهورة تُستخدَم غالباً لتشجيع شخصٍ ما حينما يتعلّم شيئاً جديداً أو يقوم بشيءٍ جديد.

قد يحتاج الشخص إلى العديد من المحاولات قبل أن ينجح ويؤدي المطلوب منه بشكلٍ صحيح، فالأمر يشبه تعلّم ركوب الدراجة، أو تعلّم القيادة، أو تحدُّث لغةٍ ثانية، أو الطهي أول مرّة إذ من النادر أن يُتقِن أحدهم هذه الأمور من المحاولة الأولى.

أنا متأكِّدٌ من أنَّك تأمَل دوماً كلما حاولت تعلّم شيءٍ جديد أن تُجيده بسرعة، ولكنَّ الواقع يقول أنَّك تحتاج إلى أيامٍ، أو شهورٍ، أو حتى سنوات قبل أن تتمكّن من إتقان مهارة ما بشكلٍ مُؤكّد.

استخدام حلقة التغذية الراجعة:

هكذا يسير التعلّم ببساطة: تحاول، وتكتسب خبرة، وتتعلّم من الخبرة التي اكتسبتها، وتتعلّم مجدداً، وكل مرةٍ تتحسّن وتتقدم، وفي كل مرةٍ تكرِّر فيها عملية التعلم هذه تمر بما يدعى حلقة التغذية الراجعة، وستكون مضطراً إلى المرور بعدة حلقات تغذية راجعة قبل أن تؤدي المهارة بكل ثقة.

ما يُميّز الأشخاص الذين يتعلّمون بسرعة عن الأشخاص الذين يتعلّمون ببطء ليس الموهبة الفطرية الطبيعية، بل أنَّ الأشخاص الذين يتعلّمون بسرعة يعرفون كيف يتعلّمون ولديهم طريقة منهجية يُطبّقونها دائماً لتعلّم مجموعة متنوعة من الأمور، وهم يعلمون كيف يستخدمون حلقات التغذية الراجعة الخاصة بهم لتسريع عملية التعلّم.

الأخبار السارة بالنسبة إليك إذاً هي أنَّك إذا كنت تودّ حالياً تعلّم مهارةٍ جديدة بأسرع وقتٍ ممكن فلن تحتاج إلَّا إلى تعلّم كيفية بناء حلقة تغذية راجعة فعّالة.

ماهي حلقة التغذية الراجعة؟

حينما نتحدّث عن التغذية الراجعة نحن نعني ببساطةٍ الحصول على معلوماتٍ حول مدى جودة الأداء الذي تُقدّمه في كل مرةٍ تحاول فيها ممارسة مهارةٍ ما أو تطبيقها، فالتغذية الراجعة هي التي تخبرك بالأمور التي تسير بشكلٍ جيّد أو الأمور التي تسير بشكلٍ سيء، وتتألف حلقة التغذية الراجعة من ثلاث مراحل:

  1. الممارسة/ التطبيق: هي المرحلة التي تبدأ فيها ممارسة الشيء ترغب في تعلّمه.
  2. القياس: هي المرحلة التي تحصل فيها عن معلومات حول الأداء وهي أيضاً أكثر مرحلة يتم تجاهلها أو أداؤها بلا مبالاة.
  3. التعلّم: هي المرحلة التي تحلِّل فيها جودة الأداء وتجري تعديلاتٍ لتحسينه وإعادة الممارسة والتطبيق مرةً أخرى.

من المهم فهم هذه المراحل الثلاث وتطبيقها في كل مرةٍ تمارس فيها مهارةً جديدة، حيث يكتفي العديد من الأشخاص بإنهاء المرحلة الأولى فقط لأنَّ صورة العملية التي تؤدى في المرحلة الثانية تكون مُشوّشة وغامضة بالنسبة لهم وهذا يؤدي إلى تحقيق نتائج سيئة في المرحلة الثالثة.

سيُساعدك دوران الحلقة بشكلٍ جيدٍ وسلس في إجراء تحسينات مستمرة، وإحراز تقدّم مُطّرد، وفهم المهارة بشكلٍ أفضل.

كيف تحصل على حلقة تغذية راجعة فعّالة؟

لتضمن الحصول على حلقة تغذية راجعة فعّالة يجب عليك أن تراعي ثلاثة عوامل أساسية: التناسق، والسرعة، والدقة.

التناسق يعني اتّباع طريقةٍ ثابتة للحصول على جودة التغذية الراجعة نفسها، إذ إنَّك تحتاج إلى القدرة على الموازنة بين جميع الممارسات أو التجارب لكي تقيس، وتتعلم، وتجري التعديلات. فإذا لم تكن التغذية الراجعة متناسقة ستجد صعوبةً في معرفة الأمور التي سارت بشكلٍ جيد والأمور التي سارت بشكلٍ سيء.

فلنفترض على سبيل المثال أنَّك تتعلم العزف على الجيتار، فإذا عزفت في كل تمرين أغنيةً مختلفة ستحصل على تغذية راجعة تفتقر جداً إلى التناسق، ولأنَّ لكل أغنيةٍ صعوبةً، وإيقاعاً، وسرعةً تختلف عن صعوبة، وإيقاع، وسرعة الأغاني الأخرى لن تكون الموازنة بين البراعة في عزف الأغاني المختلفة مُجدية. لذا ستكون أفضل طريقةٍ للتعلم عزف الأغنية نفسها مراراً وتكراراً حتى بلوغ مستوى معين من الكفاءة.

تبدو الأمور واضحة في هذه الحالة ولكنَّ هذا مجرد مثال، إذ يبدو التعلم في كثيرٍ من الأحيان أمراً شاقَّاً لأنَّنا لا نركز الاهتمام على الحفاظ على تناسق البيئة أو التصرفات.


اقرأ أيضاً:
9 نصائح ذهبيّة لتطوير الذات وتنميتها


يجب عليك أن تكون سريعاً:

دعنا ننتقل إلى العامل الثاني: السرعة، حيث يُعَدُّ الحصول على التغذية الراجعة بشكلٍ عاجلٍ وسريع مهماً إذ كلما طال زمن الحصول عليها استغرق تحسن المهارة وقتاً أطول، ولهذا السبب يقضي بعض الناس قدراً كبيراً من الوقت في التمرن ولكنَّهم يحرزون تقدماً ضئيلاً جداً.

في المقابل تُعَدّ التغذية الراجعة التي تقدَّم بشكلٍ فوريٍّ تقريباً أفضل أشكال التغذية الراجعة، إذ كُلّما استغرق اكتمال حلقة التغذية الراجعة وقتاً أقصر كان ذلك أفضل، وذلك لأنَّك ستحظى بعددٍ أكبر من المحاولات وهذا يعني إجراء تحسيناتٍ أكثر خلال المدة الزمنية نفسها.

كيف تحصل على تغذية راجعة سريعة؟

مفتاح الحصول على تغذية راجعة سريعة إذاً هو تجزئة المهارة أو المعلومة، فحاول تحليل المهارة إلى مُكوّنات مختلفة، حيث تستطيع تقسيمها إلى خطوات، أو مهاراتٍ فرعية، أو عمليات، أو حسب صعوبتها.

فإذا كانت المهارة التي تريد تعلمها مكونة من سلسلة من الخطوات على سبيل المثال تستطيع تعلم كل خطوة بشكلٍ منفصل وأن تجعل لكل خطوةٍ حلقة تغذيةٍ راجعة خاصة عوضاً عن جعل جميع الخطوات ضمن حلقة واحدة. فقسِّم العمليات إلى أجزاء مختلفة تستطيع تركيز الاهتمام عليها وإتمام كل واحدٍ منها بشكلٍ فردي.

إذا افترضنا أنَّك تتعلّم الطهي، تستطيع تقسيم هذه المهارة إلى عدة خطوات كالعثور على المكونات الطازجة والمناسِبة، وإعداد المكونات والتعامل معها، وتجهيز التوابل والصلصات، وتقديم الطعام ووضعه في الأواني، إلخ.

أو فلنفترض أنَّك تريد تعلم طريقة لعب كرة القدم، تستطيع تحديد المهارات الفرعية التي تتألف منها تقنيات التعلم الأوسع وتخصيص حلقة تغذية راجعة لكل واحدة منها، فتستطيع البدء بتعلم طريقة المراوغة، ومن ثمَّ التمرير، والتسديد في النهاية.

ثالث العوامل التي تساهم في الحصول على حلقة تغذية راجعة فعالة وآخرها هو الدقة، وهو يعني الحصول على تغذية راجعة تصور الأداء بدقةٍ حقيقية. إذ بما أنَّك تعتمد على التغذية الراجعة لتعرف الأمور التي يجب عليك أن تُحسّنها في المرة القادمة ومتى يجب عليك أن تفعل ذلك يُعَدُّ هذا مهماً جداً. ولهذا السبب تُعَدُّ مهارة التغذية الراجعة المبنية على القياس مهارةً أساسية للحصول على حلقة تغذية راجعة فعالة.

كيف تقيس التغذية الراجعة؟

لقد أضحى الحصول على تغذيةٍ راجعةٍ دقيقة نقطة ضعفٍ مشتركة بين العديد من المتعلمين لأنَّ تحديد معنى كلمة "دقيقة" ليس دوماً أمراً سهلاً.

ومن أجل الحصول على تغذية راجعة دقيقة يجب أن يكون لدينا طريقة لقياسها، إذ إنَّ السبب في حصولنا على تغذية راجعة سيئة في بعض الأحيان هو أنَّنا نحاول قياس التقدم دون الاستعانة بقيمةٍ رقمية أو أنَّنا نستخدم مقاييس خاطئة لمنح التغذية الراجعة مثل تلك القيمة. والأسوأ من ذلك كله هو أنَّك ربما لم تقس الأداء أو تراقبه أبداً، فهل تستطيع تذكر موقفٍ مشابه؟

من أجل العثور على الجوانب التي تحتاج إلى تحسين يجب عليك أن تكون قادراً على موازنة أداءك الحالي مع أداءك السابق فيكون لديك أساس أو شيء ما تقيس به وترى الأمور التي تحتاج إلى تحسين، حيث تُعَدُّ القيم الرقمية طريقةً لقياس الأداء بدقةٍ تساعدك في التحلي بالموضوعية والتناسق عند الموازنة بين شيئين. وتستطيع التغذية الراجعة القائمة على القيم الرقمية منحك معلوماتٍ مفيدة تساعدك في التحسن خلال حلقات التغذية الراجعة.

فلنفترض أنَّك تتمرّن على التلاعب بكرة السلة إذ أخبرك المدرب حينما تلاعبت بالكرة أول مرة أنَّك تبلي بلاءً حسناً، وفي المرة الثانية تحسَّن أداؤك وأثنى عليك المدرب قائلاً أنَّك تقوم بعملٍ رائع. لقد تحسَّنت مهارة التلاعب بالكرة لديك بلا شك فأنت تعلم ذلك والمدرب يعلم ذلك، ولكن كم مقدار التحسُّن؟ وكيف تستطيع تحسين مهارات التلاعب بالكرة لديك بشكلٍ أكبر؟ إنَّ القول بأنَّك تبلي بلاءً حسناً أو أنَّك تقوم بعملٍ رائع لا يبيِّن كم كان الأداء الذي قدّمته جيداً ولا مقدار التحسُّن الذي تحتاج إليه.

ولكن إذا تخيّلنا سيناريو آخر نجحت فيه بالتلاعب بالكرة أربع مراتٍ متتالية ذهاباً وإياباً على أرض الملعب دون أن تُسقِطها من يدك وأخبرك المدرب أنَّك تبلي بلاءً حسناً. وفي المرة الثانية طلب منك المدرب أن تتلاعب بالكرة على أرض الملعب ثماني مراتٍ متتالية ذهاباً وإياباً دون أن تُسْقِط الكرة من يدك، فنجحت في ذلك وقال لك المدرب أنَّك تقوم بعملٍ رائع. الآن أنت قادرٌ على قياس التحسّن الذي أحرزته بالأرقام من خلال حساب عدد المرات التي تمكَّنت فيها من قطع الملعب وأنت تتلاعب بالكرة.

وبعد أن ربطت الأداء بقيمة رقمية أنت الآن قادرٌ على تحسين أداءك من خلال التدرب على قطع الملعب 16 مرة مع التلاعب بالكرة، وتستطيع إضافة عقبات جديدة كالتلاعب بالكرة في أثناء عبور الملعب مع وجود خصم يحاول افتكاك الكرة منك. وإذا نجح تستطيع أن تحاول التلاعب بالكرة أثناء عبور الملعب مع وجود خصمين يحاولان افتكاك الكرة منك ذهاباً وإياباً. وبذلك أنت الآن قادرٌ على حساب التحسن الذي أحرزته بكل سهولة.

حسِّن حلقة التغذية الراجعة باستمرار:

الآن وقد تعرّفت على حلقة التغذية الراجعة هل أنت مستعدٌّ لتطبيقها؟ وما المهارات التي تودّ أن تبدأ بها؟

حاول تطبيق جميع مراحل حلقة التغذية الراجعة حينما تتعلّم تلك المهارة الجديدة وراقب بنفسك كيف سيتحسّن تعلمك بوتيرة أسرع. ومن المهم جداً أن تحسِّن حلقة التغذية الراجعة بشكلٍ مستمر لتحافظ على الزخم وتتجنَّب الوقوع ضحية الراجع. حيث يعني تحسين التغذية الرجعة أن تعرف ما الأمر التالي الذي ستقيسه وما الأسئلة التي ستطرحها.

المصدر


المقالات المرتبطة