لا يقتصر الشمول المالي على توفير الخدمات المالية فحسب؛ بل يمتد ليشمل ضمان وصول هذه الخدمات إلى جميع فئات المجتمع، خاصةً الفئات المهمشة وذات الدخل المحدود، بتكلفة معقولة وفي الوقت المناسب. يتناول هذا المقال دراسة معمقة لمفهوم الشمول المالي، مستعرضاً أهدافه النبيلة وأهميته البالغة، وموضحاً أبعاده الرئيسية التي ترتكز عليها جودته ونطاقه، وصولاً إلى تحليل أبرز التحديات التي تعترض سبيل تحقيقه في السياق العربي.
مفهوم الشمول المالي
يُعرف الشمول المالي بأنه: "الحصول على الخدمات المالية والائتمانية في الوقت المناسب والكافي عند الحاجة إلى الفئات ذات الدخل المنخفض بتكلفة معقولة". (الخزرجى، 2020، ص 262).
أهداف الشمول المالي
يهدف الشمول المالي إلى تحقيق ما يلي (نانسي البنا، 2018، ص 1):
- تحسين فرص وصول الخدمات المالية إلى أكبر فئة في المجتمع، سواء أفراد أو منظمات.
- تحسين المستوى المعيشي للفقراء لسهولة الوصول إلى الخدمات التي يقدمها كافةً.
- جذب المستبعدين إلى النظام المالي الرسمي، من خلال تقديم كل الخدمات المالية (المدخرات – التحويلات المالية – الائتمان). (أحمد فؤاد خليل، 2015، ص 7).
- زيادة فرص الاستثمار للشركات المتوسطة والصغيرة.
- إثراء المشروعات الخاصة، مما يعود بالإيجاب على التنمية المستدامة.
- تقليص مساحة انتشار الفقر في المجتمع، وتحقيق الانتعاش الاقتصادي.

أهمية الشمول المالي
للشمول المالي أهمية بالغة، وخاصةً للمواطنين الفقراء والمقيمين في المناطق النائية التي لا تشملهم الخدمات المالية للبنوك؛ لأن الشمول المالي يساعد على (إبراهيم، 2019، ص246):
- تقديم الخدمات المالية التي توفر الأمان والخصوصية.
- تسهيل الادخار من خلال حسابات التوفير.
- تسهيل إمكانية فتح حسابات بنكية للنساء واللاجئين.
- حماية أموال المودعين من اللجوء إلى قنوات ووسائل غير رسمية لا تخضع للرقابة.
- تشجيع المدّخرين على استثمار أموالهم وادخارها.
أبعاد الشمول المالي
للشمول المالي أبعاد تشمل ما يلي (إبراهيم، 2019، ص 55):
- الوصول إلى الخدمات المالية: سهولة وصول الأفراد إلى الخدمات المالية المختلفة من حيث المساحة الجغرافية المختلفة والقرب من أماكن تقديم الخدمة.
- استخدام الخدمات المالية: حصول الأفراد، والأُسر، والشركات كافةً على الخدمات المالية. ويتم ذلك من خلال تسهيل حصول الأفراد جميعهم على تمويل مناسب لاحتياجاتهم، وتسهيل فتح حساب وغيرها من الخدمات التي يحتاجها الأفراد.
- جودة المنتجات والخدمات المالية: يُعد قياس جودة الشمول المالي من الأمور التي يصعب قياسها نظراً لاختلافها من بلد إلى بلد، ووجود كثيرٍ من العوامل التي تؤثر في جودة الخدمات المالية ونوعيتها.
- التنافس السليم بين مقدمي الخدمات نحو إتاحة البدائل أمام العملاء. (محمد، 2020، ص 188).

تحديات الشمول المالي
توجد بعض التحديات التي تواجه الشمول المالي، نذكر منها ما يلي (الشمري، 2020، 86)، (العنزي، 2020، ص 247-248):
- عدم تطور البنية التحتية للقطاعات المالية العربية بالقدر الذي يكفل زيادة فرص النفاذ للتمويل. فعلى الرغم من التحسن النسبي في مستويات البنية التحتية للقطاعات المالية العربية في الآونة الأخيرة، لا يزال كثيرٌ منها يفتقر إلى وجود المقومات الأساسية التي تمكّن من زيادة فرص النفاذ للتمويل، والتي يتمثّل أهمّها في وجود نُظم للاستعلام الائتماني، والإقراض المضمون، وضمان حقوق الدائنين.
- ضعف مستويات التنافس بين المؤسسات المالية والمصرفية العربية، وارتفاع نسب التركز الائتماني سواء على صعيد الائتمان المقدم للأفراد أو الشركات.
- غياب وجود تصنيف مالي وقانوني محدد لمؤسسات التمويل متناهي الصغر في الدول العربية حيث تسجل كمنظمات غير حكومية وبالتالي يصعب وضع إطار رقابي وإشرافي على تنظيم التمويل الأصغر، سواء من قبل البنك المركزي أو من جهة مالية إشرافية مستقلة.
- ضعف تطور المؤسسات المالية غير المصرفية وخاصةً مؤسسات الادخار التعاقدي وصناديق الاستثمار، ومحدودية أدوات وأسواق الدين المحلية، وخاصةً أسواق السندات والصكوك، مما يؤدي إلى تزايد الاعتماد على الائتمان المصرفي والذي يوفر موارد قصيرة الأجل.
الخلاصة: يُعد الشمول المالي مفتاحاً لمكافحة الفقر وتحقيق النمو الاقتصادي الشامل، لكن يحتاج تحقيقه إلى جهد متكامل يجمع بين التكنولوجيا، والتعليم، والتنظيم الذكي لضمان عدم احتكار الخدمات المالية على فئة معينة في المجتمع.
وفي الختام، يتضح أن الشمول المالي ليس مجرد هدف مالي فحسب، بل هو ركيزة أساسية للتنمية الشاملة، ومحورٌ لمكافحة الفقر وتحسين مستوى المعيشة للأفراد، خاصةً في المناطق النائية. لقد تناول هذا البحث تعريف الشمول المالي، وأهدافه التنموية، وأبعاده المختلفة من حيث الوصول والاستخدام والجودة. وبالرغم من أهميته، فإن تحقيقه يواجه تحديات هيكلية تتعلق بضعف البنية التحتية والتنافس، مما يتطلب معالجة شاملة.
إقرأ أيضاً: التكنولوجيا المالية في السعودية: نظام بيئي ينمو بسرعة
لذا، يبقى الشمول المالي مشروعاً يتطلب تضافر الجهود بين المؤسسات المالية والحكومات والأفراد، مع الاستثمار في التكنولوجيا والتعليم المالي، لضمان نظام مالي عادل وشامل لا يُقصي أحداً من فوائده.
المصادر +
- أحمد فؤاد خليل (2015)، آليات الشمول المالي نحو الوصول للخدمات المالية، مجلة الدراسات المالية المصرفية، الأكاديمية العربية للعلوم
- رشا أحمد إبراهيم (2019)، أهمية الشمول المالي في تحقيق أهداف التنمية المستدامة والإفصاح عنه في تعزيز مصداقية التقارير المالية( در
- سالم محمد العنزي (2020)، دور التحول الرقمي في تفعيل آليات ظبط مخاطر التكنولوجيا المالية وأثرها على الخدمات المصرفية الإلكترونية
أضف تعليقاً