Top


مدة القراءة: 5 دقيقة

توظيف الذكاء العاطفي في ريادة الأعمال: قصة طالب جامعي مع إحدى الشركات

توظيف الذكاء العاطفي في ريادة الأعمال: قصة طالب جامعي مع إحدى الشركات
مشاركة 
الرابط المختصر

تزخرُ كثيرٌ من صفحات التاريخ بقصصِ قادةٍ أفذاذ استطاعوا تحقيق فتوحاتٍ وإنجازاتٍ بارزة، مكَّنَتهم من السَّيطرة على مناطِقَ جُغرافيَّةٍ واسعةٍ من عالمنا هذا، لعلَّ أبرزهم وأكثرهم شهرة وإسالةً لحبرِ أقلام المؤرخين، هو نابليون بونابرت؛ فقد تمكّن هذا الرجل من توسيع رُقعةِ بلده فرنسا شرقاً وغرباً، وكادَ أن يغزو العالم: لو أنَّه تمكَّن فقط من "غزو نفسه".



كان نابليون قائداً عبقرياً يتمتّع بدهاءٍ عسكريٍّ وذكاءٍ تنظيميّ قلَّ نظيرُهما، بيد أنَّه افتقد لنوعٍ مُحددٍ من الذكاء تسبَّبَ في هزيمته، ألا وهو: الذكاء العاطفي. فقد كان نابليون شخصاً مغروراً متعجرفاً إلى أبعد الحدود؛ والغرور والعجرفة تحديداً؛ يُعدَّان أكبر المسامير في نعش ذلك النوع من الذكاء.

وإذا جمعنا بين العجرفة والذكاء العاطفي والقيادة والنجاح؛ توفَّرَ بينَ أيدينا بضعةُ عناصر تتحدث عنها سطور مقالتنا الآتية، والتي تختلف عن بقية المقالاتِ التي تعودتم أن تقرؤوها في موقعنا النجاح نت؛ إذ نُقدِّم إليكم قصّةً صحفيّةً تروي أحداثاً حقيقية، جذبَت اهتمام رواد التواصل الاجتماعي في الولايات المتحدة والعالم أجمع. لذا تابعوا معنا قراءة هذا المقال "الصحفي" بامتياز، لنتعلّم سوياً درساً يُبيِّنُ أهميَّة الجمع بين الذكاء العاطفي وريادة الأعمال.

"كرسبي كريم" ترتكب خطأً كاد أن يضربها في مقتل! والذكاء العاطفي يتدخل ليُنقذ الموقف:

ما هو المبلغُ الذي قد يدفعه محبو شركة "كرسبي كريم" (Krispy Kreme) لقاءَ عُلبةٍ من حلوى الدونات؟

توصَّلَ طالبٌ جامعيٌّ من ولاية مينسوتا يُدعى "جايسون غونزاليس" في وقتٍ سابقٍ من العام الجاري، إلى إجابةٍ عن هذا السؤال. وذلك حينما عثرَ مصادفةً على فرصة عملٍ غير متوقعة؛ فقد كان سكان منطقة "المدينتان التوأم" -إحدى مناطق ولاية مينيسوتا الأمريكية- يتوقون لإيجاد طريقةٍ تُمكِّنهم من شراء كعك الدونات الخاص بشركة "كرسبي كريم"؛ بسبب عدم توفر متاجر لهذه الشركة في هذه البُقعة الجُغرافيَّة.

كانوا يرغبون بذلك لدرجةٍ جعلتهم لا يُمانِعُونَ بدفعِ حوالي ضعف الثمن الاعتيادي لعلبةٍ تحتوي على 12 قطعة منها. لذا بدأ غونزاليس في قيادة سيارته لمدة 8 ساعات ذهاباً وإياباً كُلَّ أسبوع، إلى مدينة كلايف في ولاية "أيوا" القريبة؛ فقط من أجل أن يُلَبّي حاجتهم تلك، ويتمكّن من تغطية نفقات دراسته الجامعية. لذا راحَ يشتري حوالي مئة علبة من تلك العلب، ليُعِيد بيعها في طريق عودته.

لعلَّك قد ظننت أنَّ شركة "كرسبي كريم" سوف تُشيد بروح غونزاليس الريادية في مجالِ إدارة الأعمال، وتشكره على جعلهم يبيعون 1200 قطعة إضافية من حلوى الدونات كلّ أسبوع لزبائن من خارج منطقة عملهم المعتادة؟ حسناً هذا ما قد تظنه -وهو ما فكر فيه غونزاليس أيضاً- لكن ما حدث كان عكس هذا تماماً؛ فقد تواصلت معه هذه الشركة، وطالبته بالتَّوقف عمَّا يقوم به.

ما تلا ذلك أضحى درساً في حُسنِ توظيف الذكاء العاطفي في خدمة ريادة الأعمال والالتفات إلى احتياجات العملاء، وصفعةً على وجه تلك الشركة، نبَّهتها إلى غلطةٍ فادحة كادت أن ترتكبها بحق نفسها.

كان هذا الموجز، وإليكم التفاصيل..

إقرأ أيضاً: كيف يمكن للذّكاء العاطفي أن يُحَسِّن من أدائك في العمل؟

الخلفية الدرامية للأحداث:

بدأت القصة في وقت سابق من هذا العام، حين سافر جونزاليس البالغ من العمر 21 عاماً -والذي يَدرُسُ المحاسبة في جامعة ولاية ميتروبوليتان- برفقة فريق كرة القدم للصغار الذي يدربه، للمشاركة بإحدى البطولات. وحينما رأى متجراً لشركة "كرسبي كريم"، نشر رسالة على الفيسبوك يسألُ فيها فيما لو كان أيّ شخصٍ يرغب منه أن يبتاعَ له بعضاً من الدونات التي تُنتجها هذه الشركة.

"أنا لا أكذب حين أقولُ بأنَّني تلقيتُ ما يربو عن 300 ردٍّ يطالبني فيه من أرسلهم بأن أبتاع لهم بعض الدونات"؛ هكذا أخبر غونزاليس "ديانا وينغر"، مراسلة صحيفة "Twin Cities Pioneer Press" والتي كانت أول من غطّت هذه القصة.

وهكذا أَوجَدَ غونزاليس لنفسه فرصة عملٍ رائعة؛ حيث كان يتلقى الطلبات عبر صفحةٍ أنشأها على الفيسبوك -أسماها "كرسبي كريم عبر مينيسوتا"- ثم يرسل بريداً إلكترونياً إلى مدير فرع الشركة في مدينة كلايف بولاية أيوا، للتأكيد على أن تكون طلبيته -التي تضم حوالي 100 علبة- جاهزةً عند وصوله.

ويستيقظ بعد ذلك قبل الساعة الثانية فجراً، ليبدأ القيادة لمدة أربع ساعات -حوالي 402 كيلومتر!- إلى مدينة كلايف، حيث يقوم بملء سيارته "الفورد فوكس" بمئة علبة من الدونات.

وفي رحلة العودة إلى منطقة "المدينتان التوأم"، يتوقّف غونزاليس في ثماني محطات، معظمها في مواقف سيارات. وبعد إيقاف سيارته، يضع علبة دونات على سقف سيارته كإشارةٍ تَدُلُّ على أنَّه بات جاهزاً للبدء في عملية البيع، فيصطف رتلٌ من الزبائن خلال دقائق!

يبيع غونزاليس -والذي أصبح يعرف الآن باسم "فتى الدونات"- بضاعته بسعرٍ يتراوحُ بين 17 إلى 20 دولاراً لكل علبة (السِّعرُ الأصلي يقارب 8 دولارات للعلبة الواحدة)؛ وهو ما يجعله يربح بين 9 إلى 12 دولاراً، مع الأخذ بالحسبان تكاليف وقودِ سيارته وصيانتها، ومن دون أن ننسى "تعبه هوَ شخصياً".

مع كل هذه الدعاية الإيجابية لشركة "كرسبي كريم"، ظنَّ الجميع بأنَّها ستقوم بالترويج لهذه القصة، وتدعم شاباً أحبَّ علامتهم التجارية وساعد على الترويج لها ضمن مناطق لا تعمل فيها.

لذا كان الأمر صادماً حينما فعلت "كرسبي كريم" خلافَ ذلك؛ فبعد مُضيِّ أقلّ من أسبوع على نشر صحيفة "Twin Cities Pioneer Press" للقصة، أخبر جونزاليس ديانا وينغر أنَّ "أحد كبار المديرين" في شركة "كرسبي كريم" هَاتَفَهُ، وأَمَرَهُ "بالكفِّ والتَّوقف" عمَّا يقوم به.

ردٌّ غايةٌ في الرَّوعة:

كان بمقدور جايسون أن يسمح لعواطفه بأن تتحكَّم به؛ فيُصابَ بالإحباط ويقول عن مسؤولي هذه الشركة بأنَّهم "ثُلَّةٌ من الحَمْقَى" ويُشهِّرَ بهم وبشركتهم، أو يلجأ إلى المحاكم ويقاضيهم، فهو أولاً وأخيراً، كان يدفع ثمنَ علب الدونات التي يشتريها؛ لذا لا دَخْلَ لهم بما يفعلُ بها بعدئذٍ، لكنَّه وبدلاً من ذلك، ردَّ "بذكاءٍ عاطفيٍّ" قلَّ نظيره؛ حيث قال في مقطع فيديو نشره على الفيسبوك:

"لم يكن في نيتي أبداً أن أجعل شركة كريسبي كريم تبدو وكأنَّها "الشخصية الشريرة" في هذا السيناريو. صحيحٌ إنَّه لَمِنَ المُحْزِن أن أَجِدَ نفسي مُضطراً لأن أتوقف عمَّا أقوم به، لكن طالما أنَّهم يريدون مني أن أقوم بذلك، فسأُنَفِّذُ لهم رغبتهم؛ لأنَّه إذا أُغلقت نافذة أملٍ في وجهي، فستُفتحُ نافذةٌ جديدة. وسأنتظر لأرى ما ستكشف عنه الأحداث؛ ومن يدري؟ لعلَّ في الأمر خيراً لي. لكن أيَّاً يكن الحالُ عليه، فسأقبل به؛ لأنَّي شخصٌ ينظرُ دوماً إلى النصفِ الممتلئة من الكأس".

ياله من ردٍّ رائعٍ يصدر عن فتىً يبلغ من العمر 21 عاماً!

ما حدث بعدئذٍ، هو أن نشرت مختلف المحطات الإخبارية في جميع أرجاء الولايات المتحدة قصّة جايسون وعَنْوَنَتْهَا: "شركةٌ كبيرةٌ سيّئةٌ تسحق آمالَ وأحلامَ فتىً جامعي"، ليَعُقبَ ذلك سلسلةُ ردود فعلٍ قاسيةٍ على مواقع التواصل الاجتماعي.

وعندها أدركت شركة "كرسبي كريم" أنَّها ارتكبت غلطةً لا تُغتفر؛ لذا صرحت لنفس الصحيفة قائلةً:

"لقد أصبحنا على درايةٍ كاملةٍ بقضية جايسون، والتي تصرَّفنا إزاءها من موضع "حُسْنِ نيّة" كما نأمل أن نفعل دائماً. كما نُعربُ عن تقديرنا لشغف جايسون بمنتجات الشركة، وإعجابنا بروحه الريادية التي أبداها وهو يواصل تعليمه الجامعي".

يُظهِرُ هذا الرد شيئاً من الذكاء العاطفي الذي تتمتع به الشركة، وكثيراً من الدهاء في إدارة علاقاتهم العامة أيضاً، ففي حين لم يُعلَم من هو الشخص الذي تواصل مع جايسون، نجحت الشركة من خلال الإشارة بأنَّ موقفها صدرَ عن "حُسن نية"، في عدم وضعه في عين العاصفة (أو التَّنصل من فعلته)، وأشيد بجهود الشاب في الوقت نفسه. لاحقاً، قام جايسون بنشر ما تلا هذا الموقف من أحداثٍ على الفيسبوك:

"لقد تواصلت معي شركة "كرسبي كريم" مباشرةً، وقد بتنا نعملُ سويّة! وتوصّلنا إلى حلٍّ إيجابي من شأنه ضمان قيامنا بذلك بالطريقة الصحيحة. سأزودكم بتفاصيل إضافية قريباً.... ترقبوا مني كُلَّ جديد!!".

أخبر غونزاليس متابعيه لاحقاً، بأنَّه سيواصل العمل كمُشَغّلٍ مستقلٍّ بدعمٍ من الشركة، وبدأ حملة "GoFundMe page" على صفحةٍ أنشأها على الإنترنت، للمساعدة في تمويل شراء سيارةٍ أكبر لنقل كميّةٍ أكثر من الحلوى.

إقرأ أيضاً: 3 مهارات يتقنها الأشخاص الذين يتمتعون بالذكاء العاطفي

وفي وقتٍ لاحق، أعلنت الشركة أنَّها ستتبرع إلى جايسون بـ "500" علبة من الدونات كمبادرةٍ منها لدعم عمله. وفيما يأتي، البيان الكامل عبر حساب الشركة الرسمي على تويتر، والذي يُظهرُ كيف طّبَّقَت الشركة معايير الذكاء العاطفي لإنقاذ الموقف:

"لقد تواصلنا مع جايسون مجدداً للتعبير عن تقديرنا لحُبّه لـ "كرسبي كريم"، وإعجابنا بروح المبادرة التي يمتلكها. كما أعلمناه بأنَّنا سنقوم بمساعدته على تحقيق جزءٍ من أهدافه -عن طريق بيعه للدونات التي تصنعها الشركة- التي تتضمن ألا يكون مديوناً عندما يتخرج من جامعته في عام 2021.

كان هدفنا فيما يتعلق بمنعه "مؤقتاً" من بيع الحلوى، هو ضمان جودة المنتج والامتثال التنظيمي بما يهدف إلى حماية كلا الطرفين. ونودّ أن نؤكّد على أنَّ غايتنا المشتركة هي ضمان أنَّ الكعك الذي يبيعه جايسون، يُحافِظُ على معايير الجودة العالية لمنتجاتنا؛ قياساً على المسافة التي يقطعها والطريقة التي ينقل ويوزع جايسون الحلوى من خلالها.

لذا نُعرب عن كامل سعادتنا للعمل معه كَمُشَغِّلٍ مستقل، كضمانٍ منا بتوفير إمدادٍ ثابت من المنتج عالي الجودة الذي تُقدمه شركتنا إلى مُحبيها في ولاية مينيسوتا.

نتمنى لجايسون تحقيق نجاحٍ باهر، ويسرُّنا التبرع إليه بـ "500" علبة دونات عندما يُعيِدُ بدءَ نشاطه التجاري، كمساعدةٍ منا على جعله ينجحُ في مسعاه هذا".

Krispy Kream

يالها من نهاية سعيدة للأحداث. لذا، في المرة القادمة التي لا تسير فيها سُفُنُكَ كما تشتهي، قاوم رغبتك في التلفُّظِ بأقوالٍ سلبية، أو في التَّخلي عن الأمل. وأظهر بدلاً من ذلك قليلاً من الذكاء العاطفي: استمر في التركيز على ما يمكنك التحكم فيه، وأوجد طريقةً لتوجيه مشاعرك إلى شيءٍ أكثرَ إيجابيّة. فكما عَلّمَنَا "فتى الدونات": من يدري؟ لعلَّ في الأمر خيراً لنا.

 

المصدر


تنويه: يمنع نقل هذا المقال كما هو أو استخدامه في أي مكان آخر تحت طائلة المساءلة القانونية، ويمكن استخدام فقرات أو أجزاء منه بعد الحصول على موافقة رسمية من إدارة النجاح نت.

المقالات المرتبطة بــ: توظيف الذكاء العاطفي في ريادة الأعمال: قصة طالب جامعي مع إحدى الشركات






تعليقات الموقع