Top


مدة القراءة: 7 دقيقة

الخوف الفطري والخوف المرضي: أسبابه، مجالاته، وطرق التغلب عليه.

الخوف الفطري والخوف المرضي: أسبابه، مجالاته، وطرق التغلب عليه.
مشاركة 
الرابط المختصر

كم عدد المرات التي تنازلنا فيها عن قوَّتنا وجبروتنا وإصرارنا، فاتحين المجال لمشاعر الخوف لِتُحكم السيطرة علينا، وتشلَّ تفكيرنا، وتشوِّه قراراتنا؟ كم عدد المرات التي قرَّرنا فيها البدء من جديد، واتباع أسلوبٍ جديدٍ في الحياة، لكنَّ خوفنا من التغيير وقف حائلاً أمام ذلك؟ كم من فرصٍ استحقَّت منَّا الدراسة الحقيقية والجديَّة، لكنَّها أُلغِيت من جرَّاء خوفنا من المجهول؟




كم من المرات التي هيمن فيها ارتباطنا بدائرة الأمان على الكثير من تفاصيل حياتنا ومساراتها، وحالَ الخوف دون اتخاذ أيِّ خطوةٍ جديةٍ لكسر هذا الارتباط؟ كم نقبل من حالاتٍ غير صحيَّةٍ في حياتنا، مع علمنا الضمني بمدى سوئها، لمجرَّد خوفنا من عدم وجود فرصٍ أخرى في الحياة أكثر إنصافاً؟

فما هو الخوف؟ وما أسبابه؟ وكيف نتخلَّص من طاقته السلبية؟ هذا ما سنتعرَّف عليه من خلال هذا المقال.

1. ما هو الخوف؟

يعتقد أغلب الناس أنَّ الخوف عبارةٌ عن مشاعر، لكنَّ حقيقة الأمر أنَّه عمليةٌ عقليةٌ تحصل نتيجة رفض الإنسان لشيءٍ ما مستقبلي، ممَّا يولِّد مشاعر سلبيةً مؤلمة.

يوجد نوعان من الخوف: الخوف الطبيعي الفطريّ الذي يحمي من الأحداث السلبية، مثل: خوف الإنسان عند قطعه لشارعٍ ما في حال وجود عددٍ كبيرٍ من السيارات المُسرِعة جداً.

والنوع الثاني من الخوف: الخوف المَرَضِيّ الذي يمنع من عيش الحياة بطريقةٍ طبيعية، فيُؤثِّر في العديد من أركانها، ويُضعِف من أداء الشخص، ويملأ حياته طاقةً سلبية.

2. ما المجالات التي يظهر فيها الخوف المرضي للإنسان؟

يؤثِّر الخوف في الكثير من الأشخاص، غازياً كلَّ تفصيلٍ من تفاصيل حياتهم. فهو يؤثِّر في:

2. 1. المجالات الاجتماعية:

كأن يخاف الشخص من التحدُّث أمام الناس، ومن التواصل الاجتماعي مع الآخرين.

2. 2. المجالات المهنية:

كأن يرفض الشخص عرض مشروع عمله أمام فريق العمل، لخوفه من أن يُخطِئ فيُقوِّمه الآخرون تقويماً سلبياً، فهو هنا يرفض أن يراه الناس بصورةٍ مغايرةٍ لما اعتادوا عليه، أي أنَّه يرفض تغيير صورته، ممَّا يولِّد لديه مشاعر سلبية.

2. 3. المجالات الدراسية:

يعاني أشخاصٌ كثرٌ من خوفٍ مرضيٍّ من الامتحان، يأتي من رفضهم الكبير للفشل، الأمر الذي ينعكس سلباً على مشاعرهم، وصحتهم، وتحصيلهم العلمي.

2. 4. المجالات العاطفية:

يخاف الكثيرون من الإقدام على الزواج، لخوفهم من تحمُّل المسؤولية، أو لخوفهم من الفشل، أو الطلاق. وعند الدخول بعمقٍ في عقول هؤلاء، نجد أنَّهم في حالة رفضٍ للألم، تُولِّد مشاعر سلبيةً مؤلمةً كالخوف.

2. 5. المجالات الذاتية:

تزداد معدَّلات الخوف لدى بعض الأشخاص لتصل إلى نوبات هلعٍ أو فزع، مع فقدان سيطرةٍ كليٍّ من قبل الشخص على حالته. كأن يُصاب شخصٌ ما بنوبة هلعٍ شديدةٍ عند سماع صوت البرق. ويكون هؤلاء الأشخاص في حالة رفضٍ قويةٍ جداً للحدث، ممَّا يؤدِّي إلى مشاعر سلبيةٍ جداً.

إقرأ أيضاً: ما هو الخوف؟ وكيف تحوّله إلى حافز يدفعك للأمام؟

3. أسباب الخوف:

3. 1. التربية الخاطئة:

يخلق الكثير من الآباء لأبنائهم الدافع عن طريق الخوف، مُعتقدين أنَّها طريقةٌ إيجابيةٌ في التربية، غير واعين أنَّ هذه الطريقة من شأنها أن تزرع في قلوب الأطفال طاقة خوفٍ رهيبةً تُعِيق تقدُّمهم الدراسي والاجتماعي.

فعندما يقول الأب لولده: "ادرس، وإلَّا سأضربك ضرباً مُبرِحاً"، أو "كُل، وإلَّا سأحرمك من مصروفك وألعابك وأصدقائك"؛ يَغرِس في مشاعر الطفل أسوأ وأخبث طاقةٍ في الوجود "طاقة الخوف"، ليختزنها الطفل في جسده، مؤثِّرةً عليه عضوياً. وقد تمرُّ الأيام ويشعر الشخص أنَّه تخلَّص منها، لكنَّها تكون دفينةً في أعماقه، وتُدمِّر كثيراً من نواحي حياته دون علمه.

3. 2. التعرُّض إلى مواقف مختلفة:

عندما يتعرَّض شخصٌ ما إلى موقفٍ مُثيرٍ للقلق أو حالةٍ ضاغطةٍ في أثناء تواجده في مكانٍ ما، سيجعله ذلك يخاف المكان؛ وكذلك إذا تعرَّض إلى هذه المواقف في أثناء وجوده مع شخصٍ معيَّن، قد ينتج عنه الخوف من هذا الشخص أو من أمثاله؛ وكذلك الأمر عند تواجده مع حيوانٍ ما، ممَّا يجعله يخاف من هذا الحيوان.

يبدأ الشخص بربط مشاعر الخوف التي شعر بها في موقفٍ ما مع شيءٍ ما (إنسان، مكان، حيوان)، وهذا ما يُسمَّى: الاشتراط. على سبيل المثال: إذا أحسَّ شخصٌ ما بمشاعر خوفٍ وقلقٍ في أثناء تقديمه لعرضٍ خاصٍ بعمله، وبوجود مدير عمله الفظِّ الذي يوتِّره؛ وقام بإسقاط مشاعره في هذا الموقف على كلِّ موقفٍ مشابه، حتَّى في حال عدم وجود مديره؛ عندها سيكون قد ربط الموقف وأيَّ موقفٍ مشابهٍ له مع مشاعر الخوف، وسيطرت عليه الحالة، وقد يعاني بعد ذلك من الرهاب الاجتماعي (الخوف من التحدُّث أمام الناس).

4. كيف تعرف أنَّك تعاني من الخوف المرضي؟

يوجد العديد من المؤشرات التي تدل على أنَّك تعاني من الخوف المرضي، وهي:

4. 1. المبالغة في رَّدة الفعل:

يعاني الكثير من الأشخاص من خوفٍ دفين من أيام الطفولة، يظهر عندما تجدهم يبالغون في ردَّات أفعالهم في حال قيام شخصٍ ما بإخافتهم. كأن تصبح دقات قلبهم متسارعةً جداً، أو يُصابون بتعرُّق شديدٍ وضيقٍ في الصدر.

4. 2. الخوف الدائم:

ويعني أن يكون الشخص في حالة قلقٍ دائم، أو خوفٍ شديدٍ من المستقبل، أو خوفٍ من أصغر موقف، كأن يخاف الشخص كثيراً إذا تأخَّر عن موعدٍ ما.

4. 3. عدم الاستفادة من الدورات التدريبية:

مَن يحرِّكهم الخوف، مثل: الخوف من الفشل، والخوف من الفقر، والخوف من العنوسة؛ لن ينجحوا في لمس نتائج مُرضية من دورات التنمية البشرية التي يتّبعونها؛ لأنَّ طاقة الخوف المختزنة ستعيق أيَّ عمليةٍ تطويريةٍ في حياتهم.

إقرأ أيضاً: أقوال وحكم عن الخوف

5. كيف أتخلَّص من مخاوفي، وأنطلق إلى تحقيق أهدافي؟

يوجد العديد من الخطوات العملية للتخلُّص من الخوف، وهي:

5. 1. اكتشاف المحرِّك الأساسي لأهدافك:

اسأل نفسك السؤال التالي: ما هي الأهداف التي تريد أن تحقِّقها؟

فإن كان هدفك الزواج، أو زيادة دخلك الشهري، أو إنجاب أطفال؛ فاسأل نفسك الآن: لماذا تريد الحصول على هذه الأهداف؟

هل تريد الزواج خوفاً من الوحدة، أم رغبةً وحبَّاً في المشاركة؟

هل تريد دخلاً كبيراً خوفاً من الفقر، أم رغبةً في عيش حياةٍ ممتعة؟

من خلال هذه الأسئلة تستطيع تحديد ما الذي يُحرِّكك، الخوف أم الحب.

إقرأ أيضاً: دليلك العلمي لتحديد الأهداف وتحقيقها

5. 2. التحقق من مصداقية أهدافك:

تخيَّل نفسك قد حققت هذه الأهداف، واستشعر الأمان والاطمئنان والسعادة. وبعد ذلك، اسأل نفسك: ما هي الأهداف الأخرى التي تريد تحقيقها؟

سيمنحك هذا السؤال معرفةً في أهدافك الحقيقية التي يجب أن تسعى إليها بحبٍّ، والتي ستُهديك باقي الأماني بمنتهى البساطة. فعند شعورك بالأمان ستظهر لكَ أهدافك الحقيقية.

5. 3. وضع أهدافٍ إيجابيةٍ نحو التطوير:

سُئِل شخصٌ: "إن كنت غنياً، ولديك مليون دولار، ماذا تفعل؟" فقال: "أترك عملي، وأستمتع بالمليون دولار، وأجوب العالم". إذاً، ينظر هذا الشخص إلى عمله على أنَّه مصدر أمانٍ له، ولن يحصل على شيءٍ ممَّا يريد في حياته.

إنَّ من ينظر إلى عمله أو شريك حياته أو أولاده، على أنَّهم مصادر أمانٍ له؛ لن يحصل على أيِّ شيءٍ ممَّا يريده، بل سيجذب إلى حياته ما لا يريد؛ لأنَّ الخوف هو ما يحرِّكه. فكلَّما كانت طاقة الخوف موجودة، سيجذب إلى حياته عكس ما يريد.

لذلك فكِّر في هدفك من جانبه الإيجابي، كأن تفكِّر أنَّك تعمل لكي تُدخِل البهجة إلى عائلتك، وتُحقِّق لهم الاكتفاء والوفرة، وتصنع رسالتك في الحياة؛ ولا تفكِّر أنَّك تعمل من أجل أمان عائلتك، وخوفاً من الفقر.

حوِّل أهدافك من محرِّك الخوف إلى محرِّك الحب، وسيتلاشى الخوف وتنعم بتحقيق ما تريد.

5. 4. التخلُّص من طاقة الخوف القديمة المتراكمة:

يستحضر الكثير من الأشخاص مواقف خوفٍ من الماضي، فيشعرون بالخوف من جديد، فيهربون من هذه المواقف ويكبتوها في دواخلهم، ممَّا يزيد من رفضهم لها، ويكبر بذلك الخوف حتَّى يظهر في صورة مرضٍ عضويٍّ أو نفسي، أو في صورة حالات فوبيا (حالات هلعٍ وفزع).

ويكون الحلّ بمواجهة هذه المشاعر والسماح لها بالخروج من داخل الإنسان.

تستطيع القيام بهذا التمرين: اجلس وحيداً مع ذاتك في غرفةٍ مظلمة، واسأل نفسك: "ما هو أكثر موقفٍ مُرعِبٍ حصلَ لكَ عندما كنتَ صغيراً؟". وعندها ابدأ بتذكُّر المدرسة، وأصدقائك، ومعلِّميك. إن لم تجد الموقف المرعب في المدرسة، فانتقل إلى منزلك، وتذكَّر والديك وإخوتك، وهكذا حتَّى تجد الموقف. بعد ذلك، استحضر الموقف بكلِّ تفاصيله، بالصوت والصورة والمشاعر، قد تجد نفسك تبكي بكاءً هيستيرياً، أو تتعرَّق بشدَّة، أو يضيق تنفسك. لا عليك، استمرّ في الاستحضار. بعد استشعار الموقف وعيشه من جديد، قُل لنفسك: "الحمدلله، لقد انتهى الموقف، وكم اختلفت من الماضي إلى الآن"، واستحضر صورتك بين الماضي والحاضر، وتأكَّد أنَّك بخيرٍ وأنَّك تجاوزت الموقف.

لقد انتصرت على مخاوفك؛ لأنَّك استحضرت المواقف المؤلمة القديمة بملء إرادتك، وسمحت لنفسك في التعبير الكامل عن ذاتها بمنتهى الحرية. ستقل مشاعر الخوف لديك كلَّما أعدتَ هذا التمرين، إلى أن تتلاشى.

إقرأ أيضاً: تعرّف على أكثر 5 مخاوف شيوعاً بين الناس

5. 5. تفكيك عناصر الخوف:

تتكوَّن عملية الخوف من ثلاثة عناصر أساسية، هي:

5. 5. 1. الأعراض الجسدية:

عليكَ أن تتقبَّل أيَّ عرضٍ جسديٍّ قد يحدث لكَ في أثناء إحساسك بالخوف، مثل: البكاء الهستيري، أو التعرُّق، أو الدوار، أو تسرُّع ضربات القلب، أو ضيق الصدر. فقط قُل أنَّك "موافقٌ" على كلٍّ من هذه الأعراض.

5. 5. 2. السلوك:

تجنَّب سلوك الهرب عند إحساسك بالخوف؛ لأنَّ الهرب من الخوف سيجذب مزيداً منه إلى حياتك. واجه مخاوفك عوضاً عن ذلك.

5. 5. 3. الأفكار والمعتقدات:

راقب أفكارك في توقيت الخوف لكي يتسنَّى لك معالجتها والتعامل معها، حيث يقع الكثير من الأشخاص ضحايا الخوف بفعلِ أخطاءٍ في التفكير.

على سبيل المثال: يعاني بعض الأشخاص من خوفٍ مَرَضِيٍّ من "فكرة الموت"، وقد تنتابهم نوبات هلعٍ نتيجة خوفهم المبالغ فيه. في هذه الحالة، عليهم معالجة أفكارهم بخصوص الموت، فمن الممكن أنَّهم قد سمعوا أحاديثاً من أشخاص متطرفين ولا يفهمون الدّين بالشكل الصحيح، مثل: أنَّ الله شديد العقاب؛ واستُعِرض لهم صورٌ مأساويةٌ عن عذاب القبر وما إلى ذلك.

عندها، عليهم اللجوء إلى كتاب الله، وأخذ المعلومات من المصدر، والتأكُّد أنَّ الله غفورٌ رحيم، وليس فقط شديد العقاب، وأنَّ التوبة الحق تَمحِي الكثير من المعاصي.

الخلاصة:

تذكَّر أنَّ ما تقاومه أو ترفضه سيزداد، لذا عليكَ بالتقبل. تقبَّل خوفك، ثمَّ واجهه، وتغلَّب عليه، وانطلق إلى اتخاذ قراراتك المصيريَّة التي كانت مُؤجَّلةً بسببه، ولا تأبه بنظرة الناس، ولا بأيِّ شيء، فطالما أنَّك تجد الأمر صحيحاً، وطالما أنَّك مؤمنٌ باللَّه، فلا تخف من أن تُطلِقَ العنان لكلِّ ما تهواه وترغب به.

 

المصادر: 1 ، 2 ، 3


تنويه: يمنع نقل هذا المقال كما هو أو استخدامه في أي مكان آخر تحت طائلة المساءلة القانونية، ويمكن استخدام فقرات أو أجزاء منه بعد الحصول على موافقة رسمية من إدارة النجاح نت.

المقالات المرتبطة بــ: الخوف الفطري والخوف المرضي: أسبابه، مجالاته، وطرق التغلب عليه.






تعليقات الموقع